بيت القائد قطوف من حياة أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح

بسم الله الرحمن الرحيم

بيت القائد

قطوف من حياة أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه

الحمد لله رب العلمين، و الصلوة و السلام على الرسول الأمين، و على أصحابه و من تبعهم إلى يوم الدين، روى الإمام البخاري بسنده عن بن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةُ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً”، وبعد:

ما أحوجت الأمة الإسلامية إلى قواد أمناء مدبرين عباقرة، إلى المخلصين الأجلاد، ليأخذوا بناصيتها إلى الخير و السعادة، ليخرجوها عن هذا المأزق، و ليرشدوها إلى المجد و العلى، لا شك أن للإسلام أنصار، و إليه قوافل و جحافل في الطريق، بعضها تحتاج إلى جامع و حاشد، وبعضها إلى المحرك و المحرض، و الأخرى إلى القائد، و هناك من تقدموا أشواط لكنهم فقدوا الهادي، و لا يزالون واقفين حيرانا ينتظرون من ينوبه، كم من حركات و حشود عقمت بعد فقدان مرشدها، و كم من فئة ضلت بعد ضلال قائدها، إنها الحاجة إلى الرجال، و هي حقيقة مشرقة ناصعة لا ضبابية عليها كالشمس في كبد السماء، إن الناس كتراب على الأرض، و الأحجار أكواما و جبالا، و هم كالأخشاب القائمة أشجارا، لو لم يكن لها البَنَّاء ما ارتفعت بناء، و لو لم يكن لها الناحتون لم تظهر لهذه الأحجار فائدة، و لم لم يكن النجار لضاعت تلك الأخشاب، إنكم ترون في تاريخ الدعوات في العالم، إنسان واحد يغير مسير الأقوام، لا شك في أن فرعون هزمه موسى عليه السلام لا بنو اسرائيل، و إن محمد اصلى الله عليه وسلم غير مسير البشرية لا المسلمون، و إن أبا بكر وعمر و خالد و أبوعبيدة و عمرو دمروا كسرى و قيصر لا الجيوش، إن الأندلس فتحه طارق، و أفريقا و السند و الهند و تركستان فتحها موسى بن نصير و محمدبن قاسم و قتيبة و الغزنوي و الأبدالي – لا عساكر الإسلام، الأمم تحيى بحياة القائد و تموت بموتها، القابضون على أراضينا لا يخافون إلا من أمٍّ تنجب ببطلٍ كالأيوبي و أمثاله.

 

إننا في حاجة إلى تهيئة الرجال و تربيتهم أكثر من حاجة هؤلاء إلى تضليلهم و إفساد عقائدهم أو شراء ضمائرهم، لأن الرجال عتادنا و عدتنا في هذه المعركة لا غير، فلابد من إعداد الرجال لقيادة الجيل القادم و ذلك بالدعوة إلى التخلق بأخلاق القواد الهادين المهديين من مدرسة محمد صلى الله عليه لعل الله يخلق أبطالا أمناء ، و النظر في سير الأمراء الناجحين فإنها ايسر السبل إلى المطلوب، فلننظر اليوم في سيرة أمين الأمة لنعرف ما لنا و ما علينا أو لنرشد القواد الموجودين إن رئينا الاعوجاج و نبشرهم و نحرضهم إن و جدنا التوافق – ليصلح الجيل القادم و ليدوم الكتائب على الصراط المستقيم، و إلا فسوف نضطر إلى إصلاح الذي نحسبه اليوم هينا بأصعب الطرق و أعسر السبل، و لعلنا لم نفز آنذاك… و ها هي حديقة حياة أمين الأمة.

أسلم أبو عبيدة عامر عبد الله بن الجراح رضي الله تعالى عنه مع عثمان بن مظعون و عبيدة بن الحارث و عبد الرحمن بن عوف، و أبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحة، قبل دخول النبي صلى الله عليه و سلم دار الأرقم، و هاجر الهجرتين إلى الحبشة لكن لم يمكث هناك طويلا ثم إلى المدينة المنورة، شهد بدرا و هو ابن إحدى و أربعين سنة قتل يومئد أباه، و أبلى يوم أحد بلاء حسنا، و نزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في و جنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما حتى قيل: ما رؤي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة، و شهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، و كان أحد العشرة الذين شهد لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بالجنة و مات وهو عنهم راض،و كان من الذين جمعوا القرآن، و كان أمير الأجناد بالشام و مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة و هو يومئد ابن ثمان و خمسين سنة، و كان يصبغ رأسه و لحيته بالحناء و الكتَم، و قبره ببيسان موضع بالشام. (تاريخ مدينة دمشق، سير أعلام النبلاء، الإصابة )

