انتصرنا.. فدعونا نهرب بسرعة !!

فشلت الحرب الأمريكية على أفغانستان، وانهارت الحملة الصليبية تماماً، ولكن الكثير من الألغام التي زرعها الأمريكيون وحلفاؤهم في المجتمع الأفغاني والأرض الأفغانية، مازالت قائمة وتحتاج إلى وقت أطول وعناية أشد.

يبحث الأمريكيون لقواتهم عن “معبر آمن” للفرار، ويستخدمون بالفعل أكثر من طريق في أكثر من اتجاه. أحد هذه الطرق يتجه شمالاً نحو أوروبا عبر الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، إلى روسيا الاتحادية التي تقدم أحد قواعدها الجوية في بادرة حسن نية تحمل شماتة روسية يصعب إخفائها، كون أعدائهم الكبار في حلف الناتو بزعامة أمريكا قد شربوا حتى الثمالة من الكأس السام الذي تجرعه السوفييت في أفغانستان، وينتظرهم مستقبل أشد مرارة ومأساوية من مستقبل الإمبراطورية السوفيتية المندثرة.

يستخدم الأمريكان نفس الطرق التي انسحب عليها الجيش السوفيتي من أفغانستان بعد هزيمته المدوية هناك ويستخدمون أيضاً نفس الممرات تقرباً التي عبرتها جيوش الإمبراطورية البريطانية في آخر هزيمة لها في أفغانستان في مطلع القرن العشرين حين أبيد المنسحبون على يد القبائل الأفغانية الثائرة بالقرب من مدينة جلال آباد وهم في طريقهم إلى ممر خيبر التاريخي.

قد لا يتصور الكثيرون الآن أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات مهمة للسوفييت حتى يكون انسحابهم من أفغانستان آمنا ولا يتحول إلى هزيمة شاملة. لقد عبر القوات السوفيتية من طريق رئيسي يمتد من شمال كابول وينتهي عند جسر حيرتان في ولاية مزار شريف، ثم عبرت الجسر الحديدي المتجه إلى أوزبكستان التي كانت أرض سوفيتية قبل أن تتحرر بفعل نجاح جهاد الشعب الأفغاني كما تحررت الكثير من الشعوب الأخرى في شرق أوروبا. فقط مسلمي آسيا الوسطى والقوقاز ظل يحكمهم رجال موسكو بعد أن بدلوا الراية الماركسية بالعلم الغربي الديمقراطي.

سلك الجيش الأحمر طريقاً رئيسياً واحداً أثناء انسحابه من أفغانستان، ولكن جيوش حملة بوش الصليبية على أفغانستان /التي ادعى وقتها أنها سوف تستمر لمائة عام / تسلك الآن أكثر من طريق لأنها ببساطة لا تثق بأحد وتعرف أنه حتى أقرب أصدقائها يتربص بها الدوائر ويرغب في توريطها إلى حد الغرق. فهي لا تثق في السياسات الروسية ولا بنوايا بوتين، كما لا تثق أبداً بحلفائها الأقربون في باكستان وتعلم علم اليقين أنهم متعددو الولاءات السياسية ولا ينظرون إلا إلى مصالحهم الشخصية فقط ويبيعون العباد والبلاد إلى من يدفع لهم أكثر ويضمن أطماعهم التي لا حدود لها تجاه المال والسلطة. لا شك أن حلفاء الولايات المتحدة في باكستان يقدمون لتلك الدولة المارقة أكثر مما كانت تحلم به من خدمات، ولو أن باكستان كانت محكومة بأحد الإدارات التي تحكم أي ولاية أمريكية لما تجرأت على تقديم كل تلك التنازلات والخدمات المهينة والمجانية. ولكن إذا كانت الأهداف الشخصية هي التي تحدد مسار الحكام فإن مثل ذلك السلوك الشاذ يصبح منطقياً.

