تحديات الوضع الداخلي

 


 

قوة الوضع الداخلي للدولة هي أساس كل قواها الأخرى. فإذا تكلمنا عن قوة الدولة في مجالاتها الإقليمية والدولية وسياستها الخارجية سنجد أن قوة بنيانها الداخلي هي الأساس. وإذا بحثنا عن قدرتها في الحفاظ على سلامتها الداخلية وحمايتها من العدوان الخارجي سنجد أن متانه بنيانها الداخلي هو الأساس.

ــ عوامل قوة الشعب الأفغاني التي مكنته من هزيمة ثلاث حروب كبرى متلاحقة تعرّض لها من إمبراطوريات كانت عظمى في زمانها، هي نفسها عوامل القوة التي يجب ترسيخها والحفاظ عليها بكل قوة من أجل إعادة بناء أفغانستان الجديدة، أفغانستان التي عليها مسؤوليات جسام في الزمن القادم، ومواجهات لا تقل أهمية عن معاركها مع إمبراطوريات العدوان، التي حاربتها منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن الحادي والعشرين.

ــ المعركة القادمة هي معركة الدخول بأفغانستان القوية إلى العصر الجديد الذي تنتقل فيه قيادة البشرية وقوتها إلى آسيا في مجموعة دول تقع على تخوم أفغانستان. ولا يمكن القبول بأن يكون ذلك البلد الذي مهّد للنظام الدولي بعد كل إنتصار له على امبراطوريات عظمى معتدية، أن يكون خارج الزمن الجديد. كما أن ضعف أفغانستان وتخلفها سيكون جاذباً للتدخلات الخارجية، أو حتى محاولة السيطرة الكاملة عليها، ولو بشكل غير مباشر. ومفتاح دخول أفغانستان إلى العصر الدولي الجديد الذي صنعته بجهاد أهلها، هو العمل بقوة من أجل النهضة على أسس إسلامية صحيحة، في كافة المجالات، تعليمية في الأساس ثم علمية وثقافية وتكنولوجية، صناعية وزراعية.

ومعنى أسس إسلامية صحيحة: أنها قائمة على العدالة والمساواة بين مواطنيها، بلا فرق من عرق أو لون. وتحقيق الكرامة والأمن، وتوفير العيش الكريم والمسكن الملائم والرعاية الصحية. والتعليم على أفضل ما يمكن توفيره للجميع.

ــ الإيمان والوحدة، هما أقوى أسلحة الشعب الأفغاني التي انتصر بها على جميع الغزاة، وهي أقوى أدواته في بناء دولته الحديثه، وإصلاح ما هدمته الحروب المتصلة. ومعلوم أن الشعب الأفغاني مستهدف من قبل أعدائه في هاتين النقطتين تحديداً، أي النيل من إيمانه ومن وحدته.

 

الفتنة الكبرى.. مقتل المسلمين :

أولاً: الدول الإسلامية أكثرها مهددة بإشعال الفتن والإقتتال الداخلي، والهدف هو القضاء على أي أمل يراود تلك الشعوب في إقامة نظام حكم إسلامي عادل وصحيح. وإضعافها وتقسيمها لتسهيل إبتلاعها وسرقة ثروتها والإستيلاء على أراضيها والإستفادة من موقعها الجغرافي. وتفتيت المجتمع المسلم إلى فئات متناحرة وضعيفة وجميعها يستنجد بالمستعمر طلبا للحماية.

ومقولة الشرق الأوسط الكبير، باتت مشهورة جداً، وفهم الجميع معناها الذي هو إغراق الدول العربية في مشاكل داخلية لاحصر لها، محورها إقتتال السكان على أساس عرقي وطائفي ومذهبي، وتقسيم الدول القائمة إلى مكونات أصغر وأضعف، وبهذا يصير المسلمون خارج مسار التاريخ، ويتقدم العالم ويتخلفون ويزدادون فقراً وضعفاً وتراجعاً.

