الحياء وأثره في حياة المسلم

إن الحياء من أعظم الصفات التي تجنب الإنسان الوقوع في الرذائل وتمنعه من ارتكاب سفساف الأمور وقبائحها، فمن اتصف بصفة الحياء فهو دائماً يتطلع إلى المعالي من الأمور، ويبتعد كل الابتعاد عن كل ما يمس كرامته أو إنسانيته أو همته وعزمه الذي به يفتح القلوب ويسيطر على الأهواء والشهوات النفسية.

وإن أهم ما يميز الإنسان عن البهائم ويمنعه من الانسياق وراء دواعي الشهوات ونوازع الهوى هو الحياء، فإذا تحلى به الإنسان، تميز عن سائر الحيوانات، وكانت له مكانة مرموقة عند الله والناس. ناهيك عن التأكيدات النبوية والقرآنية على التحلي بصفة الحياء.

وإن من أكبر الرزايا التي أصيب بها الإنسان في القرن الأخير -بسبب الحضارة الغربية الماجنة- هي فقدان الحياء من قلوب الناس، مما أنتج الدعارة والفوضى والانهيار الخلقي في المجتمعات، ومع الأسف الأسيف، استورد المسلمون هذه الأخلاق المدمِرة والعادات السيئة المناهضة للعفة والحياء بكل مثالبها فكان أن تدهور مجتمعنا تدهوراً عظيماً وأصيب بالشلل الفكري والانحطاط الخلقي العظيم.

 

أنواع الحیاء:

الحیاء علی نوعین: النوع الأول: حياء جِبِلِّيّ فطري، وهو ما كان فطرة وجِبِلّة في الإنسان، وهو من أعظم النعم التي يمن الله بها على من يشاء من عباده، لأنه لا يأتي إلا بالخير للعبد، فإن بعض الناس قد يكفّ عن القبائح والمعاصي ابتداءً لما فُطِر عليه من الحياء، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لأشجِّ بني عصر: إن فيك خُلَّتين يحبهما الله عز وجل، قلت: ما هما؟ قال: الحلم والحياء، قلت: أقديما كانتا فيَّ أم حديثا؟ قال: بل قديما، قلت: الحمد لله الذي جبلني على خُلَّتين يحبهما الله عز وجل. رواه أحمد.

النوع الثاني: حياء مكتسب: وهو من أعلى خصال الإيمان، ودرجات الإحسان، وهو الذي يمنع المؤمن من ارتكاب المعاصي والوقوع في المکروهات. وهو ما بیّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله، قال ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.

 

والحياء من حيث الأمر به على قسمين:

1ـ  حياء محمود، وهو الذي حثت عليه النصوص ورغّبت فيه الشريعة، بمباشرة الأمور الخلقية التي جاءت عليها التأكيدات النبوية، والاحتراز من الأمور المنهي عنها في الشرع.

2ـ  حياء مذموم: وهو الذي يؤدي إلى ترك الواجبات وفعل المحرمات أو ترك المندوبات وفعل المكروهات. قال ابن حجر: ( وَأَمَّا مَا يَقَع سَبَبًا لِتَرْكِ أَمْر شَرْعِيّ فَهُوَ مَذْمُوم، وَلَيْسَ هُوَ بِحَيَاءٍ شَرْعِيّ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْف وَمَهَانَة، وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِ مُجَاهِد: لَا يَتَعَلَّم الْعِلْم مُسْتَحْيٍ ولا مستكبر وَهُوَ بِإِسْكَانِ الْحَاء. وَ ” لَا ” فِي كَلَامه نَافِيَة لَا نَاهِيَة ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ مِيم يَتَعَلَّم مَضْمُومَة ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَحْرِيض الْمُتَعَلِّمِينَ عَلَى تَرْك الْعَجْز وَالتَّكَبُّر لِمَا يُؤَثِّر كُلّ مِنْهُمَا مِنْ النَّقْص فِي التَّعْلِيم).فتح الباري ج1 ص206. وقد مدحت عائشة نساء الأنصار فقالت: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ. (متفق عليه)

 

الأحاديث الواردة في التحلي بصفة الحياء:

1- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل من الأنصار وهو يعِظ أخاه في الحياء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإن الحياء من الإيمان) متفق عليه. ومعنى يعِظ أخاه في الحياء، يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرّ بك.

2- عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا بخير) متفق عليه. وفي رواية لمسلم: (الحياء خير كله) أو قال: (الحياء كله خير).

3- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول: لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.

4- عن أبي مسعود –رضي الله عنه – قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت) رواه أحمد وأبو داوود.

 

فضل الحياء:

أ – هو من صفات الله تعالى: عن سلمان رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم: «إن الله يستحي أن يبسط العبد إليه يديه فيهما خيراً فيردهما خائبتين» أخرجه الحاكم في المستدرك (ج4ص377). وقال «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين». وروى البيهقي في شعب الإيمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حيي يحب الحياء، وستير يحب الستر، فإذا اغتسل أحدكم فليتوار» أي ليستتر.

ب – هو من صفات الملائكة الكرام: حيث ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عثمان (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) رواه مسلم، قال النووي: (وفيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة، وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة).

ج – أنه من صفات الرسول – صلى الله عليه وسلم – قدوة البشر: فقد جاء في الأثر عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أنه قال: (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه). متفق عليه، قال ابن حجر في الفتح: (فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دُخِلَ عليها في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه، ومحل وجود الحياء منه صلى الله عليه وسلم في غير حدود الله).

 

مجالات الحياء:

قال أبو الحسن الماوردي في كتابه “أدب الدنيا والدين”: الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه، أحدها: حياؤه من الله تعالى. والثاني: حياؤه من الناس. والثالث: حياؤه من نفسه. فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره. روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “استحيوا من الله عز وجل حق الحياء، فقيل يا رسول الله فكيف نستحي من الله عز وجل حق الحياء؟ قال: من حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر الموت والبلى، فقد استحيا من الله عز وجل حق الحياء”، وهذا الحديث من أبلغ الوصايا. ويقول أبو الحسن الماوردي عن نفسه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ذات ليلة، فقلت يا رسول الله، أوصني، فقال: استحِ من الله عز وجل حق الحياء. ثم قال: تغير الناس. قلت: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: كنت أنظر إلى الصبي، فأرى من وجهه البشر والحياء، وأنا أنظر إليه اليوم، فلا أرى ذلك في وجهه. وأما حياؤه من الناس: فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تقوى الله اتقاء الناس”. وروى أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس، وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس. وأما حياؤه من نفسه، فيكون بالعفة وصيانة الخلوات. وقال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك، وقال بعض الأدباء: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده قدر. (أدب الدنیا والدین:250).

صور من تطبيقات الحياء في حياة الناس:

1- الصدق في المعاملة (بيعاً، وشراءً، وتعليماً، واستشارةً، وموعداً… الخ) وهذه من صفات المروءة التي يحمل عليها الحياء، قبل أن يدعو إليها الإسلام، ومن الشواهد على ذلك الحوار المشهور بين أبي سفيان (عندما كان في الجاهلية) وهرقل حيث أجابه بصدق عن كل ما سأل ولم يكذب بل قال: (فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ). وما أحوجنا إلى مثل هذا الصدق في معاملاتنا، وفي حكمنا على الآخرين، بل وفي حكمنا على أنفسنا.

2- أدب الطلاب مع المعلمين، واحترام الصغار للكبار، ومن الشواهد على ذلك ما جاء في فتح الباري عن ابن عمر أنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَاهِيَ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ – وفي رواية فَأَرَدْت أَنْ أَقُول هِيَ النَّخْلَة فَإِذَا أَنَا أَصْغَر الْقَوْم – ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَاهِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ ).

3- شيوع العفة بين الفقراء وترك الإلحاح في السؤال، جاء في صحيح البخاري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ، وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا) قال ابن حجر: (وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَسْكَنَةَ إِنَّمَا تُحْمَدُ مَعَ الْعِفَّةِ عَنْ السُّؤَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْحَاجَةِ، وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَحُسْن الْإِرْشَادِ لِوَضْعِ الصَّدَقَةِ، وَأَنْ يَتَحَرَّى وَضْعهَا فِيمَنْ صِفَتُهُ التَّعَفُّف دُونَ الْإِلْحَاحِ). (الفتح ج5 ص97).

4- بوجود الحياء تختفي المظاهر السلبية من مجتمعاتنا ومنها: النساء الكاسيات العاريات (من الطالبات، أو العاملات، أو العاطلات، وغيرها من مظاهر الدعارة والفحشاء والتحرش الجنسي الذي فشا في مجتمعنا فشواً متزايداً).