المسار آمن لمن ؟؟

بدلاً من أن تترك الولايات المتحدة العالم يكتشف حجم الكارثة التي حلت بها في أفغانستان واستجدائها ممرات أمنه لقواتها من عدوها الروسي أو حليفها غير الموثوق في باكستان، نراها تخترع فقاعات إعلامية تجلب الأنظار إلى الاتجاه الخاطئ، وتحاول تضليل الشعب الأفغاني عن حقائق يعلمها الصغير قبل الكبير، ومنها الحقيقة الساطعة بأن أمريكا وحلف الناتو قد هزموا عسكرياً في أفغانستان، وأن الشعب الأفغاني بقيادة حركة طالبان قد كسبوا الحرب على كافة أصعدتها العسكرية والسياسية، رغماً عن الحصار الدولي والإقليمي، والتجاهل المتآمر من أو غير المبالي من حكومات ودول وربما شعوب إسلامية غائية أو مغيبة عن الوعي.

تتحدث الماكينة السياسية والإعلامية للعدو الأمريكي عن (ممر آمن!!) لتلك العناصر من حركة طالبان التي ترغب في الانضمام إلى محادثات المصالحة والسلام مع الأمريكيين وعملائهم في حكومة كابول.

يبدو ذلك غير منطقي على أقل تقدير، بل مثير للسخرية، إذا بينما تتدافع جيوش الغزو الصليبي (حسب وصف الغزاة أنفسهم) نحو ما يمكن توفيره من ممرات آمنه، وتتسابق القوات أيهم يهرب أولاً، فإن آلة الأكاذيب الأمريكية تتحدث عن ممر آمن لمعتدلين في حركة طالبان يرغبون في الوصول إلى كابول للتفاوض مع حكومة لا تملك من أمرها شيئاً ولا تحكم إلا نفسها وقد حزم أفرادها حقائبهم للفرار وقد غادرت عائلاتهم أفغانستان منذ زمن بل أن بعض العائلات لم تدخل أفغانستان أصلا وبقوا في دول الغرب، والآن يتحدثون عن ممر آمن لقادة معتدلين من حركة طالبان صوب إسلام آباد للتفاوض هناك مع الأمريكيين.

لقد سبق لجهاز الأكاذيب الأمريكي وأن أطلق مثل هذه الترهات التي تساقطت أرضاً قبل أن يتجاوب معها أحد، خاصة داخل أفغانستان حيث الحقائق ساطعة لا غموض فيها ويلمسها الجميع في حياتهم اليومية، فيتجهز الجميع لاستقبال حركة طالبان حتى تقودهم في المراحل الحرجة التي تلي الغزو كي تضع أفغانستان وشعبها في المكان اللائق والصحيح على خريطة الإقليم والعالم.

نشير إلى أن المغالطات المتعمدة في قصة التفاوض والممرات الآمنة التي تقود إليه هي :

إن العدو قد هزم عسكرياٌ وينسحب بالفعل من أفغانستان ويتسابق الحلفاء على أفضل فرص الفرار المبكر. وتعترف صحفهم أن الحرب انتهت إلى الفشل، وأن طالبان عائدون إلى الحكم بعد انتصارهم في الحرب. وقالت أحد صحف حلفاء أمريكا المقربين { إذا انسحبنا غدا أو ظل جنودنا يقاتلون لمدة عام آخر فإن ذلك لن يحدث أي تغيير يذكر} ـ صحيفة الاسترالي 31 أغسطس 2012ـ وليس هناك من عاقل يقبل التفاوض مع عدو منهزم إلا في حدود تحديد الثمن الذي ينبغي عليه أن يدفعه في مقابل عدم القضاء على قواته أثناء عملية الانسحاب كما حدث للقوات البريطانية في أفغانستان منذ قرن مضى. إن من يدعى العدو أنهم معتدلون ويسعون للتفاوض معه أو مع حكومة كابل حول تسوية ومشاركة في السلطة هم شخصيات لا تمثل إلا نفسها، وهم على عدة أقسام:

أ ـ مجموعة من الأسرى لدى قوات الاحتلال ارتبطوا قبل الحرب بحركة طالبان والإمارة الإسلامية ويتلاعب العدو بأسمائهم كما يشاء لكونهم أسرى لا حول لهم ولا قوة.

ب ـ شخصيات من الأفاقين المدعين الذين لا تربطهم أي صلة بحركة طالبان ولكنهم يبحثون عن الشهرة والمال.

ج ـ أشخاص كانوا على علاقة بالحركة ثم غيروا مسار حياتهم تحت ضغط التهديد أو الغواية.

