يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي رحمه الله (5)

خطته للتوسع والمحافظة على المكتسبات(1)

في الطريق إلى عرش غزنة:

لم يصل محمود إلى الحكم بمجرد التوارث، بل الأخبار تدل على أنه ملك البلاد بقوة العزم، وحسن التدبير، وجمال السياسة ، لأن الحكم في غزني وهي عرش السلطنة – ليس بهين، والقرار عليها يحتاج إلى إقرار ما حولها من العروش وأصحابها، إما بالبدل أو بالسيف، وكلاهما ليس بيسير.

لأن غزني وسجستان، وخراسان، وبخارى، وكابل، والهند، كلها متصلة النطاق، واحدة المزاج، من ملكها لا بد أن يملك كلها، ومن لا يستطيع تملك كلها يفوته ما بيده، وتلك عادة الزمان وسر السلطان.

وقد مرّ معنا أن سبكتكين كان أميرا مقدما في بلاط السامانية، وواليا على غزني فلما توفي استولى محمود على ملك أبيه، ثم قويت شوكته وضعفت قوة السامانية حتى ملك ما كانت تحت أيدي السامانية وزاد عليها، والملك لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.

وكانت غزنة آنذاك تهدد بأخطار من جهات ستة: 1 – خطر بقية السامانية،  2- خطر أهل غور الذين لم يؤمنوا بعد، 3 – خطر الشار أبي النصر ملك غرشستان، 4 – خطر أيلك خان ملك الترك، 5 – خطر خلف بن أحمد ملك سجستان، 6 – خطر السلاجقة الذين كانوا كجمرة فأوقدت نارا. وقد ساس محمود تجاه كل من هذه الطوائف سياسة لائقة بشأنها، فغلب عليها أو شدّها في حبل وجعلها وراء ردم ذو القرنين، وهذا البيان يهم كل من يتطلع للحكم في هذه البلاد، وإليكم التفصيل.

1 – قصته مع السامانية:

استيلاء محمود على نيسابور من بكتوزن والي السامانية:

ابن الأثير: سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة 388 هـ لما فرغ محمود من أمر أخيه، وملك غزنة، وعاد إلى بلخ رأى بكتوزون قد ولي خراسان،، فأرسل إلى الأمير منصور بن نوح يذكر طاعته والمحاماة عن دولته، ويطلب خراسان، فأعاد الجواب يعتذر عن خراسان ويأمره بأخذ ترمذ وبلخ وما وراءها من أعمال بست وهراة، فلم يقنع بذلك، وأعاد الطلب، فلم يجبه إلى ذلك، فلما تيقن المنع سار إلى نيسابور، وبها بكتوزون، فلما بلغه خبر مسيره نحوه رحل عنها، فدخلها محمود وملكها.

فلما سمع الأمير منصور بن نوح سار عن بخارى نحو نيسابور، فلما علم محمود بذلك سار عن نيسابور إلى مرو الروذ، ونزل عند قنطرة راعول ينتظر ما يكون منهم.

قبض بكتوزن وفائق على الأمير منصور بن نوح وتبديله بعبدالملك أخيه:

ابن الأثير: في سنة 389 هـ قبض على الأمير منصور بن نوح بن منصور الساماني، صاحب بخارى وما وراء النهر، وملك أخوه عبد الملك.

وسبب قبضه ما ذكرناه من قصد محمود بن سبكتكين بكتوزون بخراسان، وعوده عن نيسابور إلى مرو الروذ، فلما نزلها سار بكتوزون إلى الأمير منصور، وهو بسرخس، فاجتمع به فلم ير من إكرامه وبره ما كان يؤمله، فشكا ذلك إلى فائق، فقابله فائق بأضعاف شكواه، فاتفقا على خلعه من الملك، وإقامة أخيه مقامه، وأجابهما إلى ذلك جماعة من أعيان العسكر، فاستحضره بكتوزون بعلة الاجتماع لتدبير ما هم بصدده من أمر محمود، فلما اجتمعوا به قبضوا عليه، وأمر بكتوزون من سمله فأعماه، ولم يراقب الله ولا إحسان مواليه، وأقاموا أخاه عبد الملك مقامه في الملك، وهو صبي صغير.

وكانت مدة ولاية منصور سنةً وسبعة أشهر. وماج الناس بعضهم في بعض، وأرسل محمود إلى فائق وبكتوزون يلومهما، ويقبح فعلهما، وقويت نفسه على لقائهما، وطمع في الاستقلال بالملك، فسار نحوهما عازماً على القتال.

