مسيرة الانتخابات الأفغانية

من الحبر الملوث بدم الخنزير إلـى أعـمدة الإنـارة فى كابـول بقلم مصطفى حامد
” المشروع الأمريكي فى أفغانستان فى وضع سيئ ويسير نحو الأسوأ”.
قد يظن القارئ أن الفقرة السابقة مقتبسة من بيان لحركة طالبان، ولكنه سيصاب بالدهشة إذا علم أنها جاءت على لسان رئيس أركان الجيش الأمريكي. وهذا يؤكد حقيقة أن الجيش الأمريكي يسير نحو هزيمة مؤكدة فى أفغانستان.
تزداد الدهشة إذا أكملنا  باقى كلام الجنرال والذى يقول فيه ” إن الولايات المتحدة فى حاجة للبقاء فى أفغانستان عدة سنوات”. والذي لم يستوعب نظرية “العمى القدرى” لا يمكنه فهم هذه العبارة.  و “العمى القدرى” هو ما يحدث لطاغية عندما يرى الموت فاغرا فاه تحذيرا، ولكنه بدلا من أن يرتدع فإنه يقحم نفسه فية بكل غطرسة وتكبر.
كما فى قصة فرعون وهو يطارد النبى موسى وقومه، فأقحم نفسه وجيشه داخل الخندق الجاف الذى إنشق عنه البحر حتى يلحق بهؤلاء الضعفاء المذعورين ليقتلهم وسط معجزة واضحة للعيان وتلمسها اليد ولا تحتاج إلى برهان ذهنى. ولكن فرعون أصيب ” بالعمى القدرى” حتى ينفذ فيه قضاء الهلاك وهو على حالة التجبر والكفر.
فى أفغانستان أصيبت الولايات المتحدة ” بالعمى القدرى” الذى أصيب به الإتحاد السوفييتى فى نفس المكان .. ونراها تسلك نفس الطريق لتلاقى نفس المصير.
فى الأيام الأخيرة من عام 1979 إحتل “الجيش الأحمر” أفغانستان بضربة سريعة ومباغتة فى أكبر عملية إبرار جوى بعد الحرب العالمية الثانية. كان نصرا سهلا أصاب المعتدين بالغرور.
ولكن مشكلة المعتدين مع أفغانستان كانت دوما فى عملية الخروج منها وليس فى عملية الدخول إليها . وعندما فشل الإنجليز فى سحب جيوشهم من أفغانستان تركوها لتدفن فى أرضها مكتفين بضابط واحد تمكن من الهرب فى آخر حملاتهم عليها.
والعقاب قابل للتكرار طالما تكررت نفس الأخطاء  /وإن عادوا عدنا/ فالشعب هو نفسه والأرض هى نفسها وطلاب العلوم الشرعية ينبتون فوق التربة الأفغانية كما تنبت الزهور التى تكسوا الجبال بعد كل زخة مطر فى موسم الربيع . وعلى أيديهم زال البريطانيين وزال السوفييت وسوف يزول الأمريكيين وجميع كلابهم المسعورة فتلاقى إمبراطورية العار الأمريكية مصيرا أسوأ من مصير إميراطورية الشر السوفيتية.
يقول الجنرال الأمريكي نفسه ( إن الأداء العسكرى لحركة طالبان قد تطور كثيرا، ونفوذ الحركة قد تمدد إلى خارج مناطقها التقليدية).
وفى الحقيقة أن الذى تطور ليس فقط هو الأداء العسكرى لحركة طالبان، بل أيضا الأداء السياسى الذى برهن على نضج كبير وإستقلالية لم يشهدها الجهاد السابق ضد السوفييت والذى تنازلت فيه المنظمات الجهادية عن دورها السياسى كاملا ليقع هدية فى يد “الدولة المضيفة”و “الدول المانحة” وهو الخطأ الذى تشعبت منه كافة المشاكل اللاحقة والتى نكبت الشعب الأفغانى.
وظهر التغيير أيضا فى درجة التماسك التنظيمى لحركة طالبان وقوة قيادتها وسيطرتها على القوات، وحكـــــــــمتها فى إدارة
المناطق الواقعة تحت سيطرتها الدائمة أو المؤقتة.
لذا فإن تفتيت الحركة ( بتصنيفها إلى معتدلين ومتطرفين)، أو إفتعال تنظيمات جديدة أو بعث تنظيات فاشلة إنتهى دورها منذ الحقبة السوفيتية الماضية، أوالتضخيم الإعلامى لقيادات تافهة لاوزن لها على الساحة الجهادية، كل ذلك  يعتبر أهدافا محورية للإحتلال، وبها يؤسس لإنشقاق وربما إشتباكات أو حتى حروبا داخلية إن إستطاع إلى ذلك سبيلا.