أهم عناوين ذلك الصراع الداخلي وأخطرها كان هو الصراع المذهبي بين السنة والشيعة. وعلى ذلك الأساس تأسست الكثير من التنظيمات والجماعات وسالت أنهار من الدماء.

معروف أن برنامج الفتنة العظمى هو من أفكار إسرائيل وبالتنسيق المشترك بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المنطقة العربية تجلت عبقرية التخطيط للفتنة. فالثورات المجهضة أو المفتعلة في “الربيع العربي” أفشلت إمكانية الثورة الحقيقية، التي تستهدف النهوض الحقيقي والجهاد ضد إسرائيل والهيمنة الأمريكية. وقامت الفتنة العربية لإستكمال برامج أمريكا وإسرائيل في المنطقة والحفاظ على مصالحهما بأيدى محلية، وطنية.

من ملامح الفتنة العظمى إستعانة أطرافها المحلية بالعون الخارجي، حتى يمكن إعتبارها حرباً بالوكالة.

 

أفغانستان وأوراسيا، في برنامج الفتنة العظمى:

لأفغانستان أهمية كبرى في برنامج الفتنه العظمى الذي تسعى إلى ترويجه الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكل منهما حساباته الخاصة. تلك الفتنة لن تهدد أفغانستان فقط، بل تهدد بشكل أكبر جميع الدول المحيطة بها. فتلك المنطقة زاخرة بالقوميات المجزأة بحدود سياسية. وجميع تلك الدول تعاني شكلاً من أشكال المعارضات الداخلية، على أساس ديني أو عرقي، وتقع أفغانستان في مركز ذلك التعقيد البشري.

لأجل ذلك ينتاب دول المنطقة قلقاً ـ ربما كان مبرراً ـ من إتجاهات الحكم القادم إلى أفغانستان بعد تحريرها من إحتلال أمريكا وحلف الناتو.

تستهدف أمريكا من إشعال الفتنة الكبرى في تلك المنطقة إستزاف -أو حتى على المدى الطويل إستبدال- عدد من أنظمة الدول الهامة. مستخدمين سلاح الفتن الداخلية خاصة “الورقة الإسلامية” ضد كل من الصين وروسيا، وإستخدام الورقة الطائفية والعرقية ضد كل من إيران وأفغانستان نفسها. وترى مدارس إستراتيجية معتبرة في الغرب أن السيطرة على العالم تستلزم السيطرة على / أو إحتلال/ منطقة “أوراسيا” الممتدة من حدود أوروبا الغربية إلى شواطئ بحر الصين. وذلك يفسر تماما ما يحدث في تلك المنطقة من أحداث في أوكرانيا وجورجيا والقوقاز والجمهوريات الإسلامية وأفغانستان ومنطقة سينكيانج الإسلامية في الصين. فمعظم الإضطرابات والحروب والثورات في تلك المنطقة تحت أيادي مهندسي الفتنة في دول الغرب، تندرج تحت تلك الإستراتيجية الإستعمارية، التي عبر عنها بشكل كامل البلاغة والوضوح “زبجنيو بريجينسكى” مستشار الأمن القومي السابق في الإدارة الأمريكية.

– ترغب أمريكا في إستخدام أفغانستان كركيزة لحرب عصابات “سنية” ضد إيران “الشيعية”، بهدف إسقاط نظامها أو إضعافه بشدة بحيث يمكن إسقاطه بضربة يسيرة في متناول أمريكا أو إسرائيل أو كلاهما معا. تلك الحرب الطائفية سوف تنهي إيران وأفغانستان معا، فيخرجان تماماً من خريطة العالم السياسية ونظامه الدولي القادم، وكلاهما مرشح لدور كبير جداً في ذلك النظام، خاصة إذا ساد بينهما نوع من التفاهم والتناغم الإستراتيجي لخلق كتلة إسلامية حضارية ومتعاونة في أسيا الوسطى وجنوب القارة خاصة في باكستان والهند وبنجلادش، وشرقها خاصة في الصين.

