حرب استجداء المفاوضات !

بقلم: ملا إحسان بهادر
رؤوس القندهاريين التي تحطمت على جماجمهم جنازير الدبابات الشيوعية، ليست هشة اليوم لتتحطم من جنازير الدبابات الرأسمالية الصليبية، و كما صمد المجاهدون أمام بطش المرتدين الأفغان ومن بعدهم الملحدين السوفييت لسنوات طويلة، استطاعوا الصمود أمام الصليبيين لما يقرب من 10 سنوات و قادرون على الصمود لأضعافها.

لا شيء جديد في معطيات كل تلك المعارك السابقة واللاحقة سوى شيء واحد وهو القدرة الإعلامية الدولية على الضجيج لصالح العدو الصليبي محاولاً صنع الصورة التي تحلو له.. بينما كانت القدرة الإعلامية للعدو السابق الشيوعي لا تتعدى أفغانستان حيث أن الشيوعية كانت في انحسار، فلم يعد لها بريق فضلاً عن النفوذ الذي تقلص كثيراً ليؤهلها للكذب وتغيير الحقائق على المستوى الدولي.
كما أن السوفييت وأذنابهم خاضوا الحرب لوحدهم في أفغانستان، أما التحالف الصليبي فهو يخوض الحرب بموافقة قرابة 190 دولة هي عدد الدول التي تمتلك عضوية في الأمم المتحدة وعشرات الدول المشاركة فعلياً على أرض أفغانستان.
فلا نتعجب من قوة هذا الضجيج الإعلامي الذي يرنو إلى هزيمة المجاهدين نفسياً وإعلامياً بعد الهزيمة التي ذاقوها على أيادي المجاهدين في أرض الواقع، في محاولة منهم لتصوير الهزيمة المرة، خروجاً بإرادة حرة منهم، و لا يمكن تحقيق هذا التلاعب إلا من خلال المجال السياسي الذي يوجد فيه مساحة للتلاعب وخداع الناس وإيهامهم بأن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية استطاع تحقيق ما يريد و أنه لم يخرج خالي اليدين.
وهذا هو سر الضجيج المضحك حول المفاوضات بين المجاهدين وبين الصليبيين، والذي نفته الإمارة الإسلامية مراراً و تكراراً.. مع أن هذه الإشاعات ليست قديمة، فقد كانت تخرج بين حين وآخر منذ احتلال أفغانستان، إما من خلال الأكاذيب الصحفية المجردة، أو من خلال بعض المتساقطين عن الطريق الذين رضوا بيع الدين بالدنيا، فجلسوا للمفاوضات باسم المجاهدين وهم ليسوا منهم أصلاً ولا يملكون حلاً ولا عقداً.. و لعل الجميع يتذكر التصريحات الذكية للناطق الرسمي باسم الإمارة حينما طلب تسمية أولئك المفاوضين الذين زعم العدو الصليبي أنهم يمثلون المجاهدين في الإمارة الإسلامية، حتى يتضح بجلاء حقيقة تلك الأخبار المخادعة.
و قد تنوعت هذه المرة الأخبار المخادعة والكاذبة والتي كلها تهدف إلى استجداء الإمارة الإسلامية للجلوس أمام هؤلاء المجرمين على مائدة المفاوضات، ومن ذلك تضخيم المعارك التي دارت بين المجاهدين وبعض من المليشيات الحكومية في بغلان، والتي سموها بالمجاهدين، في محاولة حمقاء و يائسة لخداع المجاهدين و أمير المؤمنين الملا عمر.. لإقناعهم بأن انسحاب الاحتلال الصليبي يعني اقتتالاً بين المجاهدين و بالتالي فإن الأسلم لهم هو الدخول في المفاوضات حتى يسلموا من الاقتتال الداخلي.. ومن المعلوم للجميع أن التعامل مع العدو خطر كله ومن وراءه الشر كله، لأنه لا يألوا جهداً في الكيد والمكر لنا.
فمن المسلّم أن العدو لن يترك أفغانستان هادئة مطمئنة، بل سيحاول إشعالها بالفتن والمؤامرات حتى يستطيع أن يبقي نفوذه فيها، ولن يستطيع فعل ذلك سوى بالمفاوضات التي يظن أنه قادر على خداع المجاهدين البسطاء، لكون العدو يمتلك باعاً كبيراً في الخداع وإشعال الفتن بطريق المفاوضات تحت غطاء المصالحة السلمية، لكن العدو لا يعلم أن الذكاء الفطري للمجاهدين وعقيدتهم الراسخة تمنعهم من هذا كله، وأنهم يدركون الأهداف اللئيمة وراء نشر مثل هذه الأخبار الكاذبة.
وكل هذا الضجيج حول المفاوضات بين المجاهدين والصليبيين هو لتحقيق بعض الأمور منها:
أولاً: محاولة لتشويه صورة المجاهدين وتصويرهم بأنهم قد سئموا من الجهاد في سبيل الله، ويريدون ترك الجهاد وإلقاء السلاح بشرط العفو عنهم أو منحهم بعض المناصب الحقيرة في حكومة العدو الصورية.
ثانياً: وهو الأهم.. أن هذه الإشاعات هي تمهيد للخروج الصليبي في محاولة منهم لتصوير هذا الانسحاب بأنه نتاج تلك المفاوضات الوهمية التي أعلنوها، والتي تمخضت عن اقتناع المجاهدين بإلقاء السلاح، وإدخال أولئك المتساقطين والمنتكسين الذين كانوا ينتسبون قديماً للمجاهدين للحكومة الصورية للعدو، وتضخيم ذلك حتى يتصور الناس أن قيادة الإمارة الإسلامية الفعلية هي من قامت بذلك.