ومن تلك الوسائل التلويح لضعاف النفوس بالمشاركة فى الحكم فينسلخون عن شعبهم ويفرطون فى واجبهم الدينى ويلتحقون بمعسكر الأعداء وباقى اللصوص والمرتشين. وقد نجح ذلك الأسلوب بدرجة كبيرة فى العراق والصومال وفلسطين وأماكن أخرى كثيرة.
والانتخابات تكون دوما فرصة لتجديد محاولات الغواية والتلويح بمغريات المال والسلطة.
كما أن الانتخابات تحت ظلال حراب المحتلين تكون فرصة لبث الشقاق وبذر الفتنة بين أبناء الشعب الواحد وإحياء الفتن القديمة بأنواعها والتحريش بين العرقيات والمذاهب والمناطق.
وفى تزوير الإنتخابات وسيلة لتمرير جميع أنواع الفاسدين وأعوان المحتلين. فالتزوير والفساد والرشوة بالمال لشراء الأصوات كلها وسائل “ديموقراطية مشروعة” حتى فى الولايات المتحدة حامية حمى أوثان الديموقراطية. وقد كانت مهزلة فوز جورج بوش الإبن فى ولاية حكمه الأولى خير مثال على زيف هذه “الديموقراطية” كلها، وأنها مجرد عملية إحتيال يقوم فيها الأقوياء المتسلطون بسرقة الحكم بطريقة تبدو للأغبياء شرعية ومنصفة.
من ضمن ما أظهرته الإنتخابات الأخيرة فى أفغانستان هو أن الصراع بين المتنافسين ليس فقط من أجل الفوز بغنائم الحكم الفاسد من سرقات وأختلاسات ورشى ، بل أيضا على إمكانية القرب من  سلطات الإحتلال كونها مصدرا لجميع السلطات ومانحة الشرعية لجميع أنواع الفساد وجميع المجرمين والمفسدين . فليس أفضل وأكثر قربا من كرسى الرئاسة، لذا يتقاتل كبار المنحرفين من أجل حيازته. فعلى رأس مهام الرئيس ليس رعاية شئون شعبه ، بل تحسس إتجاهات الريح فى مراكز صنع القرار فى دولة الإحتلال . تلك هى خبرة البقاء لدى الحكام العملاء، فتكون كل حواسهم متيقظة لكل همسة، وتراهم يلاحقون مسئولى الإحتلال وقادته العسكريين وضباط الإستخبارات ورجال البرلمان وصحافة الإحتلال، وكل من يمكن أن يفيدهم بشئ  لإبقائهم أحياء أولا، وعلى رأس السلطة ثانيا.
وذلك لايستثنى منه أحد من المرشحين حتى كرزاى رغم كونه عضوا عاملا فى المخابرات الأمريكية منذ سنوات طويلة تمتد إلى ما قبل وصوله إلى سدة الحكم على ظهر طائرات الأباتشى. كما كان المذكور صديقا شخصيا لرئيس الإستخبارات الأمريكية السابق ” وليام كاسبى” لذا فهو آمن من هذه الجهة. أما إرتباطة بإحتكارات النفط النافذة فيمنحة ثقة إضافية، فالمذكور منذ ما قبل رئاسته وهو موظف ومستشار لدى واحدة من أهم شركات النفط الأمريكية وهى ” يونوكال”.
ومشهور عنه أيضا صداقته لآل بوش : الأب والإبن وال…
ويبدو موقف كرزاى أكثر متانة إذا نظرنا إلى خدماته (الأفيونية) للإحتلال الأمريكى . فالرئيس هو المورد الرئيسى لتلك المادة لمخازن ومصانع الهيرويين فى القواعد الجوية الكبرى. ويربطه ذلك بمافيا المخدرات واسعة النفوذ داخل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والتى تتغلغل إلى عمق تشعبات الحياة الأمريكية المالية والعسكرية والأمنية. وهى مافيا عضوية العلاقة مع القوة اليهودية الدولية سواء المقيم منها فى إسرائيل أو فى الولايات المتحدة أو غيرها.
الخازير وأعمدة الإنارة :
تتحقق الديموقراطية الإحتلالية بمجرد تلويث أصابع البلهاء
بالحبر القذر فهذا يكفى المحتل. ولكن الإحتلال لايعرض القضايا الجوهرية أمام الشعب لأخذ رأيه فيها.
ــ فمثلا لم يحدث أن طرحت فى كابول قضية خط أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين إلى الموانئ الباكستانية. ولا يعرف أحد من شعب أفغانستان تفاصل تلك الصفقة أو نتائجها. وماهو الثمن الذى دفعته أفغانستان حتى يصبح مرور تلك الأنابيب ممكنا. وكم سالت من دماء هذا الشعب التى جرت أنهارا من أجل تحقيق أطماع شركات النفط الأمريكية. فعندما رفضت الإمارة الإسلامية الشروط المجحفة التى عرضتها تلك الشركات خرج الأمريكيون من المفاوضات ( فى منتصف يوليو2001 وقبل أحداث سبتمبر) ليقولوا أن السلاح وحده هو الذى سيحل النزاع.
