أرض الغزاة الفاتحين ومُنقلَب الاحتلال الأمريكي

  لاتخفى على أحد أهمّية أفغانستان الإستراتيجية، فالبلد يمتاز بموقعه الجغرافي ومركزيته لمجموعة من البلاد التي هي من أكثر البلاد حسّاسية في العالم. ويتوفّر فيه من الموارد الطبيعة والمائية والأحجار الكريمة ما يكفي لإعمارالبلد واستغنائه. ويعيش أيضا في أرجائه شعب شجاع بطل، ورِث تاريخاً لامعاً عُرفت به أفغانستان بأنها أرض المجاهدين والفاتحين. يمتاز الشعب الأفغاني بحبه الشديد، والفريد للدين الإسلامي، كما أنه جُبل على كره سيطرة الأجانب على أرضه، ولا يرضى أبداً بأن يُقهر أو يرجع مغلوباً مهزوماً من المعركة.

نظراً إلى بعض التطورات الإقليمية والأحداث والفتن في عالمنا الإسلامي، أصبحت أرض الغزاة، منذ عقود معتركاً للقوى العالمية الكبرى.

في بداية القرن التاسع عشر الميلادي بذل البريطانيون جهوداً عظيمة للسيطرة على أفغانستان. لكنهم رغم خبرتهم الاستعمارية الطويلة في استثمار الشعوب والأقاليم المختلفة، لم يصمدوا أمام نخوة الشعب الأفغاني المسلم ومزاجه الكاره لوجود الأجانب على أرضه، وغادروا في نهاية المطاف هذه البلاد دون أن يكسبوا ذرة من خردل.

في سنة 1399 هـ ق. غزت القوات السوفياتية أفغانستان، وبذل الشيوعيون الذين كانوا يحلمون بإقامة إمبراطورية شيوعية في العالم كله، بذلوا نشاطات فكرية واسعة في أفغانستان واختاروا -بزعمهم- خيرة أبناء الشعب، و للتأرسلوهم في بعثات للتربّي على عقائد الشيوعية الملحدة في المراكز الفكرية في الاتحاد السوفياتي. ثم أعادوهم إلى أفغانستان بعد تجرّدهم عن كافة مظاهر الإيمان والإسلام التي يتّسم بها الشعب الأفغاني المسلم. لمّا تيقّن الروس أن لديهم أجندة كافية من العلماء والتلامذة في أفغانستان، وسّعوا من خلالهم نفوذهم السياسي والعسكري في هذا البلد.

استنكر الشعب الأفغاني الشيوعية ونهضوا ضدها، وظهرت ردود أفعال غاضبة في أنحاء البلد. واستعان الشيوعيون الأفغان بأسيادهم في موسكو استعانة عسكرية، فدخلت قوات الإتحاد السوفياتي أفغانستان. وما إن دخلت هذه القوات أرض الأفغان، حتى رفعت أعلام الجهاد والنضال ضدها في كلّ ناحية.

أبدى الشعب الأفغاني مقاومة شرسة بكل ما أتيح له من وسائل حتى بالحجر والخشب. واستمرّ الجهاد بعد ذلك، وتدفّق المجاهدون من أنحاء العالم إلى أفغانستان. وأصبحت أفغانستان مرّة أخرى أرض جهاد وقتال وبطولات. وتجلّت فيها آية من آيات القدرة الإلهية بهزيمة وانسحاب إحدى القوتين العالميتين، زعيمة الكتلة الشرقية. مرّة أخرى أعادت في الأذهان المقاومة القوية الباسلة للشعب الأفغاني والمجاهدين المسلمين، الذين هاجر بعضهم من سائر البلاد الإسلامية إلى أفغانستان شوقا للجهاد في سبيل الله تعالى، ذكرى شجاعات وبطولات مجاهدي الأمة المسلمة في خير قرونها وعصور عزتها وشوكتها في التاريخ الإسلامي. حقاً تلك البطولات والمشاهد لن تنسى ولن تمحى من التاريخ . لقد سجّل التاريخ المعاصر أن هزيمة الشيوعية التي كادت تبتلع كافة دول العالم، كانت على أيدي فتية في كهوف أفغانستان آمنوا بربهم وزادهم الله هدى وربط على قلوبهم. لقد ورّطت مقاومتهم الباسلة، الجيش الأحمر للإتحاد السوفياتي في مستنقع سيئ، وشلّته نهائيا، وأوقعته في إنهيار، لم يزل يتجرع مرارته بعد عقود من السنين، وليست حادثة “أوكراين” ببعيدة عنّا. وخرج السوفيات من أفغانستان سنة 1409 هـ ق خزايا، نادمين من غيرأن يكسبوا شبرا واحداً من تراب هذه الأرض.