صورة أبي عبيدة:

عن خالد بن معدان، عن مالك بن يخامر أنه وصف أبا عبيدة فقال: “كان رجلا نحيفا، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالا، أحنى، أثرم الثنيتين، و كان يخضب با لحناء و الكتم و كان له عقيصتان”. ( سير أعلام النبلاء: ۱ /۷ ط مؤسسة الرسالة بيروت، تاريخ مدينة دمشق: ۲۵/ ۴۴۴ط دار الفكر بيروت )

مكانة أبي عبيـــــدة :

قال ابن عساكر بسنده: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي عبيدة ثلاث كلمات، لأن يكون قالهن لي أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم”. قالوا: وما هن يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو عبيدة، فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره ثم أقبل علينا وقال: “إن هاهنا لكتفَيْن مؤمنتَيْن”.

وخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتحدث، فسكتنا، فظن أنا كنا في شيء كرهنا أن نسمعه، قال: فسكت ساعة لا يتكلم، ثم قال: “ما من أصحابي إلا وقد كنت قائلاً فيه لابدّ، إلا أبا عبيدة”.

قال: وقدم علينا وفد نجران، فقالوا: يا محمد، أبعث لنا من يأخذ لك الحق، ويعطيناه، فقال: والذي بعثني بالحقّ لأرسلن معكم القوي الأمين. قال أبو بكر: فما تعرضت للإمارة غيرها، فرفعت رأسي لأُرِيَه نفسي، فقال: قم يا أبا عبيدة، فبعثه معهم”. ( تاريخ مدينة دمشق:۲۵ / ۴۶۴ )

عن عبد الله بن شقيق قال:” قلت لعائشة رضي الله عنها أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه ؟ قالت أبوبكر، قلت ثم من ؟ قالت عمر، قلت ثم من ؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح”. (تاريخ مدينة دمشق، مسند أحمد، الإصابة لابن حجر )

أمين الأمة :

عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح “. ( متفق علیه )

عن بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء العاقب و السيد صاحبا نجران، و أرادا ان يلاعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال أحدهما لصاحبه لا تلعنه، فو الله لئن كان نبيا فلا عنا – لا نفلح نحن و لاعِقِبَنا أبدا، فقالا: لا نلاعنك، و لكن نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأبعثن رجلا أمينا حق أمين حق أمين، قال فاستشرف لها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح “، قال: فلما قفا قال: هذا أمين هذه الأمة “. ( تاريخ مدينة دمشق: ۲۵ / ۴۵۳ )

الرجل الكامل:

عن الحسن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما منكم من أحد إلا لو شئت لأخذت عليه بعض خلقه، إلا أبا عبيدة ” -قال الذهبي:- هذا مرسل، وكان أبو عبيدة موصوفا بحسن الخلق، وبالحلم الزائد والتواضع.( سير أعلام النبلاء:۱/ ۱۳ ط مؤسسة الرسالة بيروت ) وعن علي بن كثير أنا أبا بكر قال لأبي عبيدة: قم أبايعك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: ما كنت لأفعل أن أصلي بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأّمنا حتى قُبض”. ( تاريخ دمشق: ۲۵ / ۴۶۳ ) وقال أبو بكر الصديق وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر، وأبا عبيدة.(أيضا:۱/۸)

لما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سَرْغ حُدِّث أن بالشام وباءً شديداً، فقال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجراح حيّ استخلفته، فإن سألني الله عزّ وجلّ: لم استخلفته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم قلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن لكل نبيّ أميناً، وأميني أبو عبيدة بن الجراح “، فأنكر القوم ذلك، وقالوا: ما بال عُليا قريش؟! – يعنون: بني فهر ثم قال: وإن أدركني أجلي، وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربي عزّ وجلّ: لمَ استخلفته ” ؟ قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنه يُحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نَبْذَة “. ( تاريخ دمشق، سير أعلام النبلاء للذهبي:۱ / ۱۰ ) و السرغ: إسم موضع، آخر الحجاز و أول الشام. و الرتوة: مسافة قدر مد البصر.

المعلم الفاضل:

ذكر ابن عساكر بسنده عن أبي ثعلبة قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يارسول الله ! ادفعني إلى رجل حسن التعليم، فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم قال: دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك و أدبك “.

