الغرب ومشروع علمنة الشعب الأفغاني

لا تزال الأمة الإسلامية تتعرض حيناً بعد حين لعواصف عوجاء وسيول جارفة من قبل أعداء الإسلام ومخالفيه.

فإننا إذا استعرضنا تاريخ الصراع القائم بين الإسلام وأعداءه، نجد هجمات عاتية كادت تقضي على هذا الدين ومن آمن به، إلا أن الله سبحانه وتعالى قضى بخلوده ورفع رايته إلى قيام الساعة: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

إن الحسد والبغضاء قد قادت اليهود والنصارى والمشركين ومن والاهم إلى أن يخوضوا معارك ضارية ضد الإسلام وإطفاء نوره الباهر المضيء للعالم المطبق عليه ظلمة الجهل والخرافة (قد بدت البغضاء من أفواههم).. بدءاً من غزوة بدر الكبرى إلى الحروب الصليبية التي يشنها الأمريكان والحلف الأطلسي في هذا الزمان. فهي سلسلة من مشاريع هدّامة وخطوات مبرمجة خطيرة ومدعمة بالنفس والنفيس.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواعَنْ سَبِيل اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّم يُحْشَرُونَ) ( الأنفال: 36).

إن المجازر البشعة التي ارتكبها جنود الكفر في هذا الصدد من قتل وتشريد وتعذيب معروفة لدى قراء التاريخ، ففي هذه الهجمات هُدّمت مدن، وسالت دماء، وتناثرت الأشلاء، وانتشرت رائحة الدم في كل زاوية.

وقد أدرك الغرب أخيراً، أن الحملات العسكرية ضد الإسلام لم تأتِ بأي نتيجة سوى بمزيد من الخسائر التي لا يمكنه جبرها. فتدبروا وتفكروا ليحتالوا بطريقة أخرى للنفوذ إلى هيكل الإسلام، وإضلال الأمة والقضاء عليها.

إن من أخطر ما وصل إليه أعداء الإسلام لإضلال الأمة وإقصاء الدين عن ساحة المجتمع، هي الدعوة إلى العلمانية. والعلمانية تعني فصل الدين عن السياسة والمجتمع، وهي أخطر نداء نودي به في هذا الزمن، فقد صارت آلهة تعبد من قبل أتباعها منذ عشرات السنين، وقد وظّف الغرب جميع قدراته وإمكانياته لبث هذه الفكرة في العالم الإسلامي وغرسها في أمخاخ الشباب والجيل الناشئ.

وكانت أفغانستان آخر المعاقل التي فتحت مصراعيها أمام المحتلين بأيدي الخونة والعملاء الذين لم يبرحوا يرقصون على أجساد الشهداء ودماءهم، والذين يرون حياتهم في خدمة العلمانية والتزلف والتذلل لها، ويؤمنون بها إيماناً عميقا تغلغل في أعماق قلوبهم.

وغاية الغايات من هجوم حلف النيتو على أفغانستان هو القضاء على الحكم الإسلامي، وغرس جرثومة العلمانية في هذه البلدة الطيبة، التي تعطرت بدماء الشهداء وأنفاسهم الطيبة.

نظرة إلى جذور العلمانية في أفغانستان:

لقد غُرست جذور العلمانية في أفغانستان بأيدي شاه أمان الله خان غازي، الذي تأثر بالحضارة الغربية خلال رحلته إلى أوروبا عام 1927م تأثراً عميقاً، وهذا التأثير العميق دفعه إلى التخطيط لتطبيق النظام العلماني في أفغانستان، وفرض العادات والتقاليد الأروبية على الشعب الأفغاني.

ولكن حركته هذه لم تحظ بقبول من الشعب؛ بل ثار الشعب عليه وأطاح بحكمه. وقد أعلن أمان الله بعد عودته من سفر أوروبا أن الخطوة الأولى لتنمية البلاد هي الاتباع الكامل للغرب في جميع مجالات الحياة حتى في اللباس، لذلك طبق الخطوات العلمانية التالية:

1 – إعطاء الحرية المطلقة للمرأة، وترغيبها في نزع الحجاب، وإقامة مجالس وأمسيات إباحية ومختلطة.