د ـ شخصيات متوهمة ولا وجود لها في الواقع.

بفعل المزايدات الانتخابية لا يستطيع الرئيس الأمريكي أو منافسوه أن يتكلموا بجدية عن أي موضوع دولي سوى موضوع واحد هو حماية ودعم إسرائيل، وما سوى ذلك من مواقف يبقى طي الكتمان حتى ينجلي غبار الانتخابات وأكاذيبها.

لقد بالغت الولايات المتحدة كثيراً في الثقة بقدرتها على الخداع والتضليل وإطلاق الأكاذيب الكبيرة وتكرارها بشدة على أوسع نطاق حتى تبدو وكأنها حقائق بديهية. وعلى الجانب الآخر قللت كثيراً من قدرة حركة طالبان على اكتشاف الخداع والتخلص من الأفخاخ السياسية. فحركة طالبان ليست متعجلة على التفاوض بل هي متعجلة على طرد المحتلين، ومع ذلك فهي تدرك أن كل يوم إضافي تمكثه جيوش الاحتلال يكلف دولها ثمنا غالياً جداً، ليس فقط من دماء جنودها وجنود المرتزقة، بل وأيضاً يهدد مستقبل شعوبها في الاقتصاد والسياسة، وربما أصبحت قدرة وقيمة المعسكر الغربي على المستوى الدولي مهددة بالتلاشي في المستقبل المتوسط بفعل الأزمات التي تعصف به حالياً.

والذي لا شك فيه هو أن النظام العالمي يعانى من حالة سيوله مصحوبة بالفوضى والاضطراب التي تسبق ظهور نظام عالمي جديد يتوافق مع الحقائق الدولية ومصالح الشعوب. تجلى ذلك وبأوضح صورة في المنطقة العربية والشرق الأوسط الكبير /حسب التوصيف الأمريكي/ فهناك تتصارع الأطماع الأمريكية والأوروبية والأنظمة الحاكمة مع الشعوب التي تفتقر غالباً إلى القيادة الرشيدة والرؤية الواضحة للمستقبل.

ــ تدعي الولايات المتحدة عبر ماكينة الأكاذيب العملاقة أن باكستان هي التي تعرقل المفاوضات، وأنها اعتقلت زعماء من حركة طالبان كانوا يرغبون في التفاوض. وهكذا إذا فشلت الولايات المتحدة في برنامج الحرب أو برنامج السلام ألقت بتبعات ذلك على أكثر حلفائها طاعة لها.

مفاوضات.. وممرات

إن الطرف الذي لديه القدرة والحق في منح ممرات آمنه هم حركة طالبان بوصفهم الطرف المنتصر المسيطر على الأرض والذي يحظى بالتأييد الشعبي داخل أفغانستان.

فإذا ظهرت حاجة للتفاوض / وذلك لم يحدث حتى الآن ومن غير المتصور أن يحدث قبل انسحاب آخر جندي أمريكي وأوروبي محتل من أفغانستان/ فإن التفاوض يجب أن يكون فوق أراضي الطرف المنتصر. ولكن الأمريكي الخاسر والمنهزم يريد استدراج حركة طالبان إلى التفاوض فوق أرض / أفغانية أو غير أفغانية / له عليها السيطرة العسكرية والسياسية. وبهذا تكون بيئة التفاوض غير صحية ومنحازة للطرف المعتدي، كما أنها تعطي إشارة خاطئة عن ميول سياسية مستقبلية تتماشى مع المخططات الأمريكية في منطقة (الشرق الأوسط الكبير) الذي يمثل أهم مناطق النفوذ الأمريكية في العالم وأكثرها تأثيراً دوليا إستراتيجياً واقتصاديا خاصة على قطاع الطاقة التي هي موضع صراع كبير بين الكتل الاقتصادية الكبرى خاصة الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

المفاوضات في المستقبل بعد الانسحاب التام / وفي حال وافقت قيادة حركة طالبان على إجرائها / يمكن أن تتم وفق أجندة علنية محددة بدقة وبدون ملحقات سرية، وأن تجرى المفاوضات فوق الأرض الأفغانية المحررة. وستكون سلطات الإمارة الإسلامية مخولة وقتها بتحديد ممرات آمنه للوفود الأمريكية المشاركة.