تلك الدول في محيط أفغانستان هي محاور هامة في نظام دولي قادم ستحتل الصين صدارته الإقتصادية. والصراع بين الهند وباكستان يشهد إستخداماً متبادلاً لأوراق الفتن الداخلية. فالهند تستخدم ضد باكستان ورقة القوميات وباكستان تستخدم ضد الهند “الورقة الإسلامية” وكلاهما – أي الهند وباكستان – ينظران إلى أفغانستان كساحة للصراع الإستراتيجي بينهما. فباكستان تريدها حديقة خلفية وعمقاً يعوض ضيق أراضيها مقابل الهند الشاسعة، بينما الهند ترى في أفغانستان الموالية لها قفلا يحصر باكستان، مثل حبة جوز، بين فكي كماشة.

ولكن أفغانستان القادمة في صباح اليوم التالي بعد التحرير، ليس من مصلحتها حدوث أياً من الفتن كلها، لا العرقي منها ولا المذهبي ولا فتنة التزاحم الإستراتيجي بين أفيال أسيا.

وأعداء أفغانسان سوف يبذلون جهدهم لتفتيت قوة أفغانستان بتفتيت قوة شعبها وإشعال الفتن المذهبية والعرقية. وأمريكا سعت في الماضي وسوف تسعى لاحقاً لإنشاء حلف كراهية من دول الجوار الأفغاني من أجل حصار أفغانستان وإحراقها بنيران الفتن، وجعلها مجرد منطقة نفوذ لدول الجوار وفوقهم القوى الدولية الظالمة.

 

علاقة الدولة الجديدة مع القبائل :

ذكرنا أن أهم واجبات الدولة القادمة بعد التحرير هو تقوية أواصر الترابط والأخوة والتعاون بين فئات المجتمع الأفغاني، وجعل التنوع العرقي والمذهبي مدخلاً للتفاهم والتعارف، والتعاون للخير المشترك الذي يعني المعيشة الكريمة الآمنة للجميع وفتح آفاق التقدم والإزدهار للأجيال القادمة، (… وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم… ) ـ الحجرات، الاية 13 ـ

ــ القبائل كانت هي أساس الجهاد ضد الغزاة المعتدين على مر التاريخ القديم والحديث، وهي التي قدمت أبناءها وأموالها وتحملت الدمار والقتل والخسائر المادية الكبيرة. لذا فالقبائل ينبغي أن تكون في قلب عملية إعادة بناء أفغانستان وتطويرها لدخول الساحة العالمية من أوسع أبوابها، حاملة معها قيم الإسلام وتعاليمه ونموذجه الحضاري الحديث. القبائل تضم كل سكان أفغانستان، وهي كيانات قوية وفعالة، رغم محاولات الإضعاف التي قام بها المستعمر في مراحل غزواته المختلفة. ربما كان أخطر تلك المحاولات هو تكوين أحزاب بيشاور “الجهادية” إبان الحرب ضد السوفييت. تلك الأحزاب عملت بدأب على تقسيم القبائل على أسس حزبية، فانتشرت روح التنافس وحتى العداوة والإقتتال بين أفراد القبيلة الواحدة.

والشريحة الثانية هم سكان الريف والأحياء الفقيرة في المدن، وهؤلاء هم من أبناء القبائل الذين استوطنوا المدن واستقروا فيها – أو دفعتهم ظروف الحرب إلى السكن على حواف المدن وفي أحيائها الفقيرة كنوع من الهجرة الداخلية. ومعروف أن تلك الفئات الفقيرة في معظمها هي التي جعلت من الريف والمدن حاضنة هامة للمجاهدين، تمدهم بالرجال والمال وتتحمل تبعات ذلك قتلاً ودماراً.                               العلاقة بين الدولة والقبائل، هي مسألة هامةجداً في أفغانستان، فالقبيلة هي الوحدة الإحتماعية الأساسية التي تتعامل معها الدولة. وحيث أن الدولة في أفغانستان منذ إنشائها حتى وقت الإحتلال الأمريكي، لم تتمتع بأجهزة حكومية فعالة تحقق مركزية إدارية وسياسية قوية، فكان همّ الدولة الأول هو بناء قوة مسلحة للسيطرة على الأوضاع، واعتبرت الجيش هو عماد الدولة ثم الشرطة والمخابرات. ثم على مسافة أبعد تأتي أجهزة الإدارة المحلية والخدمات البسيطة.