2 – رفع القلنسوة بدل السلام.

3 – إرسال الشابات للدراسة خارج البلاد، ونشر الاختلاط بين الرجال والنساء.

وعندما احتل الاتحاد السوفييتي أرض أفغانستان، ظهرت معالم العلمانية في وطننا الحبيب، وحاول رجال الاحتلال إحلال الفساد الإيماني في المجتمع الأفغاني، وسوقه نحو العلمانية وفصل الدين عن السياسة. وقد انهزم الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بسواعد المستمسكين بحبل الله تعالى، ولم ينجح مشروع علمنة الشعب الأفغاني الأبي الباسل.

الغرب ومشروع علمنة الأفغان:

يعيد التاريخ نفسه في هذا الزمان، حيث بدأت الدول الغربية بقيادة أميركا هجماتها العسكرية، والثقافية، لتجرب رميتها الأخيرة في علمنة الشعب الأفغاني، وإحياء التراث “الأماني” المدفون تحت أنقاض التاريخ.

إلا أن هذه الهجمات تختلف عن سابقاتها بكثير، من حيث العدد، والعدة، والأسباب، والإمكانيات، واليوم قد مضت ثلاثة عشر سنة منذ بدء هذه الهجمات الخطيرة، والشعب الأفغاني المسلم متمسك بدينه، صامد أمام السيول الجارفة والأعاصير الفتاكة بالإيمان الصحيح واليقين الصادق والعزم القوي، ولم يتأثر بالحضارة الغربية الرعناء.

ونظراً إلى الأخطار والسلبيات التي تجرها العلمانية لبلدنا الحبيبة، سوف نلقي الضوء على المجالات التي ركّز العلمانيون فيها جهودهم، والأساليب التي يستخدمونها لهذا الغرض.

الجيل الناشئ:

الجيل الناشئ في كل أمة هم عمادها القويم، وصفوة القوم، وقادة المستقبل، ولا يخفى الدور الذي سيلعبونه في إسعاد المجتمع أو شقائه. لذلك استهدفت الحملات الأمريكية لعلمنة الشعب الأفغاني هذا الجيل المبارك. والمتابع لما يجري على الساحة الأفغانية يشاهد هذا الاستهداف بوضوح كامل، في الإعلام، والتعليم، والنوادي وغير ذلك. فالسوق الحر لتعاطي الأفلام الماجنة، والحفلات الموسيقية للغانيات، ونشر ثقافة الزيجات الباطلة بين الشباب، جزء من نشاطات الغرب في هذا المجال.

زد على ذلك المنح الجامعية التي تمنحها الجامعات الغربية للطلاب الأفغان، وكثير من هؤلاء الشباب يعودون متشبعين بالفكر العلماني البحت.

المرأة الأفغانية:

لقد وجّه الغرب قسطاً كبيراً من نشاطاته العلمانية نحو المرأة الأفغانية، وذلك نظراً إلى العاطفة الجياشة التي تملكها المرأة، وهي أخطر منفذ لنفوذ الغرب في هيكل المجتمع الإسلامي، وجره نحو العلمانية والإباحية والضلال.

فالمرأة إن فسدت، فسد نظام الأسرة، والأسرة إن فسدت، فسد المجتمع، واستعدّ لقبول العلمانية وإقصاء الدين عن ساحة الحياة، فالاختلاط الفاحش بين الرجال والنساء في الجامعات والإدارات، من المخططات الخطيرة للوصول إلى علمنة المرأة الأفغانية.

واليوم توجد في أفغانستان مراكز تحث أخواتنا على ارتكاب الفجور، والسفور، والخلاعة، والمجون. وترويج الموضة الغربية بين النساء، وحثهن على الانغماس في الرفاهيات وترك البيت لساعات وأكثر. وهذه المراكز تقف إلى جانب الدول الغربية وتساعدهم في تطبيق المخططات الشيطانية لإرساء قواعد العلمانية في بلدنا الحبيب.

