أيام في قلب معسكر استشهاديين

أردت أنا و أخي في الله (الأخ أنور) الذهاب إلى منطقة ” خاشرود” في العشر الأخيرة من شهر رجب عام 1433هـ.ق، وكنّا آنذاك ببرافشة، فاستأذنّا من المسؤول، فأذِن لنا قولاً وأبى علينا عملاً؛ فإنه كان يحدد لنا موعداً ليرسلنا فيه إلى “خاشرود” فإذا حان الموعد لم يفعل، كم أصررنا عليه وألححنا، كم سعينا في هذا السبيل واجتهدنا، كم ترددنا عليه وصبرنا، كم قعدنا على الباب وانتظرنا، ولكن مع الأسف، فإن كل هذه الجهود المضنية والمساعي المتضافرة باءت بالفشل، مضت علينا قرابة الشهر على هذه الحال، ولم نستطع إليها سبيلاً..!

وأخيراً شقّ اليأس طريقه إلى قلوبنا، ولكن الشوق يزداد يوماً بعد يوم، ويزيدنا تألماً وتحسّراً، فطالت علينا المصيبة وصعبت علينا البليّة؛ لأن الشوق إلى معارك “خاشرود” كان قد تغلغل في سويداء قلوبنا حينئذ، وجرى مجرى الدم في الشرايين والعروق، وسرى في أمخاخنا، لا يقدر أن يصرفنا عنها صارف ولايمنعنا عنها مانع؛ فإن الحديث عنها كان قد أصبح مشغَـلة ليلنا ونهارنا، وعمل صباحنا ومساءنا.

وبينما نحن في شوق صادق ويأس مرير، فاجئنا ذات يوم أحد أمرائنا في معسكرنا وقال: إن “معسكر الاستشهاديين” – نظرا إلى قلة العدد – بحاجة إلى من يساعدهم في الحراسة، وسأل: من يساعدهم منكم ويلتحق بهم لعدّة أيام؟

فأجبنا ( أنا وصاحبي أنور) ذلك الاقتراح دون تريث أو تأمّل، حتى لا يسبقنا أحد في هذه الكرامة التي منّ الله علينا بها، والتي كانت من أطيب أحلامي وأعذب أمنياتي؛ فإن فرصة لقائهم مما يفتخر به المفتخرون، ويعتزّ به المعتزون فضلاً عن معاشرتهم ومصاحبتهم طول الليل والنهار، فانتهزنا هذه الفرصة الثمينة وأخذنا ننطلق إلى المعسكر بخطوات حازمة، والشمس قد توسطت السماء، وطالت علينا الطريق شوقاً إليهم، والشوق يزيد ساعة فساعة بحسب الخطوات التي نخطوها إليهم، ولا نبالي بما لاقينا في الطريق، ولا نأبه بشيء ممّا أصابنا من العطش والعرق، إذ طوينا أكثر الطريق مشياً على الأقدام.

لمّا دخلنا المعسكر استقبلونا بالبِشْر والتّرحاب، وحيّونا تحية شقيقين طال فراقهما، فنفض عنّا التعب ما وجدناه من الاستقبال الحارّ والبسمات العذبة والتحايا الكريمة.

بمجرد الدخول، ومنذ أول اللقاء، شعرنا بتفاوت عظيم بينهم وبين غيرهم في مكارم الأخلاق، والتعامل، والمصاحبة، والواقع أننا وجدنا أنفسنا في بيئة غير بيئة عهدناها، ولمسنا هنالك صورة حديثة من الحياة الزائفة الزاهية، وطرازاً غريباً من السلوك والعمل والمعاشرة، فكأن أرض ذلك المعسكر – إن صحّ التعبير – غير أرض الدنيا وسماءه غير سماء الدنيا.

إنا وجدنا العجب في كل شيء، في كلامهم، وفي عملهم، وفي صدقهم، وفي مواساتهم، وفي زهدهم بالدنيا وميلهم إلى الآخرة. ورأينا فيهم من الصدق والإيمان، والإيثار، والعمل، والنصح، والخير، والبرّ، والتواضع ودماثة الخُلق، والتضرع مالم نره في غيرهم.

لم يكن للحقد، والحسد، والمكيدة سبيلاً إلى صدورهم. ولم يكن للكذب والسبّ، والغيبة في ألسنتهم مجال. ولم يكن للسوء إلى عملهم سبيل. وألسنتهم لاتزال تذكر الله، وقلوبهم زهدت بالدنيا بل وضعت حبلها على غاربها، وعيونهم ترفّعت عن زخرف الدنيا وجمالها، وألسنتهم لا تنطلق إلا بالحديث عن ظفر الإسلام وانتصاره وهزيمة الكفر وخذلانه، كانوا ينتظرون لقاء الله دوماً، ويتلهفون للشهادة، ويتعطشون إلى المعركة الحاسمة ضدّ الكفر والصليب.

إنّ الحمية للإسلام قد خالطت أعماق قلوبهم، وحبّ الرباط والذود عن ضعاف المسلمين قد جرى فيهم مجرى الدم في الشرايين.

لا يفوتني تألم الشيخ (عزة الله) وتوجّعه وتحسّره على تخلفه عن قافلة الشهادة؛ لأنه كان ينتظر الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الله، ويترقب التضحية بروحه فداءاً لراية الإسلام، وإحراق راية الصليب منذ أمد بعيد، وبما أنه كان أعرج، نحيف البدن، نحيل الجسم، لا يقدر على ما يقدر عليه أصحابه الذين يتنافسون في الاستشهاد، سبقه أصحابه وتخلف عنهم – بطبيعة الحال – فكم تمنى الشهادة وانتظرها. أعجبني والله إيمانه القوي، وعزمه الأكيد، وحزمه الرفيع، وطموحه العالي، وهمته الساطعة، وغيرته الإسلامية وحبّه النقي.

