ألنّاسُ مَعَ فَتحِنَا وقَبضِهم

بقلم: المولوي أبو سـعیـد راشــــد
الحمد والثناء لله رب العلمين، والصلوة والسلام على هادي العلمين .
أما بعد:
فقد دعاني تعَطُّل نظام الغُزّاةِ في العصر، وعدم تكَنّسهم في الأفكار، والنفور لهم في الأذهان ـ إلى تفكّر…
إن وقوفَ الحركة الفكريّة ورجال التّدبير والتّخطيط في الجيش الأوروبي والأمريكي ـ كَي يضعوا خطةً سالمةً عن الإباء ، ونظامًا محبوبا للآباء والأبناء، وتصريحهم بأن ممشاهم إلى غير ما أرادوه، وأن لابد لهم من التهذيب في الأصل الذي عليه أمرهم، وإلا فلا إلا الخسران…
وان تصريحات أوباما أواخر العام ۲۰۰۹ حول انسحاب أحزابهِ مُنهزمةً مُدبرةً عن الدّيار…
هذا، وذاك ! دعاني إلى التَّدَبُّر…

ولماذا لا يقتنع الشعبُ بهذا النظام العالمي الجديد؟ مع ما فيه من أنواع التَّطوُّر والتّجدُّد والترفه ووفور الوسائل، وماذا بعد أن يهزم الجمعُ ويُوَلُّون الدّبر؟ هل يبقي الشعب الأفغاني أو العراقي مؤمنة مخلصة لهؤلاء ونظامهم ورسالتهم، أم سيرتدون إلى جِبلَّتِهم القديمة؟
قد ساقتني هذه الفكرة وأجاءت بي إلى الاِستبانة والبحث في أن الإسلام كيف انتشر؟ وكيف ترك هذا العالم الكبير أديانهم العتيقة عند رؤية هلال الإسلام وبدر القران؟ واستقاموا ، واِن رؤوا فلولَ نجمِ الإسلام؟
* *  1* *
يقُصّ لنا الكهلانُ والتاريخ :ان الأمة الإسلامية بعد أن اِزدهرت كأنها وردة في قارورة العالم، أو حقل خصب في حديقة الحياة، وطاول المجد الإسلامي النجمَ برفعته بل تجاوزه، أراد خريفُ الإبليس ان يصبحَ الإسلام هشيمًا تذروه الرياح، لكن تصدى له رجال تلقوا في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم الصمودَ والحماسة  والمعنوية والتّقدم نحو المطلوب على الأشواك؛ فشردوا كلَّ من بغى وأراد فصل الرحمة عن الناس، ويستمر.
فهذه أوروبا قد رمت الأمة عن قوس واحد- وجاءت جنود أوّلها في حلبٍ وآخرها في القسطنطينية، وثعابينُ التّتر الذين تدافقوا ، وتكالبوا، وخربوا، وأجّجوا، ودمّروا، وغدروا، وظلموا، ووصلوا إلى قلب الأمة، ذبحوا الخليفة وهدموا عرشَه، والقرامطة الذين هزموا بغداد وقتلوا الحجاج، وتيك فرنسا قبضت ديارَ الشام، والانكليزُ قبضوا الهندَ وباكستان وتطلعوا إلى كهوف الأفغان، أو هولندا في اندونيسيا، لكنهم لم يلبثوا بل ولّوا مدبرين .
المتقدمون من أوروبا -طرّدهم ساعدُ الأيوبي، وسبّب الله صوتَ عالمٍ لإخراج التتر، وخرجت فرنسا من الشام والانكليز في عهده القديم من الهند وديار الأفغان، حتى ما سمع لهم همس ولا ركز، وما بقي من آثارهم إلا قصص قتل وتدمير، ما اعتنق شعب في العالم دينَ أحد من المُغِيرين الوافدين ، بل إذا انسحبوا انسحب معهم أديانهم.
وهذه الروس! وما غايتهم منا ببعيدةٍ، جاؤا ووقعوا في المصارعة مع فتية حملتها أُمَّهاتهم للتحرير، والتقدم، والتغيير، إلى أن اضطر السرطان الأحمر، والثعبان الأغبر للخروج، وذلك إذا أحسّ الأوكازَ على الأذقان والخناجرَ على الصدور والرصاصَ على الجباه، فعاد مكدوحَ الجسم كالحًا مقتولَ الأعوان، وسارع الخطى لأن لا يموت في الطريق، لكنه عبر الحدود مع الحريق، وجلس يمسح الدماء عن وجهه، يقوِّم أضلاعه المعوجَّة والعظامَ المكسورة والثيابَ المُمَزَّقة، عاد الروس مع دينه-لا تقوم في آفاقِ الأفغان حفلة لعبادة الشيوعية، ولا لذكرى ليلين وكارمل، وتتصور كأضغاث الأحلام أو أساطير.