( تاريخ مدينة دمشق: ۲۵ / ۴۶۹ )

أبوعبيدة في الجنة:

روى ابن عساكر بسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أبوبكر في الجنة، وعمر في الجنة، و عثمان في الجنة، و علي في الجنة، و طلحة في الجنة، و الزبير في الجنة، و سعدبن أبي وقاص في الجنة، و عبد الرحمن بن عوف في الجنة، سعيدبن زيد في الجنة، و أبو عبيدة بن الجراح في الجنة “. أیضا: ۲۵ / ۴۶۷ و رواه الترمذي و صححه الألباني في تعليقه عليه )

أمنية عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

عن أبي صخر عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال لأصحابه: تَمَنَّوا فقال أحد: أتمنى أن يكون مِلءَ هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله، فقال: تمنوا، قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقها في سبيل الله، قال: تمنوا، قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جوهرا أو نحوه فأنفقه في سبيل الله، فقال عمر: تمنوا، فقالوا: ما تمنينا بعد هذا، قال عمر: ” لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان فاستعملهم في طاعة الله “.قال: ثم بعث بمال إلى حذيفة، قال: انظر ما يصنع ؟ قال: فلما أتاه قسمه، ثم بعث بمال إلى معاذ بن جبل، فقسمه، ثم بعث بمال يعنى إلى أبي عبيدة، قال: انظر ما يصنع، فقال عمر قد قلت لكم”. ( التاريخ الصغير للبخاري:۱ / ۷۹ آخر الجزء الأول ط: دار المعرفة بيروت )

صفات أبي عبيدة العالية:

بيت القائد:

وفي ” الزهد ” لابن المبارك: حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه

قال: قدم عمر الشام، فتلقاه الامراء والعظماء، فقال: أين أخي أبو عبيدة ؟ قالوا: يأتيك الآن، قال: فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا، فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعا، أو قال شيئا، فقال: ياأمير المؤمنين ! إن هذا سيبلغنا المقيل “.

ابن وهب: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر حين قدم الشام، قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي ؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علَيَّ ، قال: فدخل، فلم ير شيئا، قال: أين متاعك ؟ لا أرى إلا لبد أو صحفة وشنا، وأنت أمير، أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك علَيَّ، يا أمير المؤمنين ! يكفيك ما يبلغك المقيل، قال عمر: “غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة”. أخرجه أبو داود في ” سننه ” من طريق ابن الاعرابي._ قال الذهبي _ وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهد من كان فقيرا معدما”.

(سير أعلام النبلاء:۱/ ۱۶، ۱۷، تاريخ دمشق: ۲۵/ ۴۸۱ اللفظ لهما إلا أن كلمة: يبلغك: بصيغة الماضي في الثاني ، حلية الأولياء:۱/ ۱۴۶ ط دار الكتب بيروت ) ستعصر عينيك: ستبكي، و اللبد: بساط يصنع من الصوف، و الصحفة: إناء من آنية الطعام، و الشن: القربة الخلق العتيق الصغير يكون الماء فيها أبرد، و الجونة: بالضم قال ابن سيدة في المحكم : والجونة سليلة مغشاة ادما تكون مع العطارين والجمع جون، و قال الأزهري في تهذيب اللغة : قال الليث: الجُونَةُ سُلَيْلَةٌ مستديرة مُغَشَّاةُ أَدَماً، تكون مع العطَّارين، وجمعها جُوَنٌ ومنهم من يهمز الجُؤَن انتهى و هي كا لسلة اليوم.

الإنفاق:

عن مالك: أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف، أو بأربع مئة دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عبيدة، ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، قال: فقسمها، إلا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر، قال: الحمد لله الذي جعل في الاسلام من يصنع هذا”. ( سير أعلام النبلاء: ۱/ ۱۷، تاريخ مدينة دمشق: ۲۵ / ۴۸۱ )

فكرة أبي عبيدة:

وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: “يا أيها الناس ! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى، إلا وددت أني في مسلاخه “.عن قتادة قال: قال أبو عبيدة بن الجراح: “وددت أني كنت كبشا، فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويحسون مرقي”. وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد تسفيني الريح.” ( سير أعلام النبلاء: ۱ / ۱۸ )

وذكر ابن عساكر بسنده عن سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: كان أبوعبيدة أميرا على الشام فخطب الناس فقال: يا أيها الناس ! إني إمرؤٌ من قريش، و ما منكم من أحمر و لا أسود يفضلني بتقوى إلا و ددت أني في مسلاخه “. ( تاريخ دمشق:۲۵ / ۴۸۲)

قتل الأب الكافر:

عن ابن شوذب قال جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لابنه أبي عبيدة يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر – قصده أبو عبيدة – فقتله فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( حلية الأولياء:۱ / ۱۴۵ ط دار الكتب بيروت ) و معنى يحيد عنه: يعرض عنه.