وتجسّد أمامي معنى أن هناك قوماً يحبون الموت كما يحب أعداءهم الحياة، لا يخضعون أمام العدوّ ولا ينهزمون أبداً مهما طال الليل، ودامت محنتهم، وضعفت قوتهم، وإن ملّةً هذا شأنها لا تتضعضع رسالتها، ولاتفسد عقيدتها، ولا تكلّ إرادتها، ولايتنحى أثرها، ولا يعوج بناءها، ولاينساها التاريخ أبداً.

ومما أعجبني من عملهم، التزامهم بتلاوة القرآن الكريم يومياً، كان أحدهم يتنحى بعد صلاة العصر ناحية ويجلس فيها يتلو القرآن، ولا يلتفت أثناء التلاوة إلى يمينه وشماله، ولا يقوم بعمل آخر إلى أن تتوارى الشمس بالحجاب.

ومن الجدير أن أوجز هنا منظر رياضتهم البدنية، فإنهم كانوا يُولون الإعداد البدني والرياضة البدنية عناية كبيرة، يقومون بالتدريبات العسكرية بعد صلاة الفجر مباشرة لمدة ساعات عديدة متوالية يومياً، فتارة يعدُون، وتارة يقومون بالرماية، وتارة يتعلّمون الحِراب، بهمّة لا تعرف الكسل، وإرادة لا تعرف الملل، وهمة لا تعرف الكلل، وشوق قلّ مثله في غيرهم إلا من شذّ وندر.

إن هذا المنظر الرائع الثمين كان ينعشنا، وينفخ في صدورنا روحاً جديدة، عندما نجلس نشاهدهم أو نقوم نشاركهم في عملهم، إن هذا المنظر يذكرنا ببطولات الأبطال في أنضر العصور الإسلامية وأزهرها، ويملأ أنفسنا أملاً و رجاء وسروراً، ويؤملنا عودة مجدنا السالف، وعزتنا السابقة من جديد.

وإن علو صوتهم بالتكبيرات عند بداية التدريب كان يجعلنا لنشعر بيقظة إسلامية جديدة، ويذكرنا بتكبيرات زلزلت أقدام الأعداء في تاريخنا، وخلعت قلوبهم، واستأصلت شأفتهم.

عوداً على ذي بدء، لم نزل نعاشرهم ومضت على ذلك أيام، حتى عاد شوق الذهاب إلى خاشرود إلى قلوبنا ودق أبواب صدورنا مرة أخرى، فطالبناهم ذات ليلة أن يدعوا الله تعالى لنا عندما تشتد الظلمة، ويهدأ الناس، ويسكن كل شيء، أن يقضي حاجتنا -أعني الذهاب إلى خاشرود- علّ الله تعالى يستجيب لهم، ففعلوا فتقبل الله دعاءهم، وقضى لنا حاجتنا من الغد، فتهيأت الأسباب على الفور، فودّعناهم وودّعنا بعضهم الوداع الأخير، الذي لا لقاء بعده في الدنيا.

ولا أستطيع أن أنسى ذلك الوداع المليء بالحب، والحافل باللوعة، والزاخر بالابتسامات المرة، والعامر بالمشاعر النزيهة.

ولاغرو فإن الذي رفع يده إلى الله وناجاه، قد ضحّى بنفسه وجاد بدمه في سبيل إعلاء راية الإسلام، ووهبه نفسه هبة خالصة لا يخالطها شك ولا ريب في سبيل الدفاع عن كيان الإسلام، ومن الطبيعي أن إيمانه يحتل مكاناً رفيعاً، وإخلاصه منزلة عالية، وصدقه مكانة سامية عند الله عز وجل.

أجل؛ إن هؤلاء الأبطال يبيعون الله أغلى وأكرم ما يملكون، ويجودون بأثمن ما يملكون من النعيم لحماية الدعوة الإسلامية أن يحول دون انتشارها حائل أو يعترض سبيلها إلى الرقي معترض.

إن هؤلاء الأحرار يسهرون الليل حتى ينام المسلمون نومة هنيئة، ويتعبون حتى يرتاح المسلمون، ويهرقون دمائهم الزكية حتى يعيش المسلمون في سعادة وهناء، ويصبرون على حر الصيف وقرّ الشتاء حتى لا يكدر العدوّ على المسلمين سلمهم وأمنهم، ويتعرضون للمخاطر ويلقون بأنفسهم في المهالك حتى لا يمدّ العدو إلى المسلمين يد سوء.

وأنتم ياجماعة رضيتم بحياة ناعمة مريحة، وتلذذتم بأنواع المطاعم والمشارب، وسكنتم في مأمن من الجروح والآلام، ولكن ياللأسف! فإن بعض الناس ينتقد على هؤلاء الأبطال عملهم رجماً بالغيب، ويتهمهم بما هم برآء منه، من الهمجية والتطرف والإرهاب، وقتل الأبرياء وما إلى ذلك، بدلاً من أن يشكرهم ويذود عنهم، ويعتز بمآثرهم ويفتخر بأعمالهم، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان!.

ولاغرو بأنهم ثروتنا الإسلامية الثمينة التي لا تدانيها ثروة، والتي خصّ الله بها الإسلام، والتي لا يعرف التاريخ لها مثيلاً في الملل الأخرى.