لذا كانت التفاهمات مع القبائل هي الأساس، وفي نفس الوقت محاولات الحكومة المركزية إضعاف تلك القبائل وإنتقاص صلاحياتها في إدارة شؤون أفرادها، والإستثناء كان لقبائل الحدود التي كانت بمثابه الدرع الواقي للدولة الضعيفة في كابول، مع وجود تهديد مستمر في أن تنقل تلك القبائل ولاءها إلى خارج حدود الدولة. لهذا كانت “وزارة الحدود والقبائل” من الوزارات السيادية الهامة في أفغانستان، وهدفها كان ضمان ولاء القبائل الحدودية على الجانب الأفغاني أو حتى الجانب الآخر.

– قد يكون من الأنسب في المرحلة القادمة -في صباح اليوم التالي- أن يدخل التعاون بين الدولة والقبائل إلى مرحلة المؤسسات المشتركة، وأن تنتقل مشاريع الدولة والقبائل إلى مرحلة العمل الميداني الوثيق. لذا يلزم تكوين إطار مؤسسي وليكن مسماه (مجالس العمل المحلي) والذي يضم مندوبي الدولة في تخصصاتهم المختلفة مع كبار القادة القبليين من علماء وشيوخ قبائل، وقادة الجهاد السابقين وكبار المتعلمين المخلصين من أبناء القبيلة. يقر ذلك المجلس مشاريع الحكومة المركزية المتعلقه بالقبيلة في مجالات أهمها البنية التحتية من طرق وجسور وكهرباء، والتعليم والصحة والدفاع والأمن، والمشاريع الإقتصادية والصناعات المختلفة واستخراج الخامات الطبيعية والإستفادة منها. كل ذلك بالإرتباط مع التخطيط المركزي الذي تتولاه الحكومة المركزية في العاصمة، وتتولى (مجالس العمل المحلي) مناقشة المشاريع في مناطقها والإشراف على تنفيذها بواسطة أيدي قبلية وإسناد حكومي بالكفاءات المطلوبة والتمويل اللازم. مثل ذلك التنظيم سيقلل الكثير من النفقات والمشاكل اللوجستيه من فوق كاهل الحكومة المركزية، كما سيوفر الكثير من المرونة في مقابلة الطوارئ ومعالجة المشكلات المحلية ومشاكل الأسر الصغيرة والأفراد كما أنه سيوفر الكثير من فرص العمل والنهضة الإقتصادية للمناطق القبلية. وبذلك تكون القبيلة مشاركاً بقوة في شؤون الدولة وصاحبة مصلحة أكيدة في الدفاع عنها وتحمل مشاق تنميتها ونهضتها.

ــ بالطبع فإن أي مشروع في أي مجال له صفه إستراتيجية سوف تتصدى له مباشرة الحكومة المركزية، بالتعاون مع (مجلس العمل المحلي) بالقدر الممكن.

 

القبائل والشورى:

القبائل عبر مجالسها الخاصة “بالعمل المحلي” يمكنها أن تشارك في عملية الشورى على أعلى مستوى، إلى جانب القيادة السياسية العليا. تلك المجالس المحلية يمكنها أن ترشح أفضل العناصر في مناطقها للمشاركة في (مجلس الشورى المركزي) بالعاصمة ليساهم في صناعة القرارات المصيرية وإقرار الخطط الكبرى للدولة، وسن القوانين الضرورية لضبط مسيرة الحياة في الوطن.