هزيمة بكتوزن وفائق واستيلاء محمود على خراسان:

ابن الأثير: سنة تسع وثمانين وثلاثمائة لما قبض الأمير منصور سار محمود نحو فائق وبكتوزون، ومعهما عبد الملك ابن نوح، فلما سمعوا بمسيره ساروا إليه، فالتقوا بمرو آخر جمادى الأولى، واقتتلوا أشد قتالٍ رآه الناس إلى الليل، فانهزم بكتوزون وفائق ومن معهما.

فأما عبد الملك وفائق فإنهما لحقا ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور، وقصد أبو القاسم بن سيمجور قهستان، فرأى محمود أن يقصد بكتوزون وأبا القاسم، ويعجلهما عن الاجتماع والاحتشاد، فسار إلى طوس، فهرب منه بكتوزون إلى نواحي جرجان، فأرسل محمود خلفه أكبر قادته وأمرائه وهو أرسلان الجاذب في عسكر جرار، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان، وعاد فاستخلفه محمود على طوس، وسار إلى هراة.

فلما علم بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها فملكها، فقصده محمود، فأجفل من بين يديه إجفال الظليم، واجتاز بمرو فنهبها، وسار عنها إلى بخارى، واستقر ملك محمود بخراسان، فأزال عنها اسم السامانية، وخطب فيها للقادر بالله، وكان إلى هذا الوقت لا يخطب له فيها، إنما كان يخطب للطائع لله، واستقل بملكها منفرداً، وتلك سنة الله تعالى يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء.

نائب محمود بنيسابور:

وولى محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصراً، وجعله بنيسابور على ما كان يليه آل سيمجور للسامانية.

موت فائق ونهاية السامانية على يدي محمود وأيلك خان:

ابن الأثير: في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة 389 هـ انقرضت دولة آل سامان على يد محمود بن سبكتكين، وايلك الخان التركي، واسمه أبو نصر أحمد بن علي، ولقبه شمس الدولة.

فأما محمود فإنه ملك خراسان، كما ذكرناه، وبقي بيد عبدالملك بن نوح ما وراء النهر، فلما انهزم من محمود قصد بخارى واجتمع بها هو وفائق وبكتوزون وغيرهما من الأمراء والأكابر، فقويت نفوسهم، وشرعوا في جمع العساكر، وعزموا على العود إلى خراسان، فاتفق أن مات فائق، وكان موته في شعبان من هذه السنة، فلما مات ضعفت نفوسهم، ووهنت قوتهم، فإنه كان هو المشار إليه من بينهم، وكان خصياً من موالي نوح بن نصر.

وبلغ خبرهم إلى ايلك الخان (ملك الترك)، فسار في جمع الأتراك إلى بخارى، وأظهر لعبد الملك المودة والموالاة، والحمية له، فظنوه صادقاً، ولم يحترسوا منه، وخرج إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقواد، فلما اجتمعوا قبض عليهم، وسار حتى دخل بخارى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة من هذه السنة، فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلة عدده، فاختفى ونزل ايلك الخان دار الإمارة، وبث الطلب والعيون على عبد الملك، حتى ظفر به، فأودعه بافكند فمات بها، وكان آخر ملوك السامانية، وانقضت دولتهم على يده كأن لم تغن بالأمس، كدأب الدولة قبلها، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار. وحبس معه أخوه أبو الحرث منصور بن نوح الذي كان في الملك قبله، وأخواه أبو إبراهيم، إسماعيل، وأبو يعقوب ابنا نوح، وعماه أبو زكرياء وأبو سليمان، وغيرهم من آل سامان، وأفرد كل واحد منهم في حجرة.

وكانت دولتهم قد انتشرت وطبقت كثيراً من الأرض من حدود حلوان إلى بلاد الترك، بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدولة سيرةً وعدلاً، وعبد الملك هذا هو عبد الملك بن نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل كلهم ملكوا، وكان منهم من ليس مذكورا في هذا النسب؛ وعبد الملك بن نوح بن نصر ملك قبل أخيه منصور بن نوح المذكور، وكان منهم أيضاً منصور بن نوح بن منصور أخو عبد الملك هذا الأخير زال الملك في ولايته ولي قبله.