ثمّ فوجئ العالم بحادثة 11 سبتمر سنة 2001 الميلادية، التي أدّت إلى إنهيار برجي مركز التجارة العالمية في الولايات المتحدة. و كانت هذه الحادثة كافية لترتكب الولايات المتحدة زعامة الكتلة الغربية حماقة هجوم عسكري واسع النطاق على أفغانستان.

بدأ الصليبيون الجدد هجومهم العسكري على أفغانستان. ظاهر هذا الهجوم مايسمى بـ”مكافحة الإرهاب”. وباطنه أهداف وغايات كثيرة بقيت مكتومة سرّية وراء الكواليس.

بعد الإنسحاب التكتيكي للإمارة الإسلامية حفاظاً على دماء الشعب من القصف العشوائي، فرضت الولايات المتحدة وحلفائها دولة عميلة منفّذة لبرامجهم وسياساتهم. وفرضوا إرادتهم على الشعب الأفغاني. وأذاقوا شعب هذه البلاد أنواعاً من الظلم والمصائب خلال هذه المدّة. والآن تمضي أربعة عشر سنة من احتلال أفغانستان والولايات المتحدة وحلفائها الذين هم في الحقيقة أعداء لحاكمية الإسلام والقرآن الكريم، لم يقدروا تثبيت دعائم قوتهم طيلة هذه المدة.

قدّرت نفقات هذه الحرب قرابة تريليوني دلار؛ ويعتبر ثلثي الشعب الإمريكي وفقاً لإستطلاع للرأي أن التدخل العسكري لواشنطن في أفغانستان كان خطوة خاطئة. ولازال قادة البيت الأبيض يتهربون من الاعتراف بحقائق وتبعات هذا الهجوم الذي لم يكن له نظير، على أرواح الشعب الأفغاني وأجسادهم، ولازالوا يتهربون كذلك من الاعتراف بأنهم لم ينجزوا في هذه الحرب سوى الخسارة، ولم يحققوا أياً من تلك الأهداف التي أسرّوها لشعبهم وأخفوها عن العالم. فالقوى العالمية للكفر والاستكبار بقيادة الولايات المتحدة سواء اعترفت أم لم تعترف بهزيمتها في أفغانستان، فقد خسرت وفشلت في هذا الهجوم العسكري غير المتكافئ الواسع. وسيكتب النصر والفوز النهائي إن شاء الله تعالى باسم الشعب الأفغاني المسلم والمجاهدين الذين قاتلوا وقاوموا المحتلين المعتدين.

 

على كل حال، يقال أن الولايات المتحدة عزمت على إنهاء وجودها العسكري في أفغانستان. وستسحب قواتها من أفغانستان حتى نهاية عام 2014. هل ستنسحب الولايات المتحدة حقاً؟

أعلن “أوباما” بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية سنة 2009، أن سحب القوات الإمريكية من أفغانستان، سيكون من أولويات دولته. من ناحية يرى بعض المحللين أن خروج القوات الأمريكية خطوة محتومة، مع ذلك تعتبر الولايات المتحدة وجود قواعد عسكرية في أفغانستان لأهدافها الإمبريالية أمراً لازما؛ فالولايات المتحدة لديها أكثر من 700 قاعدة عسكرية في العالم بدءا من اليابان وشرق آسيا إلى الآلمان والإفريقا والشرق الأوسط و… وهي قواعد تسعى في توفير منافع الولايات المتحدة الإمبريالية في العالم. لأجل هذا ولأجل تغطية الهزيمة والفشل يصرّ الأمريكيون كثيراً على توقيع إتفاق أمني طويل المدى مع دولة أفغانستان.

فهل ستوقّع حكومة أفغانستان هذه الاتفاقية الأمنية أم لا؟ وإن لم توقّع هذه الإتفاقية. فهل ستخرج الولايات المتحدة جميع قواتها من أفغانستان أم لا؟ وإذا سحبت قواتها جميعاً فهي هزيمة نكراء وانسحاب فاضح للولايات المتحدة وحلفائها من أفغانستان. ولا يستبعد أن يحدث الانسحاب كاملاً وتبتلى هذه القوة العظيمة المتغطرسة بالمنقلب الذي انقلب فيه الاتحاد السوفياتي السابق والمستنقع الذي وقع فيه وتصاب بالإنهيار الذي أصابه. وماذلك على الله بعزيز.