وليس هناك قيود على عدد المرشحين لعملية الشورى المركزية، بل يكون المجال مفتوحاً لكل من يمتلك مؤهلات المشاركة بالمشورة وتصويب القرارت والقوانين وهي أمور (فوق قبلية) تتعلق بالوطن. وهي ليست عملية مطالب قبلية أو وجاهات إجتماعية أو إقتناص للأموال، بل هو صناعة لمستقبل وطن من منظور إسلامي. “مجالس العمل المحلي” تتصل مباشرة بمجالس الشورى في القطاعات. والقطاع هو إطار إداري يضم عدة ولايات متجاورة.

 

التحدي التعليمي:

التعليم هو تحدي الحاضر والمستقبل، فصناعة الأمة تبدأ من التعليم. ورأينا كيف حاول المستعمر الأمريكي أن يغير طبيعة الشعب الأفغاني عن طريق مناهج تعليميه جديدة، تبعده عن الدين وعن تاريخ بلاده وتربطه بثقافة الغرب وتاريخه. إضافة إلى محاولات تنصير الطلاب إما بشكل مباشر أو غير مباشر. إضافة إلى القدوة السيئة من خلال المدرسين الذين يمثلون ثقافة المستعمر وسلوكياته السيئة، ويقدمونها بشكل علني ويدافعون عنها بالقول والسلوك. وهي نفس المشاكل التي واجهها الشعب ومجاهدوه مع الإحتلال السوفيتي، وقاوموها بما تيسر لهم من وسائل قوليه وفعلية. لهذا اعتبرت المدارس غزوا ثقافياً وكثيراً ما هوجمت، وكذلك المدرسين الذين عملوا كدعاة للمستعمر وثقافته ومعتقداته. لهذا أطلق المستعمرون القدماء والمحدثين إشاعة تقول بأن المجاهدين يعتروضون على العملية التعليمية إجمالاً، وتعليم البنات خصوصاً. والحقيقة هي أن الشعب الأفغاني حريص على دينه وثقافته، ولا يقبل بالعدوان عليها أوتربية أبنائه على ما يخالفها. وهو بالطبع أشد غيرة على البنات حيث تكون ردة فعله أسرع وأشد.

منذ الأيام الأولى للإحتلال الأمريكي، ألغى مناهج التعليم التي كانت سائدة وقت حكم الإمارة الإسلامية، وسرعان ما ألغى كل ذلك مستبدلاً جميع الكتب بأخرى ألفها خبراؤه وطبعت في بلاده باللغات المحلية، وشحنت إلى أفغانستان بالطائرات. وربما كانت هي نفس الطائرات التي نقلت الهيروين من قواعده الجوية في أفغانستان إلى الولايات المتحدة.

 

يلاحظ في الموجة التعليمية القادمة:

ــ أن الهدف الأهم من التعليم الجديد هو الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية والتاريخية للأجيال القادمة.

ــ إعداد الأجيال القادمة لدخول عصر العلوم والتكنولوجيا، وقيادة نهضة صناعية زراعية وبحثية.

ــ تمكين أفغانستان من أداء دورها الإسلامي والدولي في العصر القادم. وتلك رسالة يجب أن تكون واضحة خلال مراحل التعليم والمناهج الثقافية. وإبراز أن مكانة أفغانستان التاريخية المميزة نابعة من تمسكها بالدين وثقافة الحرية والغيرة على كل ماهو مقدس. وأن ميزة أفغانستان في محيطها والعالم نابعة من نظامها الإجتماعي المتماسك المتآخي والمتعاون، ومن فلسفة المجتمع المتراحم القوي والدولة العادلة والشفافة. فلسفه المجتمع الصحيح الذي يمتلك دوله ترعى شؤونه، وليس فلسفه الدولة التي تمتلك شعباً تتحكم فيه بالقوة والخداع. الدولة التي تقدم معتقداتها إلى العالم عن طريق القدوة والنموذج الذي يعبر عن نفسه بواسطة أفراده وليس بأجهزة الدولة، وعن طريق قوة الإقناع وليس الإقناع بالقوة.