2 – قصته مع الشار أبي نصر صاحب غرشستان:

غرشِستان: يراد به النسبة إلى غرش، معناه: موضع الغرش، وهي ولاية برأسها: ليس لها سلطان، ولا لسلطان عليها سبيل، هراة في غربيها، والغور في شرقيها ومروالروذ عن شماليها وغزنة عن جنوبيها. (معجم البلدان: 4 /193)

ابن الأثير: سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، سار محمود إلى بلخ، مستقر والده، فاتخذها دار ملكٍ، واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل فريغون، أصحاب الجوزجان، وكالشار الشاه، صاحب غرشستان، ونحن نذكر ها هنا أخبار هذا الشار.

 فاعلم أن هذا اللقب، وهو الشار، لقب كل من يملك بلاد غرشستان، ككسرى للفرس، وقيصر للروم، والنجاشي للحبشة، وكان الشار أبو نصر قد اعتزل الملك وسلمه إلى ولده الشاه، وفيه لوثة وهوج، واشتغل والده أبو نصر بالعلوم ومجالسة العلماء.

ولما عصى أبو علي بن سيمجور على الأمير نوح أرسل إلى غرشستان من حصرها، وأجلى عنها الشاه الشار ووالده أبا نصر، فقصدا حصناً منيعاً في آخر ولايتهما، فتحصنا به إلى أن جاء سبكتكين إلى نصرة الأمير نوح، فنزلا إليه وأعاناه على أبي علي وعادا إلى ملكهما. فلما ملك الآن يمين الدولة محمود خراسان أطاعاه وخطبا له.

ثم إن يمين الدولة، بعد هذا، أراد الغزوة إلى الهند، فجمع لها وتجهز، وكتب إلى الشاه الشار يستدعيه ليشهد معه غزوته، فامتنع وعصى، فلما فرغ من غزوته سير إليه الجيوش ليملكوا بلاده، فلما دخلوا البلاد طلب والده أبو نصر الأمان، فأجيب إلى ذلك، وحمل إلى يمين الدولة فأكرمه، واعتذر أبو نصر بعقوق ولده، وخلافه عليه، فأمره بالمقام بهراة متوسعاً عليه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعمائة.

وأما ولده الشاه فإنه قصد ذلك الحصن الذي احتمى به على أبي علي، فأقام به ومعه أمواله وأصحابه، فحصره عسكر يمين الدولة في حصنه، ونصبوا عليه المجانيق، وألحوا عليه بالقتال ليلاً ونهاراً، فانهدمت أسوار حصنه، وتسلق العسكر إليه، فلما أيقن بالعطب طلب الأمان، والعسكر يقاتله، فلم يزل كذلك حتى أخذ أسيراً، وحمل إلى يمين الدولة، فضرب تأديباً له، ثم أودع السجن إلى أن مات، وكان موته قبل موت والده.

ثناء ابن الأثير على الشار أبي نصر :

قال ابن الأثير: ورأيت عدة مجلدات من كتاب التهذيب (تهذيب اللغة) للأزهري في اللغة بخطه، وعليه ما هذه نسخته: يقول محمد بن أحمد بن الأزهري قرأ علي الشار أبو نصر هذا الجزء من أوله إلى آخره، وكتبه بيده صح. فهذا يدل على اشتغاله وعلمه بالعربية، فإن من يصحب مثل الأزهري، ويقرأ كتابه التهذيب، يكون فاضلاً.

3 – قصته مع خلف بن محمود ملك سجستان:

ثم حارب محمود خلف بن أحمد واستولى على سجستان سنة 393 هـ. وقصته مع سجستان مفصلة نبينها مع التفصيل:

أول محاصرة يمين الدولة سجستان:

ابن الأثير: في سنة تسعين وثلاثمائة 390 هـ سار يمين الدولة إلى سجستان، وصاحبها خلف بن أحمد، فحصره بها.

وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما اشتغل بالحروب التي ذكرناها سير خلف بن أحمد ابنه طاهراً إلى قهستان فملكها، ثم سار منها إلى بوشنج فملكها، وكانت هي وهراة لبغراجق، عم يمين الدولة، فلما فرغ يمين الدولة من تلك الحروب استأذنه عمه في إخراج طاهر بن خلف من ولايته، فأذن له في ذلك، فسار إليه، فلقيه طاهر بنواحي بوشنج، فاقتتلوا، فانهزم طاهر ولج بغراجق في طلبه، فعطف عليه طاهر فقتله ونزل إليه وأخذ رأسه.