انتصرنا.. هيا بنا نهرب !!

(إعلن أنك إنتصرت… ثم إنسحب) تلك قاعدة عملية طبقتها أمريكا وقت هزيمتها في حرب فيتنام، و تحاول تطبيقها الآن في أفغانستان.

فهي تنسحب الآن تحت غطاء كثيف من عمليات قتل المدنيين، والتظاهر بأنها باقية في أفغانستان إلى أمد غير محدود، طبقا لاتفاق استراتيجي للشراكة مع حكومة كرزاي. ثم قالت بأن قوات النخبة باقية لتدريب الجيش الأفغاني قبل أن تعلن مؤخراً أنها توقفت عن برنامج التدريب بعد أن أصبح ذلك الجيش ممتلئا بعناصر طالبان الاستشهادية الذين شنوا حرباً حقيقية داخل الجيش ضد الضباط والمدربين الأجانب، فقتلوا العشرات منهم في ساحات التدريب كما في ساحات المعارك.

نفس الحكمة الأمريكية القائلة “إنتصرنا..هيا بنا نهرب” تطبقها أيضا “صحيفة الأسترالي” المملوكة لإمبراطور الصحافة سيء الذكر “روبورت مردوخ”. فبعد مصرع خمسة جنود من القوات الأسترالية الخاصة وجرح اثنين آخرين – حسب بيان قوات الاحتلال – عاشت أستراليا أجواء الحداد وقالت تلك الصحيفة، وغيرها من الصحف، أن تلك كانت أكبر خسارة في يوم واحد لجيشهم منذ حرب فيتنام. بعد ذلك الاستهلال الجنائزي عزفت الصحيفة مقطوعة عسكرية حماسية تتكلم على بطولات جيشهم منذ الحرب العالمية الثانية، وأن ذلك الجيش هو أوثق حلفاء أمريكا وأقربهم إليها في أفغانستان، وأنه في صدارة القتال مع العدو “أي شعب أفغانستان”. وتتباهى بأن الجنود الأستراليين قاتلوا الأفغان بقسوة شديدة (آخر البيانات الصادرة عن تلك القوات تكلمت عن قتل الجنود الأستراليون لقروى أفغانى عند حاجز تفتيش !!.. فيا له من انتصار). بالحديث عن العنتريات الفارغة والانتصارات على مدنيين عزل، تفادوا الحديث عن تاريخ عمليات مخزي لقوات بلادهم التي إنزوت منذ سنوات بعيدا عن المواجهات الفعلية وتكومت مذعورة في قواعد كبيرة، خاصة في مطار ترينكوت عاصمة ولاية أروزجان، التي هي ساحة عملياتهم الرئيسية. بل وتولت القوات الأمريكية حراستهم لبث الطمأنينة في نفوسهم فلا ينسحبون من تلك الولاية الباسلة التي فرت منها سابقا قوات هولندا تحت وطأة خسائرها الثقيلة وانسداد الأفاق أمام أي تقدم عسكري أو حتى بقاء آمن في قواعد محصنة. ولم تذكر الصحيفة عدد المرات التي وقعت فها قواتهم الخاصة تحت حصار المجاهدين وانتهي الأمر بكوارث ثقيلة العيار، فقتل منهم كثيرون وتعلق البعض بالمروحيات التي تدخلت في غسق الليل لانتشالهم من ساحة الحصار، ومن لم يتمكن من ذلك قذف بنفسه في مياه النهر بكامل عتاده فلفظ أنفاسه تحت الماء. لم يحدث ذلك مرة واحدة بل تكرر حتى اقتنعت تلك القوات بالبقاء في القاعدة الجوية في (ترين كوت) تحت حراسة القوات الأمريكية فيما يشبه الاعتقال أو الإقامة الجبرية، ولكنه كان الحل الأمثل للبقاء أحياء في بيئة شديدة العداء للغزاة.

فالبيئة الإسلامية في أفغانستان ترفض أن تتعلم ثقافة الاستسلام والخنوع للمحتلين التي أتقنها كثيرون / بعضهم يطلقون على أنفسهم لقب إسلاميين !! / ممن صاروا يعقدون تحالفات إستراتيجية وعقود سلام أبدى وصداقة إستراتيجية مع أعدى أعداء الدين والوطن والبشرية، وذلك في مقابل الحصول على أموال ومعونات اقتصادية وسلطة حكم ذليل مرتعش غير قائم على مبادئ من دين أو حتى ضمير وطني.