لقد أنفق الغرب ولا يزال ينفق أموالاً باهظة، لاستغلال المرأة في أهدافه الخبيثة. إلا أن جهود العلماء، والدعاة، والمجاهدين وقفت سداً في طريقه إلى حدٍ ما، لذلك نشاهد أن المرأة الأفغانية لا تزال تتمسك بدينها وحجابها.

أسباب نشر العلمانية في أفغانستان:

يستخدم الغرب مئات الوسائل والأساليب لتحقيق أهدافه العلمانية في أفغانستان، ورغم اختلاف الوسائل إلا أنها تسير جميعها نحو غاية واحدة وهي نشر العلمانية في حياة الشعب الأفغاني.

وفيما يلي نسلط الضوء على أهم هذه الوسائل وأخطرها تأثيراً:

1 – الإعلام:

إنّ أخطر داء أصيب به الشعب الأفغاني بعد الاحتلال الأمريكي، هو الإعلام الفاسد. فمن يتابع الأنشطة الإعلامية للعلمانيين، المرئية منها، والمقروءة، والمسموعة، يدرك حجم الفساد المتفشي، ومدى خطورة برامجها لعلمنة مسلمي أفغانستان.

إن الإعلام العلماني في أفغانستان يملك أرقى الوسائل وأخطرها، زد على ذلك الأموال الباهظة التي تضخ له من الدول الغربية. والحكومة العميلة جندت جميع قواها لمساندة الإعلام العلماني، ولا تألو جهداً لحمايته. كما لا يخفى على الخبير دور بعض المؤسسات الأجنبية، التي حملت على كاهلها إيصال رسالة هذا الإعلام لكافة مناطق أفغانستان، وترغيب الشعب رجالاً ونساء في اقتناء وسائله المختلفة. وقد قرأت قبل فترة في مجلة، تقريراً عن نشاطات إحدى المؤسسات الأمريكية حيث أنها وزعت مذاييع بين النساء في قرية فقيرة ونائية.

2 – المؤسسات الأجنبية:

بعد الاحتلال الأمريكي، شهدت الساحة الأفغانية تدفق مئات المؤسسات الأجنبية التي تنقل المساعدات الدولية إلى أفغانستان. ومن المؤسف أن معظم هذه المؤسسات جاءت في ثوب المؤسسات الإغاثية، ولكنها تحمل في لبّها غايات أخرى علمانية.

فكثير من هذه المؤسسات تعمل لنشر التشيع بين الشباب، وكثير منها جاء لبث الأفكار الشيطانية بين أبناء بلدنا الحبيب. واليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، أدرك الجميع غايات المؤسسات الأجنبية، ومدى خطورتها، وآثارها الخطيرة على الجيل الناشئ في المستقبل.

هذه المؤسسات تمول جمیع المشاریع المضللة والتي تسوق الشعب إلى العلمانية سوقاً، وتبعدهم عن الدين والقرآن الكريم.

وقد حصلت على قائمة بالمؤسسات الأجنبية الناشطة حالياً، فتعجبت عندما رأيت أن كثير من هذه المؤسسات تحمل اسماً يكشف الغطاء عن أهدافها اللادينية، على سبيل المثال، كان اسم إحدى المؤسسات: (مساعدات نصارى أروبا لشعب أفغانستان). والله يقول الحق: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلَاالنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.

جوانب من مشاریع هذه المؤسسات:

– عقد الدورات التعليمية.

– تمويل جميع المشاريع التي تحقق نجاحاً علمانياً.

– تمويل المجلات الطلابية على شريطة أن تكون موافقة لأهوائهم.

– انتقاء المتخصصين والفنانين والنخب وإرسالهم إلى أوروبا للتعلم والتربية تحت رعاية الأساتذة الغربيين وغير ذلك.