فلما سمع يمين الدولة بقتل عمه عظم عليه، وكبر لديه، وجمع عساكره وسار نحو خلف بن أحمد، فتحصن منه خلف بحصن أصبهبذ، وهو حصن يناطح النجوم علواً وارتفاعاً، فحصره فيه وضيق عليه، فذل وخضع، وبذل أموالاً جليلة لينفس عن خناقه، فأجابه يمين الدولة إلى ذلك، وأخذ رهنه على المال.

استيلاء يمين الدولة على سجستان:

ابن الأثير: في سنة 393 هـ ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان، وانتزعها من يد خلف بن أحمد.

وكان سبب أخذها أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد أن صالحه، كما تقدم ذكره سنة تسعين، عهد خلف إلى ولده طاهر، وسلم إليه مملكته، وانعكف هو على العبادة والعلم، وكان عالماً، فاضلاً، محباً للعلماء، وكان قصده أن يوهم يمين الدولة أنه ترك الملك وأقبل على طلب الآخرة ليقطع طمعه عن بلاده.

فلما استقر طاهر في الملك عق أباه وأهمل أمره، فلاطفه أبوه ورفق به، ثم إنه تمارض في حصنه المذكور، واستدعى ولده ليوصي إليه، فحضر عنده غير محتاطٍ، ونسي إساءته، فلما صار عنده قبض عليه وسجنه، وبقي في السجن إلى أن مات فيه، وأظهر عنه أنه قتل نفسه.

ولما سمع عسكر خلف وصاحب جيشه بذلك تغيرت نياتهم في طاعته، وكرهوه، وامتنعوا عليه في مدينته، وأظهروا طاعة يمين الدولة، وخطبوا له، وأرسلوا إليه يطلبون من يتسلم المدينة، ففعل وملكها، واحتوى عليها في هذه السنة، وعزم على قصد خلف وأخذ ما بيده والاستراحة من مكره.

فسار إليه، وهو في حصن الطاق، وله سبعة أسوار محكمة، يحيط بها خندق عميق، عريض، لا يخاض إلا من طريق على جسر يرفع عند الخوف، فنازله وضايقه فلم يصل إليه، فأمر بطم الخندق ليمكن العبور إليه، فقطعت الأخشاب وطم بها وبالتراب في يوم واحد مكاناً يعبرون فيه ويقاتلون منه.

وزحف الناس ومعهم الفيول، واشتدت الحرب، وعظم الأمر، وتقدم أعظم الفيول إلى باب السور فاقتلعه بنابيه وألقاه، وملكه أصحاب يمين الدولة، وتأخر أصحاب خلف إلى السور الثاني، فلم يزل أصحاب يمين الدولة يدفعونهم سوراً سوراً، فلما رأى خلف اشتداد الحرب، وأن أسواره تملك عليه، وأن أصحابه قد عجزوا، وأن الفيلة تحطم الناس طار قلبه خوفاً وفرقاً، فأرسل يطلب الأمان، فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب وكفّ عنه، فلما حضره عنده أكرمه واحترمه، وأمر بالمقام في أي البلاد شاء، فاختار أرض الجوزجان، فسير إليها في هيئة حسنة، فأقام بها نحو أربع سنين.

ونقل إلى يمين الدولة عنه أنه يراسل ايلك الخان يغريه بقصد يمين الدولة، فنقله إلى جردين، واحتاط عليه هناك، إلى أن أدركه أجله في رجب سنة تسع وتسعين. فسلم يمين الدولة جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص.

ثناء ابن الأثير على خلف بن أحمد صاحب سجستان:

وكان خلف مشهوراً بطلب العلم وجمع العلماء، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن من أكبر الكتب.

عصيان سجستان وفتحها ثانية:

لما ملك يمين الدولة سجستان عاد عنها واستخلف عليها أميراً كبيراً من أصحابه، يعرف بقنجى الحاجب، فأحسن السيرة في أهلها.

ثم إن طوائف من أهل العيث والفساد قدموا عليهم رجلاً يجمعهم، وخالفوا السلطان، فسار إليهم يمين الدولة، وحصرهم في حصن أرك، ونشبت الحرب في ذي الحجة من هذه السنة، فظهر عليهم، وظفر بهم، وملك حصنهم، وأكثر القتل فيهم، وانهزم بعضهم فسير في آثارهم من يطلبهم، فأدركوهم، فأكثروا القتل فيهم حتى خلت سجستان منهم وصفت له واستقر ملكها عليه، فأقطعها أخاه نصراً مضافةً إلى نيسابور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*