معركة قندهار المدنیة والعملیات القادمة

بقلم: قاري حبيب
مدینة قندهار هي مركز ولایة قندهار ومقر حكومتها، وهي تعتبر رابع أكبر مدینة علی مستوی  أفغانستان . تبلغ مساحة هذه المدینة إلی أربعة عشر كیلومتراً مربعاً، و قد عرفت هذه المدینة في تاریخ أفغانستان كأهمّ مركز في مجالات السیاسة والاقتصاد، والعلم، لا علی مستوی جنوب البلاد فحسب، بل علی مستوی البلد و المنطقة كلها.

كان تأسیس أفغانستان المعاصرة قبل ما یقرب من مائتي وخمسین سنة بید الإمبراطور الأفغاني (أحمد شاه الأبدالي)  من هذه المدینة . وكان قد اتّخذها مقراً لحكومته، و إن كان قد انتقل المقرّ فیما بعد إلی مدینة (كابل)، إلاّ أن قندهار احتفظت لها بمكانتها الهامّة في قضایا الدولة ذات الأهمیة الكبیرة ،  ولازالت لها تلك المكانة المؤثّرة في الأوضاع السیاسیة والأمنیة في هذا البلد.
ونظراً للأهمیة التاریخیة والسیاسیة والثقافیة لمدینة قندهار وموقعها الإستراتیجي فإن  الغزاة الأمریكیین وضعوا خططا أساسیة هامّة لإحكام السیطرة علی هذه  المدینة من الأیام الأولی لدخولهم  إلیها .
وكانت اهتمامات الغزاة لهذه المدینة أكبر من أيّ منطقة أخری، وقد بذلوا جهوداً كبیرة من خلال عمل شامل في هذه المدینة بقصد توفیر ضمان لاحتلالهم إیاها بشكل دائم.
وقد أنشأوا فیها  ثاني أكبر قاعدة عسكریة علی مستوی أفغانستان كلها،  بالإضافة إلی إحداث قواعد عسكریة صغیرة أخری في أرجاء المدینة .
وعلاوة عی التواجد العسكري الضخم في هذه المدینة بذل الأمريكيون جهوداً عملاقة أخری في مجالات الثقافة، والغزو الفكري ، وزرع خلایا التجسس الكثیرة في أوساط الأهالي،  والقیام  بأعمال شیطانیة استعماریة أخری أیضا لیتمكنوا من إحكام سیطرتهم علی المدینة و أهلها علی نطاق واسع .
وفي المقابل فإن المجاهدین أدری منهم  في إدراك الأهمــــیة الشاملة لهذه المدینة، فلذلك بدأوا عملهم في المدینة لتحدي السیطرة الأمریكیة علیها من خلال خطط وبرامج وضعوها بمنتهی الدقّة والتعقید، وركزوا  اهتمامهم علی  ضرب العدو في معاقله  فيِ هذه المدینة،  وهكذا جرّوا العدو الذي كان  یحلم بالسیطرة الدائمة  علی هذه المدینة إلی حرب المدن من خلال تخطیط دقیق وإجراء معقّد.
فحرب مدینة قندهار بتشكیلات خلایا المجاهدین وخطط  إجراء عملیاتها هي ذلك النوع من حرب العصابات المدنیة التي لیس لها مثیل في المدن الأفغانیة الأخرى .
وهذا النوع من العملیات القتالیة في هذه المدینة لیست ولیدة الیوم ضد الأمریكیین، بل سبق للمجاهدین أن جرّبوها بنجاح  ضد المحتلین الروس أیضا، وكان المجاهدون قد جعلوا القوات السوفيتية وعملائها الأفغان تعیش حیاة القلق وحرب الأعصاب الدائمة في هذه المدینة .
یستهدف المجاهدون في هذا النوع من العملیات العدوّ من الداخل من خلال اتخاذ  تدابیر وتكتیكات غریبة معقّدة .