كذا أمريكا دبّت أحزابها إذ غضب الله عليها، كما روي: ”إن خراسان كنانةُ الله إذا غضب على قومٍ رماهم بها. “(معجم البلدان) فجاءت جنود من الأطراف، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجرَ، وظن البعض بالله الظنونا، وأُبتُلِيَ المؤمنون، ولقد قال المنافقون لا طاقة لنا اليوم بأمريكا وجڼودها فأصبحوا مرتدين، والمؤمنون قالوا: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) وشمّروا للكفاح، فمنهم من قضا نحبَه، ومنهم من ينتظر، وقوم قالوا: يا أهل أفغانستان لا مقام لكم فاستسلموا لحكم أمريكا ، ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، وكانوا يرون الشهادة تهلكةً، واستأذن البعض وغادروا الساحة.
نعم شنَّت الغارة، ووصلت، ومكثت، لكن هل هدئت الأحوال معها أم زادت قلقا؟ وهل تطور البلاد أم زاد خرابا ودمارا؟
إن الاستطلاع ينبئنا عن فشلهم في جميع ما يصل إليه الفاتحون، كلما سكَّنوا ناحيةً تجوش ناحية أخرى، عاجزون في تأمين أجسامهم وسياراتهم وثكناتهم، فما بالك في تأمين البلاد وتطوره! وهل يستغاث بالمعلول أصلا؟ ما أخضع الأشراف لنظامهم وما دخلوا في دينهم أفواجا كما فعلوا بعد فتح الإسلام، لا تجد في ناديهم إلا الحلّافَ الأثيم َ، والعُتُلَّ الزنيمَ، غیر قادرین على الإخضاع وحصول قلوب الشعب بعد الدخول إلى الساحة وما زالوا في فتور في الإقناع بل قد جاش حرب واشتباك وطرد في الساحات التي تباشرها الأعينُ بالنهار والمنظارُ الّلَيليِّ في الظلمات، وفي جوانب الثكنات العسكرية.
هذا ! ولو سمعتَ من الغابة أو الجبال ! همسَ الرجالِ وركزَ الأشبال مع الخشخشةِ وصهيلِ الجياد والبغال، كالخشخاش أو كجيش جاشَ’ ثم غارت الآسادِ والاشتباكَ والتقتيلَ و أخيرًا فناءَ القافلة جمعاء، أو سمعتَ دقَّ مِعولِ المهندسِ المؤمنِ يحفر الأرض، وحولَه رجال في ضمائرهم حماسة وفي الأيدي سلاح، قد ربطوا الكناناتِ  ونصبوا الخناجر، وتهيؤا للكفاح، كاللُّيُوثِ نزلوا, أو بازيٍّ اِنقضَّ على ذي النباح، وجوههم المشرقةُ تنير الظلامَ، وعزمُهم يعلوا الآكام، ثم يختفي في الحفر كيدُهم اِلى أن ياتي صيدُهم، ثم رئيتَ مدرعةَ الأحزاب تدُبُّ على الشارع عبلة مُهَبَّلة سكرانة، إذ ترفع من تحتها شعلة تلفح البشر، كأنها جمرة وصلت من السقر، كبيرة كالجمل الأصفر، ترمي بشررها كالقصر، ثم ترى الغبارَ مع النار، ووقودَ الأجسام لا الأشجار، يجيش من الأرض يغشي الدبابة في لهيبها، فيرفعها، ويرفعها منكسِرة الأضلاع، منقسمة الأجزاء في الهواء، كأن الأوصال والأشلاء تصعد إلى السماء، ثم تنزل متدقِّقَةً محترقةً متهرولةً تهوي إلى مكان سحيقٍ، ذُعرٍ، قُفرٍ، إلى الهاوية، من النار إلى النار الحامية، إلى الزقوم المُغلي كالمهل في البطون.
وتحسبه الخيالَ لا الحال، إذ تَضِلّ عيناك الدبابةَ والدبابات، ولا ترى على الشارع الإفضاء داميةً.
وكأنّ الطيورَ في طيرانها من وكناتها تبلغ الخبر، وفي أغردتها تظهر السرور بالتفجير، لأن العدو عند الكل بذلك جدير، وتنظر الأجسام قطعةً قطعةً، وعلى كلِّها دخان ولهيب، وتشفي الصدورُ برؤية الصليب في القليب.
ولو ترى الهندسةَ الأمريكية والعلومَ البريطانية تكسرت وفحمت-لَقلتَ: إن الإيمان غلبَ الحديدَ، والتثليثَ ضربه التوحيدُ، والهلالُ دمّر الصليبَ، واِلهامُ الرحمن اِستدرك على إلقاء الشيطان، والقرانُ المحمودُ تفَوّق التلمودَ.
ويأتي إِنكارُ الشعبِ هذا, مع محاولات التخويف والتعذيب، لكن ما آمن بدينهم إلا الفاسق، وما خضع لنظامهم إلا المضطر.
* * ۲* *
وفي الحال يرينا جبين التاريخ: إن الفتح الإسلامي ظهر على العكس، الناس رحّبوا الفاتحينَ ودخلوا في دين الله أفواجا, وصاروا له أعوانا، اِستقاموا عليه، يكافحون عنه ويحاربون لإعلائه.
