الدعائم الأساسیة لفكر الطالبان (الإمارة الإسلامية)3

بقلم: عبد الوهاب الكابلي

ومن الأفكار الأساسیة أیضا لدی الطالبان نظریة العمل للإسلام بالأسالیب الإسلامیة الخالصة وعدم الانفتاح علی الغرب في أسالیب العمل التنظیمي السیاسي، و بذلك أغلقت (الطالبان) المنافذ والمداخل أمام تلامذة الغرب وسفراء فكره للتأثیر فیهم وتمییع مبادئهم التي قاموا لتنفیذها من أول یوم.

إن قیادة (طالبان) تدرك جیداً أن الذین تربوا في أحضان الغرب وتشرّبوا من مبادئه المادیة لا یكنّون أيّ إخلاص للإسلام والأمة الإسلامیة، لأن المُثُل العلیا في أذهان هؤلاء الناس هي مُثُل الغرب في جمیع مجالات الحیاة، والإسلام في نظرهم عبارة عن تعالیم روحیة بحتة لا صلة لها بنظام الحكم أو تسییر أمور البشر، فهمّهُم الكبیر هو صوغ حیاة المسلمین في القوالب الغربیة، و كلّما وصل هؤلاء الناس إلی القیادة ومواقع التأثیر في الجماعات الإسلامیة عملوا لإفسادها، أو تمییعها، لتوافق الأفكار الغربیة في الفحوى وإن اختلفت عنها في التسمیات.

ولكن موقف (طالبان) هذا لیس معناه عدم الاستفادة من الخبراء والفنیین وعلماء العلوم التجریبیة الأوفیاء لدینهم وبلادهم الذین اكتسبوا علوماً نافعة في الغرب وعادوا لیخدموا بها دولهم وشعوبهم لتسعد بمواردها الطبیعة ومعادنها الثریة التي تنتظر الأیدی الأمنیة العلمیة، وتهدف (طالبان) من اتخاذ هذه السیاسة إلی سدّ الطریق أمام تلامذة الغرب الحاقد من أن یتزعّموا البلد والنظام سیاسة، وفكراً وثقافة، وقانوناً، لأن وجود مثل هذه الشخصیات فی قیادة الجماعات الإسلامیة أو وجود تأثیرها في سیاسات الجماعات الإسلامیة هو بمثابة حامض مذیب یفعل فعله فیما حوله مع مرور الزمن.

وقد شوهدت معظم الحركات الإسلامیة في النصف الثاني من القرن العشرین كیف أنها كانت في بدایة أمرها جماعات إسلامیة قویة بعثت في شباب الأمة روح الاعتزاز بالدین وقدّمت للأمة الإسلامیة خدمات جلیلة، بل واشتركت في الجهاد المسلح والكفاح العسكري لتخلیص البلاد الإسلامیة من نیر الاستعمار، ولكن بعد كل ذلك انتكست انتكاسات كبیرة، وانقلبت علی عقب بعد أن تأثرت ببعض مبادئ الغرب، وأخذت منه بعض أسالیب العمل السیاسی، فتغیرت مناهجها، وتبدلت أدبیاتها الفكریة إلی أن تغیرّت ماهیتها عمّا أنشأها علیها منشؤوها المخلصون، وأمست هذه الجماعات شبه ديمقراطية أصابها داء العلمنة، وصارت تزن أمورها بموازین الديمقراطية الغربیة، وتشترك في الحكومات الائتلافیة ذات القواعد العریضة، وتنضم إلی الأحلاف التي تكوّنها الأحزاب العلمانیة للوصول إلی سدة الحكم، وكأن الهدف الأهمّ لهذه الجماعات المنتمیة إلی الإسلام هو الوصول إلی كرسي الحكم بأیة طریقة كان، سواء كان عن طریق التخلّي عن المفاهیم الإسلامیة الخالصة تزلفّا إلی الأحزاب والحكومات اللادینیة، أو كان عن طریق المشاركة في الانتخابات علی الطریقة الغربیة التي یستوي فیها المؤمن بالكافر، والمصلح بالفاجر، أو عن طریق مدّ الجسور بینها وبین الغرب في أشكال مختلفة، أو كان بالطعن في الجماعات الجهادیة التي تسعی لإقامة الحكم الإسلامي عن طریق الجهاد الإسلامي بعد القضاء علی الأنظمــــــة الطاغوتیة الكافرة والعمیلة.  