وتخطط العملیات بحیث لا تترك للعدوّ فرصة تحدید الهدف ولا جهة الهدف وتجعله یتوقع الهجوم عیه فی أی لحظة و من أي جهة، وبذلك یعیش في اضطراب ویتعذب من قلق دائم .
وهذا النوع من العملیات تعتمد علی  اختراق صف العدوّ وتحدید الهدف فیها من خلال الحصول علی المعلومات الدقیقة وكسب ثقة الأهالي لقدر ما تعتمد علی الشجاعة والفدائیة و الذكاء الحربي لدی المجاهدین .
یقوم المجاهدون  منذ ما یقرب من ثماني سنوات بهذا النوع من العملیات في مدینة قندهار وأحرزوا  انتصارات عظمیة، وجعلوا عدوّهم  یعیش حالة القلق والرعب الدائم، واستطاعوا بفضل الله تعالى خلال الأعوام الماضیة أن یدكوا سجن قندهار المركزي عن طریق هذا النوع من العملیات الأسطوریة ونجحوا في أخراج جمیع المساجین المجاهدین من أقبیة هذا السجن كما استطاعوا أن یستهدفوا أهمّ مراكز  العدوّ الداخلي والخارجي وان یقتلوا أهمّ شخصیاته في عملیات الاغتيال المختلفة.
وهكذا فرضوا الرعب الدائم علی العدوّ وأبطلوا جمیع مخططاته  الأمنیة والدفاعیة، وقد وصلت  الحال بالعدوّ بعد القتال المدني الناجح للمجاهدین أن فقد سیطرته علی المدینة، و أمست معظم مناطق المدینة تحت سیطرة المجاهدین باللیل ویقومون فیها بدوریات منظمة،  وهذا لیس من جزاف القول والمبالغة ، بل هي حقیقة ثابتة یعترف بها العسكریون  الغربیون أیضا .
وقد حذّرت بعض الجهاد الإعلامیة الهامة في الغرب القیادة الأمریكیة من  خطورة  الوضع الأمني  في مدینة قندهار وأنها علی وشك السقوط بید المجاهدین إن لم  تتدارك الإدارة الأمریكیة الأمر عاجلاً .
ولعل الإعدادات الأمریكیة الأخیرة التي یعلن عنها قائد القوات الأمریكیة الجنرال (مك سرستل) لإجراء العملیات الشاملة في مدینة قندهار هي محاولة لإجابة تلك التحذیرات التي أثارها الإعلام  الغربي ، و یعتبر المحللون العسكریون تصریحات الجنرال ( مك كرستل )  جزأً من حرب الإشاعة ضد المجاهدین .
وعلی أیة حال فإن العملیات المزمع إجراؤها  في مدینة قندهار شغلت الصحافة في المنطقة والعالم وبدآت  تنثر التحلیلات والمقالات حول الأوضاع الأمریكي في هذه المدینة .
وحقیقة یعتبر نفوذ المجاهدین في مدینة قندهار الآن أكبر من أي وقت آخر كما تعترف الصحافة المحلیة والعالمیة  بهذه الحقیقة، و یستطیع المجاهدون أن یستهدفوا مراكز العدو ودوریاته في كل نقطة من نقاط هذه المدینة المكتظة بالسكان .
وقد استهدف المجاهدون في الأیام القریبة الماضیة اثنین من كبار شخصیات الحكومة إلی عدة مسؤولین حكومیین آخرين في هجمات علنیة للمجاهدین في مناطق مهمة من قلب المدینة في محلة (سدوزو)  من سوق ( شامبازر ) التي تبعد عن مقر الولایة عدة مترات ولیست كیلو مترات، كما قتلوا المسؤولین الآخرین في نقاط مركزیة مثل (مددچوك) و (حرضت جي بابا)  و(شهیدانو چوك)  و(وراهي)  والناحیة الأولی، فهذه الهجمات لم تكن في مناطق من أطراف المدینة ، بل هي كلها في قلب المدینة ووسط الإدارات الحكومیة والعسكریة .