في حال أن المسلمين ما أكرهوا أحدا على الإسلام ، ما سطَّر التاريخُ في أوراقه، والسماءُ في أحداقه، قصةَ الإكراه على الإسلام، أو التزوير والتمويل في الدعوة الیه.    
* * ۳* *
ونری أن السر الذي أعطاه الله المسلمین،هو كمال الرسالة المحمولة علی أكتاف الغزاة، إن رسالةَ جنود محمد علی قائدها السلام – كانت مملوءة من كل ما یرغب فیه الطبع البشري، بل الجِنِّي، ومجیبةً لكل ما یهتفه الطمع الإنساني، وهذا الرسالة بمعنویتها، وخیرها، وعمومها وعدلها أصبحت قانونا یمشي علیه ساكنوا الكون، حتى أمواج البحر الطاغی.
وهذا الذي أقنع الأعداءَ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، لكنه اِعترف بأن الدینَ هو الإسلام وأقرّ، وذلك لأن جاعل هذه الشريعةِ هو الله خالق البشر، الحكیم الخبیر القدیر الرحیم.     وأما هؤلاء! فقد فقدوا الكمالَ، في دینهم ونظامهم، لذا لا یقنع الناس، و یرون نزولهم في الساحة عذابا وغولًا، وهل رئیتم من یمدح الغولَ والنكال؟  لأن واضع دینهم هو المخلوق الحادث، و أرئیتم من یعرف كنهَ قضایا الشيء، مبدعه وصانعه، أم شقیقه وعدوُّه ومنافروه؟ لأن أفعال العباد یشوبها التخصیص والتبعیض، ویندر المعصوم من الله.
وأما الذین تولوا إليهم من المسلمین فإما هم المخدوعون، وإما هم المتقون أنفسهم، فمثله كمثل الذي یركب الشجرةَ ویسیر مع السیل، وإذا أحسَّ بالملجأ یلجأ إليه، وإما هم المغضوبونَ الملعونون عند الله وعند المسلمين، قال الله تعالى: ( یإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ{22} وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ{23} سورة الأنفال الآية
وقال: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران176..
فلا خیرَ في هؤلاء، واسألوا القریةَ التي فیها الفئتان،هل هم یحبون الشباب المجاهدین، أم العبید المرتدین؟
* * ۴* *
والشيء الثاني المفقود لدیهم، هو انعدامهم للرجال المخلصین لنظامهم والحرب دونه، لأن ذلك یحتاج إلى أساساتٍ معنویة وروحیة، وقد فقدوا هذا في أنفسهم، وإذا فقدت المعنویة تبقى المادة والمال والجاه، ولا أحد یقتل نفسه لذا.
والشيء الثالث: انعدام غرض سامي شامل لديهم، فهم لا یلتمسون خیر البشریة، ویفقدون تنفیذ شریعة إلهية، فسعیهم فقط لإشباع النفوس والهوى، واِن مات الشعب جوعا، واِن هُتكت الأعراض، بل عندهم مؤامرات رسمیة للنهب، والشلل، والعقم، والقتل، والإفلاس، وأمراض مصَنّعةٍ، وإفشاء الفساد في الشعوب المقهورة.
وأما المسلمون فقد كان سعیهم للتطور والاِغناء في الشعوب المفتوحة، فهذا سیدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه ، عندما قال له رستم: ما الذي جاء بكم؟ فقال : ”اللهُ اِبتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضیق الدنیا إلی سعتها، ومن جور الأدیان إلی عدل الإسلام“. وقد فعلوا ونجحوا.
والرابع: تنفیذ قانون عادل شامل بعد الفتح، لأن السكوت من صاحب البيت ربما یكون مراقبةً لِما یفعله الفاتح الجديد، فان كانت أفعاله خیرا لصاحب البیت یدوم سكوته، وإلا یقوم باشتباك إلی إخراج الغاصب ويلجأ إلى سلاحه دفاعا لكرامته المسلوبة، وذاك محال في هؤلاء الكفرة والعملاء، دعنا لا نتكلم في الصنادید العملاء والأُمراء العبيد، بل نشاهد أبناء الجواسیس والطباخین یستأسدون علی العامة، ولا یراعون أيّ قانون، ویرتكبون ما تصله هواهم من الجرائم.
فهذا عذاب وظلام ولیل، ولن یدیم، إنني متأكد بأن النصر قد وصل، والأرض بدأت تقلع الماء، فسیغیض الفیضان، وینزل إلی الوادي سكانها، وینشأ الأرض نشأة أخری خیرا للأمة والبشریة جمعاء.
فابشروا، واصبروا، واعلموا: إن الاِنتصارات الأخیرة في معركتنا العالمیة، بأیدي الشباب المخلصین الأبطال – تبشرنا بأن صبح الأمة طالع ونهارها قریب، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
۱۴۳۱/۱/۹هـ