و بهذا يتم تصوير الانسحاب والهزيمة بأنه خروج بعد تنفيذ المهمة، وأن رؤوس القندهاريين الصلبة التي استعصت على الكسر قروناً طويلة قد تم تحطيمها بقوة السلاح الصليبي الأمريكي وإغراءات المال والمنصب من خلال المفاوضات المزعومة.
وفي الحقيقة فإن الإعلام الغربي والعربي الذي يمشي خلف أمريكا يسير على وفق السياسة الإعلامية للنازيين حيث وضع وزير هتلر للدعاية ” جوزيف جوبلز ” قاعدة إعلامية تقول: اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك !!
وهم بهذه المفاوضات التي ينكرها أصحاب الشأن في الإمارة الإسلامية يكذبون حتى يصدقهم الآخرون ويبدو أن القيادة الأمريكية بدأت بتصديق كذبتها حينما أعلنت أنها قررت الدخول في المفاوضات مع الإمارة، وكأن المجاهدين كانوا يريدونها سابقاً وأمريكا كانت ترفض ذلك مع أن الأمر عكس ذلك تماماً.
وكل عاقل لو كان مكان الإمارة الإسلامية أياً كانت ديانته أو جنسيته، لا يمكن  و قد اقترب النصر وتورط العدو بالمعركة وصار يعلن أنه يبحث عن مخرج مشرف من هذا المأزق الذي وقع فيه، وهو مع ذلك قد استولى على كثير من الأراضي التي احتلها العدو وطرده منها وأصبح له ما يسمى بحكومة الظل التي تصرف أمور الناس وتقضي بينهم، ثم بعد هذا القتال المستمر للعدو المجرم.. سيحفظ ما بقي له من كرامة ويقوم بالتفاوض معه ليعطي العدو شيئاً من المكاسب التي لم يستطع تحقيقها بالقوة العسكرية، مع العلم أن هذا العدو في بداية الاحتلال رفض التفاوض مطلقاً مغتراً بقوته العسكرية.. فهل هناك رجل مجنون سيدخل المفاوضات و هو في هذه الحال من قربه من الانتصار الكامل والنهائي ؟؟
وعلى أي شيء سيفاوض ؟؟
على أن يتخلى عن قيمه ومبادئه ودينه لأجل مناصب يعطيها العدو له!!؟
وما حاجته لها وهو بإمكانه الحصول على تلك المناصب بدون أي خيانة أو عمالة إذا ما استمر في جهاده وقتاله للعدو !
إن هذا جنون لا يقوم به على عاقل ولو كان كافراً.. فكيف بالمسلم المجاهد الذي تحطمت على يديه – بفضل الله وحده – إمبراطوريات عظمى.. إن العدو لا يملك أي ورقة يمكن التفاوض حولها سوى قوته العسكرية وقد تم تحطيمها على أيدي الأبطال وأصبحت تلك القوة المتقدمة لا قيمه لها أمام تكبيرات المجاهدين في أنحاء أفغانستان، وهو مع ذلك قد حدد موعداً للخروج معلناً أنه لا يستطيع الاستمرار إلى ما لانهاية، ومعترفاً أن المجاهدين الأشاوس قد لقنوه درساً أنساه دروس فيتنام والصومال.
وهو مع ذلك – أي العدو – يحارب بكل قوته الإعلامية بل والعسكرية – كما في مارجه – حتى يتنازل المجاهدون للجلوس معه في التفاوض، كما صرح بذلك ” ماكريستال ” من أن الهدف من تلك الحملات الأخيرة الضغط على المجاهدين ليجلسوا على طاولة المفاوضات !! في دليل واضح على عمق المأساة والمأزق الذي جعل الأمم المتحدة وعلى رأسها أمريكا تركع للمجاهدين، راجين منهم الجلوس حول مائدة المفاوضات وتناسي دماء الشهداء وجرائمهم الشنعاء.
وإذا كانت أمريكا وحلفاؤها يحاربون الآن لتحقيق هدف واحد وهو جلوس المجاهدين للمفاوضات، فإن من الطبيعي لكل جندي مبتدئ فضلاً عن قائد محنك ألا يسمح بحدوث هذا لأنه إعلان هزيمة وتحقيق للعدو ما يصبو إليه مجاناً وبدون أي ثمن معقول، بل بخسارة كبيرة وهي إعطاء شرعية للعدو وخروج مشرف له.
ولهذا.. لن يكون الفيتناميون الشماليون الشيوعيون أذكى ولا أعقل من مجاهدي الإمارة الإسلامية حينما حاول ” هينري كيسنجر ” الدخول معهم في مفاوضات لتخرج أمريكا بشكل مشرف من فيتنام، فباءت كل محاولاته بالفشل، وخرجت القوات الأمريكية مهزومة مدحورة بشكل يجعل الأمريكيين – عند ذكره – يخفضون رؤوسهم دوماً، ويرفع الفيتناميون رؤوسهم عالياً.. عندما تجمع الأمريكيون وكبار عملائهم على سطوح 13 بناية انتظاراً للطائرات العمودية التي ستنتشلهم، بعدما رفض  العميد ” هوانج ثون ” أي تفاوض أو حتى مجرد لقاء مع الأمريكيين وعملائهم، ليخلدوا عبارات زعيمهم  “هوشي منه ” في الإذاعة المحلية بعد دخول العاصمة:  (ليس هناك ما هو أثمن من الاستقلال والحرية).