الوفاء مع الأصحاب:

عن قيس بن مسلم عن طارق، أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فَعَجَِل إلَيَّ، فلما قرأ الكتاب، قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحَلِّلني من عزيمتك، فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب، بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة ؟ قال: لا،

وكأن قد. قال: فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون. قال أبو الموجه محمد بن عمرو المروزي: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفا من الجند، فلم يبق منهم إلا ستة آلاف رجل”.

(سيرأعلام النبلاء: ۱/ ۲۹ )

ليدرس القواد الكرام منه الوفاء مع الأصحاب، و مصاحبة المجاهدين في الرخاء و الشدائد، فإن الموت لا يتقدم و لا يتأخر، كان له أن يغادر الساحة لأن أمير المؤمنين أمره، لكنه استثقل وفاء مع الأصحاب !

إيثار و طاعة

قال موسى بن عقبة في ” مغازيه “: غزوة عمرو بن العاص هي غزوة ذات السلاسل من مشارف الشام، فخاف عمرو من جانبه ذلك، فاستمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتدب أبا بكر وعمر في سراة من المهاجرين، فأمر نبي الله عليهم أبا عبيدة، فلما قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أمير كم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأميرنا أبو عبيدة، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددت بكم،فلما رأى ذلك أبو عبيدة بن الجراح، وكان رجلا حسن الخلق، لين الشيمة، متبعا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، قال: تعَلَّم يا عمرو ! إن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: “إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ” فسلم الإمارة لعمرو”…( تاريخ دمشق:۲۵/ ۴۴۹)

و عن جابر قال: “كنت في الجيش الذين مع خالد، الذين أمد بهم أبا عبيدة وهو محاصر دمشق، فلما قدمنا عليهم، قال لخالد: تقدم فصل، فأنت أحق بالإمامة، لأنك جئت تمدني، فقال خالد: ما كنت لأتقدم رجلا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.” (سير أعلام النبلاء:۱ / ۱۲ )

إن التواضع حق التواضع، هو بين قائد و قائد، و الإيثار حق الإيثار، هو إيثار الإمارة، فقد كان جامعا لهما رضي الله عنه.

حبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت أبابكر يقول:

لما كان يوم أحد و رمي رسو ل الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر ، فأقبلت أسعى إلى رسو ل الله صلى الله عليه و سلم، و إنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، حتى توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أبو عبيدة بن الجراح – فبدرني، فقال: أسئلك بالله يا أبابكر أن لا تركتني فأنزعه من و جه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبوبكر: فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيته حلقة المغفر فنزعها و سقط على ظهره، و سقطت ثنية أبي عبيدة، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى ( فسقطت ثنيته الأخرى ) قكان أبوعبيدة في الناس أثرم. ( تاريخ دمشق: ۲۵ / ۴۴۸) مابين القوسين ليس من قول أبي بكر بل أضفناه ليتم الخبر، و الأثرم: الرجل الذي به ثرم و هو سقوط الثنية

أبو عبيدة في الجنة:

روى بن عساكر بسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبوبكر في الجنة، و عمر في الجنة، و عثمان في الجنة و طلحة في الجنة و الزبير في الجنة و سعد بن أبي وقاص في الجنة، و عبد الرحمن بن عوف في الجنة، سعيد بن زيد في الجنة، و أبوعبيدة بن الجراح في الجنة ( أیضا:۲۵/ ۴۶۶ ) و رواه الترمذي و صححه الألباني في تعليقه عليه )

رسالة أبي عبيدة:

قال ابن المبارك بسنده في الجهاد:

عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حُصِرَ بِالشَّامِ، وَنَالَ مِنْهُ العَدُوُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَا نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، إِلاَّ جَعَلَ اللهُ بَعْدَهَا فَرَجاً، وَإِنَّهُ لاَ يَغْلِبُ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا}

قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ يَقُوْلُ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ بِكِتَابِهِ، فَقَرَأَهُ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ:

يَا أَهْلَ المَدِيْنَةِ! إِنَّمَا يُعَرِّضُ بِكُم أَبُو عُبَيْدَةَ أَوْ بِي، ارْغَبُوا فِي الجِهَادِ”. ( سير أعلام النبلاء:۱ ۱۵ )