فهناك تواجد للمجاهدین في جمیع نقاط المدینة، ویمكنهم أن ینقضّوا علی العدوّ في أیّ لحظة، و علاوة علی تواجد المجاهدین في قلب المدینة هناك مناطق أخری في أطراف المدینة لا یمكن للعدوّ أن یذهب إلیها حتى في رابعة النهار مثل مناطق (لویه ویالة) و( كاغانك) وفي شمال وشمال غرب المدینة ، ومنطقة (محله جات)  الواسعة من مدیریة (دند) في جنوب المدینة والتي تقع تحت سیطرة المجاهدین بشكل كامل .
وقد استطاع المجاهدون بفضل الله تعالی بعد القیام بالعملیات المتتالیة أن یطوّروا عملیاتهم  من عملیات الكرّ والفرّ الفردیة إلی مواجهات كبیرة ضد قوات العدوّ في داخل المدینة، وتطول هذه المواجهات أحیاناً إلی عدّة ساعات، وكانت إحدى هذه العملیات قبل أیام علی  الشارع الدائري الممتد من المفرق الشرقي في شرق المدینة إلی منطقة (سرپوزه)  في غرب المدینة بالقرب  من معتقل النسوان، فقد استهدف فیها المجاهدون رتلاً  من دبابات الأمریكیین وسیاراتهم فأحرق فیها المجاهدین عدة سیارات إلی جانب إحراق سیارة لدوریّة الشرطة الأفغان، وكانت  المعركة قد نشبت في الساعة الرابعة عصراً وامتدت إلی وقت متأخر من اللیل، و في النهایة فرّ الأمريكيون من الساحة.
وقد وقعت هذه العملیة علی مسافة قریبة من مركز  المدینة و مقر الوالي .
وكانت هذه العملیة خیر شاهد علی تفاقم قوة المجاهدین في داخل المدینة .
هذا ما یحدث في النهار، وما یحدث في اللیل فهو علی عكس ما تصوره الصحافة العالمیة، یقول المجاهدون  في قندهار إن المسؤولین الحكومیین والشرطة في النقاط الأمنیة من المدینة یغلقون الأبواب علیهم من الداخل مع إرخاء اللیل لستائر ظلامها في المغرب في كل المدینة، ویتركون شوارع المدینة خالیة لیجوب فیها المجاهدون  بكل حرّیّة ،  وتسلطت حالة الذعر هذه علی المسؤولین الحكومیین ورجال الأمن  بعد أن هجم المجاهدون قبل أیام  عدة  مكاتب  حكومیة ونقاط الأمن للشرطة في ظلام اللیل، وقتلوا جمیع من كانوا فیها من الشرطة ورجال الأمن، فمن یومها أمسی رجال الأمن لا یفكرون إلا في الحفاظ علی حیاتهم، ولا یودون أن یتعرضوا للمجاهدین.
و تقول التقاریر الواردة عن عملیات المجاهدین في مدینة قندهار أنّه  ما من یوم إلاّ ویقوم  فیه المجاهدون بعملیات وهجمات ضد أهداف العدوّ وأفراد نظامه ودوریات جنوده،  و یكبّد المجاهدون فیها العدوّ خسائر كبیرة في الأرواح والمعدات، والوضع الأمني آخذ فیها بالانهیار التدریجي،  وما إغلاق مكاتب الأمم المتحدة والإدارات  الأجنبیة الأخرى وهروب موظفیها منها إلی العاصمة إلاّ نتیجة تدهور الوضع الأمني بالنسبة لهم في هذه المدینة .
أمّا عن أنواع عملیات المجاهدین فیقول المجاهدون عنها أنها لا تنحصر في أنواع معینة فقط،  بل یستغل المجاهدون فیها جمیع الوسائل والفرص لتضییق الخناق علی العدوّ في هذه المدینة، فمنها التفجیر بالعبوات الناسفة من حافات الطرق،  ومنها العملیات الاستشهادية بالسیارات والدراجات الناریة المفخخة، ومنها الهجمات التفجیریة العملاقة علی مراكز العدوّ، ومنها الهجمات الجماعیة علی مكاتب  العدوّ ومراكزه من قِبَل مجموعات الفدائیین .