ولم يتكلم أحد فى كابول عن أن إتفاقية تمديد تلك الخطوط وقعها كرزاى مع برويز مشرف (فى التاسع من فبراير 2002) بعد أن إحتل الأمريكيون البلاد بمساعدة حلف شمال الأطلنطى وتحالف الشمال الأفغانى، وبعد أن قام سلاح الطيران الأمريكى والبريطانى بحوالى أربعة آلاف وسبعمئة طلعة جوية أسقطوا فيها على رؤوس الشعب الأفغانى إثنى عشرة ألف قنبلة قتلوا بها ـ حسب أقوالهم ـ أكثر من عشرة آلاف مقاتل وألف مدنى على الأقل. (ثم يقولون الآن أن كل ذلك كان من أجل  تلطيخ أصابع بعض البلهاء بأحبار الديموقراطية الأمريكية النجسة!!).
ــ ولم تطرح أبدا على الشعب الأفغانى/ ولا أى شعب آخر/ مشكلة المخدرات فى صورتها الحقيقية وأنها كانت السبب المباشر فى شن الحرب على الإمارة الإسلامية التى أوقفت زراعة الأفيون، فحرمت بذلك الإقتصاد الأمريكى من مئات المليارات كانت هى أهم موارده من أى مصدر على الإطلاق.
ــ إذا كان ذلك كله غير ممكن فى “كابول الديموقراطية” فليس أقل من مجرد عرض الأسلوب الهمجى لذى تتبعة أمريكا وحلفاؤها فى إبادة الشعب الأفغانى بالقصف الجوى والأسلحة البشعة التى يجهل معظم الناس فى العالم تأثيرها بل يجهلون مجرد أسمائها.
كل ذلك لم يحدث ولن يحدث وغير ممكن الحدوث طالما الإحتلال جاثم على صدر أفغانستان ووشعبها. ولكن عندما ينزاح ذلك الكابوس، كما إنزاح أمثاله من قبل، سيكون النظام الإسلامى القادم مسئولا أمام شعبه عن فتح كافة الملفات علنا، وعرض جميع المجرمين أمام القضاء الإسلامى ليقول فيهم كلمته.
فجميع الأديان وحتى الأنظمة الوضعية فى التاريخ لها موقف صارم تجاه من تعاونوا مع قوات الإحتلال أو سهلوا دخوله إلى بلادهم ، وذلك بلا فرق إن كانوا رجالا أو نساء. فحتى فى الأنظمة الغربية “الديموقراطية” فعلوا نفس الشئ ، وما زالت ذكريات الحرب العالمية الثانية ماثلة فى الأذهان وموثقة بالصوت والصورة، وتثبت أنهم قتلوا وشنقوا وأهانوا النساء وحلقوا شعورهن علنا وفى الميادين العامة.
وأفغانستنان ليست إستثناء فى تعاملها مع كل خائن لدينه ووطنه، ولن يشفع شئ لمن لوثوا أصابعهم بالأحبار النجسة بعد أن لوثوا أرض بلادهم بالمحتل الأجنبى . وبلا شك فإن تلك الأحبار أشد نجاسة من دم الخنزير الذى قد تزول نجاسته بمجرد الغسل بالماء أما ذلك الحبر الملعون فإن أثره لايزول إلا بالدم لأنه نجس الوطن بجنود الإحتلال. وربما تمنى أحدهم نادما، فى يوم قادم، لو أن أصبعة قطع قبل أن يقترف ذلك الإثم.
إن الأمريكيين لايعرفون صديقا بعد أن يقضوا مآربهم منه وتنتهى فائدته بالنسبة لهم .
والدنيا كلها تذكر كيف أنهم هربوا من ” سايجون” عاصمة فيتنام الجنوبية بواسطة طائرات الهليكوبتر تاركين عملائهم المحليين لسيوف الإنتقام تحصدهم حصدا.
ولم ينس الناس فى أفغانستان ذلك الدرس البليغ الذى لقنه شباب حركة طالبان للزعيم الشيوعى السفاح ” نجيب الله”  الذى ظل مختبئا تحت حماية الأمم المتحدة وفى أحد مكاتبها فى كابول لعدة سنوات. وبعد تحريرهم للعاصمة من حكم عصابات الفساد إستخرجوة من وكره وقتلوه وعلقوا جثته على أحد أعمدة الإنارة فى موضع ليس ببعيد عن القصر الجمهورى.
قد يتكرر الحادث مرة أخرى طالما أن هناك من لم يستوعب الدرس وعمل مع الغزاة الكفرة فى إحتلال بلده وقتل شعبه.
فعلى هؤلاء أن يتحسسوا رقابهم كلما شاهدوا أحد أعمدة الإنارة فى كابول.