ــ بالتعليم تتخرج أجيال تبني مجتمع الإسلام الحقيقي الواقعي، إسلام يغزو الروح بسماحته ويغزو العقول بإحترامها والتعامل معها بالمنطق والبرهان وحقائق الواقع ونماذجه الحية.

إسلام يقدم الإيمان للروح ويقدم معه الطعام والأمن للناس {… فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ــ سورة قريش.

فلا جوع هنا، فليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يموت فيه البعض من التخمه ويموت آخرون من الجوع، وليس هو بمجتمع يجوع فيه أي أحد بشكل مطلق – سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، موافقاً للنظام أو معارضاً له ــ فالكل يشبع والجميع آمن من الخوف، كل أنواع الخوف، فلا ظلم ولا إستئثار بالسلطة ولا سوء إستخدام لها، فالسلطة خدمة للجميع بضوابط وقوانين الشرع، فلا هي سلطة متسلطة ولا فاسدة ولا أنانية طامعة تحتكر الثروات.

ــ منع أزدواجية التعليم، وأخذ العبرة بما حدث في دول إسلامية أخرى سمحت بوجود مدارس أجنبية تدرس مناهج بلادها الأصلية. والنتيجة كانت وجود أجيال غربية التفكير والثقافة. وبشكل عام صبّت تلك الثقافة مجهودها لمكافحة الإسلام ومنع دخوله إلى الحياة العامة، فكان الكثير منهم موالين سياسياً وثقافيا للدول التي تعلموا في مدارسها. ومعلوم في أفغانستان أن الشيوعية انتشرت من المدارس الأجنبية خاصة المدرسة الألمانية في كابول.

والجامعات الأمريكية في الدول العربية معلوم تاريخ الكثير من خريجيها في بناء العلمانية المتوحشة المحاربة للإسلام، بينما الفرص مفتوحة أمام خريجيها لتولي أعلى المناصب في الدولة والحياة العامة.

ــ المرحلة الإلزامية في التعليم – التي يفرض على الأطفال حضورها وتتراوح ما بين 6 سنوات إلى عشرة، يكون التعليم الإسلامي هو محورها، ويحدد فيها مقدار إلزامي من العلوم الحديثة.

يمكن للمدارس الأهلية الصغيرة في المناطق النائية أن تدرس نفس المناهج، بمساعدة الدولة، مع تزودهم بمنهج إضافي في الرياضيات والعلوم واللغات، خاصة اللغة العربية. ومن أجل استكمال طلابها مسيرتهم التعليمية يمكنهم التوجه إلى مدارس أكبر في المدن القريبة، وأن تساعد الدولة الفقراء منهم مالياً وعينياً لتشجيعهم على مواصلة التعليم. وعند التحاقهم بمدارس المدينة يؤدون إختباراً شفهياً وتحريرياً للتأكد من جودة تحصيلهم. وتصرف مكافآت مجزية للمدرسين في المدارس النائية لقاء نجاح كل طالب قاموا بتعليمه.

ــ الإعتماد على المدارس الصغيرة في المناطق البعيدة يوفر الكثير من نفقات بناء المدارس الجديدة ويستفيد من القدرات التعليمية الموجودة بالفعل في تلك المناطق، كما يشجع أكبر عدد من الأطفال على الإلتحاق بالمدارس القريبة من منازلهم بدون الإغتراب في مدن بعيدة، وتستفيد الفتيات بشكل خاص من تلك المزايا.

ــ (مجالس العمل المحلي) في المناطق القبلية تكون مسؤولة عن تسيير تلك المدارس والإشراف عليها، بالتنسيق مع محافظ القطاع (القطاع مجموعة ولايات في كيان إداري واحد ) ومع الحكومة المركزية بالعاصمة.

 

 

___________

بقلم الأستاذ مصطفى حامد. – نقلا عن كتاب: “أفغانستان في صباح اليوم التالي”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*