وصية أبي عبيدة:

عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري قال: لما طُعن أبو عبيدة بن الجراح بالأردن، وبها قبره، دعا من حضره من المسلمين فقال: إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وأتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحُجّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم، ولاتغشوهم، ولا تُلهِكم الدنيا، فإن إمرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي تَرَون، إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميّتون، وأكيَسُهم أطوَعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده، والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ بن جبل: صَلِّ بالناس، ومات، فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس ! توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحا، فإن عبدا لا يلقى الله تائبا من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجرا أخاه فليصالحه، و لا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاث، إنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل ما أزعم أني رئيت عبدا أبرَّ صدرا و لا أبعد م الغائلة، و لا أشد حبا للعامة، و لا أنصح للعامة منه فترحموا عليه رحمه الله، و احضروا الصلاة عليه. ( تاریخ مدینة دمشق ) و أخرج الحاكم في المستدرك بسندهعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: مات أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَامَ مُعَاذٌ فِي النَّاسِ فَقَالَ:… إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُجِعْتُمْ بِرَجُلٍ وَاللَّهِ مَا أَزْعُمُ أَنِّي رَأَيْتُ مِنْ عِبادِ اللهِ عَبْدًا قَطُّ أَقَلَّ غَمْزًا وَلاَ أَبَرَّ صَدْرًا، وَلاَ أَبْعَدَ غَائِلَةً، وَلاَ أَشَدَّ حُبًّا لِلْعَاقِبَةِ، وَلاَ أَنْصَحَ لِلْعَامَّةِ مِنْهُ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَصْحِرُوا لِلصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَأُخْرِجَ أَبُو عُبَيْدَةُ، وَتَقَدَّمَ مُعَاذٌ فَصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا أَتَى بِهِ قَبْرَهُ دَخَلَ قَبْرَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمَّا وَضَعُوهُ فِي لَحْدِهِ وَخَرَجُوا فَشَنُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، لاَثْنِيَنَّ عَلَيْكَ وَلاَ أَقُولُ بَاطِلاً أَخَافُ أَنْ يَلْحَقَنِي بِهَا مِنَ اللهِ مَقْتٌ كُنْتُ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ: مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا: سَلاَمًا، وَمَنِ الَّذِينَ إِذَا أَنْفِقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَكُنْتَ وَاللَّهِ مِنَ الْمُخْبَتِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِي يَرْحَمُونَ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ وَيَبْغُضُونَ الْخَائِنِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ.( المستدرك للحاكم:۳/ ۲۹۵ ط دار الكتب العلمية بيروت،و سكت عنه الذهبي )

أولاد أبي عبيدة:

قال الطبري في الرياض النضرة: وكان له من الولد يزيد وعمير أمهما هند بنت جابر. ودرجا ولم يبق له عقب انتهى و درجا صيغة الماضي للتثنية المذكر الغائب معناه: ماتا و انقرضا من درج درجا بمعنى: مات و انقرض، ولم يبق لأبي عبيدة نسل، و ظن بعض العجم هذه الكلمة إسما و قال: درجا إسم لزوجة ثانية لأبي عبيدة، فيزيد ابنه من هند و عمير من درجا، و قد أخطأ، و العجيب: أن الآخرين نقلوه من كتابه سيرة الصحابة هكذا.

أيها الدعاة إلى الله !

إننا في أوان لو سميناها أوان قحط الرجال لصدقنا، فحاولوا أن تبنوا من أبناء الأمة و أشبالها رجالا مؤمنين مخلصين أشداء، و استعينوا بتاريخ الرجال الماضين.

أيها القادة الكرام !

لتعلموا أن ما يُجمع و يُحرص عليه من متاع الدنيا – فانٍ، و أنكم سترجعون إلى الله خالية الأيدي، تاركين جميع الأموال و الأولاد، لا يفيدكم إلا الأعمال الصالحة و الأمانة و الوفاء،

قال السرى: ” سألت معروفاً الكرخي عن الطائعين لله، بأي شئ قدروا على الطاعة لله، قال: ” بخروج الدنيا من قلوبهم، ولو كانت في قلوبهم ما صحت لهم سجدة “وقيل لمعروف الكرخي في علته: ” أوص؟ ” فقال: ” إذا مت فتصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن اخرج من الدنيا عريانا، كما دخلتها عريانا “. (طبقات الأولياء لابن الملقن: ۱/ ۱۱۷ ط دار الكتب – بيروت)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العلمين.