إن هذه الجماعات التي أصابها داء التشابه والتأثر بالغرب لیست قلة ولا هي من الجماعات الصغیرة، بل هي كثیرة وكبیرة، وقد شوهدت لها الأمثلة في مصر، والتونس، والجزائر، والسودان، والأردن، والتركیا وبلاد الجزیرة العربیة وبلاد الشبه القارة الهندیة، وطاجكستان، وأخیراً في العراق التي وقفت وفیها إلی جانب المحتلین للمشاركة في الحكومة التي أقامها الأمريكيون.

أمّا أفغانستان فأحزابها التي كانت تُسمی بالأمس القریب أحزاباً جهادیة وإسلامیة وكانت ترفع أعلام الجهاد كما كانت تنادي بشعارات إقامة الحكومة الإسلام فهي الیوم أمست أسوأ حالاً من مثیلاتها من الأحزاب في العالم الإسلامي، حیث وقفت جمیعها بشكل أو بآخر تحت رایة الصلیب في إطار الإدارة الأفغانیة العمیلة التي أوجدها الصلیبیون بعد احتلالهم لهذا البلد.

إنّ بعض تلك الجماعات اتخذت، سیاسة العداء السافر للجهاد والمجاهدین، وانضمت بشكل رسمي إلى حكومة الاحتلال، وبعضها الأخرى التي تجید سیاسة المراوغة والاستفادة من الفرص لم تدخل في الحكومة من البوابة الرئیسة بإعلان رسمي جريء، ولكنها أدخلت معظم رجالها و كوادرها التنظیمیة عن طریق النوافذ التي أسدلت علیها ستائر بشتى الأسماء.

فانضم معظم رجالها بحكومة الاحتلال، وبقیت حفنة قلیلة منها خارج الحكومة للمتاجرة باسم الجهاد والمجاهدین، ولا تستحي من إجراء المحادثات السریة أو العلنیة أحیاناً بحكومة العملاء إذا سال لعابها للاشتراك في الحكم، ولكن بشرط أن یكون لها النصیب الأوفر في الإدارة التي سیخلفها الاحتلال في أفغانستان.

وإذا تتبعنا جذور الانحراف في فكر هذه الجماعات الشبه علمانیة فنری أن الفساد تطرّق إلیها من المنافذ التالیة:

1 – اتخاذ الأسالیب الغربیة للحیاة والعمل.

2 – تمكین تلامذة الغرب من العمل والتأثیر في صفوفها.

3 – التخلّي عن عقیدة الولاء والبراء في العمل التنظیمي و الفردي للإسلام.

4 – الحرص علی رغد العیش والنعیم الدنیوي، والهروب عن حیاة التخشّن والعزیمة التي كان یربّي علیها الرسول صلی الله علیه وسلم أصحابه رضي الله عنهم.

5 – الإحساس بالخجل من الانتماء إلی المفاهیم الإسلامیة النقیة الخالصة التي یسميها الغرب الكافر بالأصولیة، والتطرف، والرجعیة، وغیرها من التسمیات.

6 – الانبهار ببعض مظاهر الحضارة الغربیة المادیة، وإحلالها محل الالتزامات المعنویة والروحیة في العمل الإسلامي.

7 – تلقین التوصیات الانهزامية للجیل الناشئ في الصراع مع الغرب، والتركیز علی مصانعة الغرب لإنهاء الصراع عاجلاً، وإن كان علی حساب المفاهیم والعقائد الإسلامیة الخالصة، وإقامة النظام الإسلامي الخالص.

8 – التوجه الكبیر للوصول إلی سدة الحكم بدلاً عن التوجه إلی محاربة أنظمة الطاغوت، وإقامة الحكم الإسلامي علی المنهج الإسلامي الخالص.

وهناك غیرها من الأسباب والعوامل التي وفّرت أسباب فساد الجماعات الإسلامیة.

أمّا حركة (طالبان) فهي لكونها یقودها من انطلقوا من محاریب المساجد وأروقة المدارس الإسلامیة الخالصة، فهي إلی الآن بفضل الله تعالی بمنأى من هذا الفساد، وقد أثبتت بسیاساتها الصریحة ضد الغرب وجهوده التغریبیة أنها لا تساوم علی مبادئها، ولا تغفل عن خطر تلامذة الغرب علی كیانها، فلذلك لم تنفتح علی الغرب ولا لأن قناعتها في صراعها الفكري ضد الغرب، ومادامت تنتهج هذه السیاسة لسیرها فهي ستكون بخیر إن شاء الله تعالی، وإن فسادها سیبدأ من یوم أن تفتح أبوابها للقیادیین ممن تربوا علی أفكار الغربیین أو تأثروا بهم.

(یتبع)