وهناك عملیات معقدة أخری تفوق وهم العدوّ وخیاله وهي استغلال وسائل النقل العسكریة للعدوّ وزیّه  العسكري والوصول من خلالها إلی الهدف من قبل أن یكشفه العدو.  وقد استخدم المجاهدون  هذه الخدعة العسكریة عدة مراّت خلال الأعوام الماضیة، حیث استغلوا مظاهر جنود العدوّ  و أحدثوا نقاط تفتیش مؤقتة  لإصطیاد أهداف مهمة، و حدث أن قابلهم رجال أمن العدوّ أكثر من مرّة فوضعهم المجاهدون في سیاراتهم بحیل مختلفة و أوصلوهم  إلی مناطق المجاهدین قبل أن یدرك رجال العدوّ المكیدة .
وفي عملیة من مثل هذا النوع استغلّ المجاهدون الزیّ العسكري والأسلحة للجنود الغزاة من الغربیین في خطف أفراد أحد الشخصیات الهامة للحكومة وهو (فضل الدین آغا) فخدعهم بهذه المكیدة وساقهم معهم مكتوفي الأیدي.
وهناك عشرات أخری من هذا النوع من العملیات یتبیّن منها الدهاء الجهادي لمجاهدي مدینة قندهار الشجعان.
ویكمن  نجاح المجاهدین في هذه العملیات علی عنصر المباغتة والانقضاض علی العدوّ من حیث لا یحتسبه.
وهناك عامل  آخر أیضا یضمن نجاح عملیات المجاهدین وتواجدهم في المدینة وهو تضامن الشعب مع المجاهدین  رغم الجهود الإعلامیة  العملاقة التي یبذلها الأمريكيون وعملائهم  بغیة  إیجاد الفجوة بین الشعب والمجاهدین، ویتوطّد بفضل الله تعالی هذا التضامن  مع مرور كل یوم.
فإن كان الإعلام الغربي ینفخ في العملیات التي یتوعّد الجنرال (مك كرستل) بإجرائها في مدینة قندهار مثل ما أجراها في (هلمند)، فإن مجاهدین المدینة والمناطق المحیطة بها قد أعدّوا  جمیع استعداداتهم  لتلقین  العدوّ جواباً مناسباً- إن شاء الله تعالی- .
یقول المجاهدون في قندهار إن نتیجة هذه العملیة سوف لا تكون – بإذن الله تعالی –  إلاّ مهلكة للجنود الأمریكیین و حلفائهم، و لن یكون لها أیّ أثر علی تواجد المجاهدین في المنطقة .
ویری المحللون المحايدون لسیر الأحداث في أفغانستان  أن نتیجة هذه العملیة سوف لا تكون إلاّ قتل المدنیین العزّل، وازدیاد كراهیة الناس للغزاة الأمریكیین، لأن تواجد المجاهدین في المدینة لیس في الوضع الذي یساعد الأمریكیین في استهدافهم كما یستهدفهم في الأریاف خارج المدن.
ومن جانب آخر هناك اختلافات في موقف الأمریكیین والحكومة العمیلة من هذه العملیة من حیث كیفیة العملیة وحجمها، و قد صرّح بعض الجنرالات الأمریكیین للصحافة بأنه لیس لدیهم تصور واضح عن هذه العملیة ، وأنهم لا یقدرون علی استهداف ما لا یمكن لهم رؤیته. وهي بالفعل مشكلة كبیرة للعدو، لأن تشكیلات المجاهدین وخططهم القتالیة في غایة التنظیم والتعقید، ویصعب علی الجنرال (مك كرستل) وطاقمه الحربي أن  یقضی بعملیاته  التقلیدیة علی تواجد المجاهدین المتزايد وسلطتهم العریقة في المدینة المجاهدة.