بعد العنتريات كما أسلفنا جاء الحديث الحقيقي للصحيفة عن حتمية الانسحاب السريع من أفغانستان، الآن وليس غداً، لأن النتائج واحدة في الحالتين بمعنى أن الهزيمة محتمة ولا فرار منها، في نهاية مقالها تشع بعض أضواء الحقيقة، بعضها يتعلق بأستراليا والآخر يتعلق بنا في أفغانستان.

عن أستراليا اشتكت الصحيفة اليمينية من قلة مخصصات وزارة الحرب وأنها في أدنى المستويات منذ عام 1938. وقالت أيضاً أن الجنود في أفغانستان تصرفوا جيداً في إطار العمل التكتيكي /وهذا إدعاء مبالغ فيه كما أوضحنا/ ولكن الصحيح هو قول الصحيفة أن الانتصار التكتيكي لا يعوض الخسارة الإستراتيجية.

وذلك صحيح لأن فكرة العدوان على أفغانستان كانت فكرة فاسدة منذ نشأتها الأولى، وكانت محاولة هروب إلى الأمام بكل غطرسة الغرور المنتشي بالقوة المسلحة، وشن العدوان على شعب فقير طمعا فيما تحتويه بلادة من ثروات زراعية / وعلى رأسها الأفيون بالطبع/ وثروات معدنية مثل اليورانيوم والبترول وعشرات الخامات الحيوية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة.

وقالت الصحيفة في تلميح ذا مغزى عميق {إن الانغماس في حرب أفغانستان ليس بديلا عن إستراتيجية دفاع وطنية} وذلك صحيح تماما إذا كان المقصود أن استراليا دخلت حرباً لا ناقة لها فيها ولا جمل، فقط من أجل أظهار الوفاء (للحليف الإستراتيجي) في الولايات المتحدة التي تضمن سلامة وبقاء استراليا الواقعة في عمق قارة آسيا الشاسعة، وترفض أن تتجانس مع محيطها الأسيوي ومصالحه، وبدلا عن ذلك تصر على أن تكون مجرد مخفر مسلح يحرس الوجود والمصالح الغربية ويدافع عنها بكل السبل بما فيها قوة السلاح، سواء في آسيا أو باقي أنحاء العالم كما حدث في الحروب العالمية.

إن زمن الاستعمار الاستيطاني قد انتهي إلى غير رجعة، وعلى استراليا أن تتعايش مع تلك الحقيقة قبل أن تواجه تحديا وجودياً من القوى الأسيوية الصاعدة، لا تملك له دفعاً ولن يتمكن الغرب من الحفاظ عليها من الغرق في المحيط الأسيوي الهادر.

تقول الصحيفة بكل وضوح إن أستراليا ليس لديها أي مهمة عسكرية يمكن تحقيقها في أفغانستان وأن (الأمريكيون يرحلون والآخرون جميعاً يتسابقون نحو منافذ الخروج). تلك هي أجواء الهزيمة والفرار رغما عن دخان العنتريات في بداية مقال الصحيفة التي أوضحت “إن بقاء الجنود الأستراليين لمدة عام آخر لن يغير في النتائج ولو بمقدار ضئيل”، بمعنى أنها تدعو إلى انسحاب فوري من أفغانستان.

وتقول الصحيفة أيضاً أنه (برحيل القوات الأسترالية فإن الوضع الأمني سيكون سيئاَ جداً ولن نتمكن من الإبقاء حتى على موظف إغاثة واحد في أروزجان ).

والواقع هو أن الرعب والإرهاب والقتل الجماعي والعشوائي جاء في ركاب قوات الغزو الأمريكية الأوربية وقبل وصولهم المشئوم كانت معظم أراضى أفغانستان الواقعة تحت حكم الإمارة الإسلامية، تنعم بالأمن الذي لا تحلم به أي عاصمة في الغرب، وذلك بفضل التطبيق العادل والواعي وأيضاً الحازم لقوانين الشريعة الإسلامية.

وسوف يعود الوضع إلى ما كان عليه من أمان وعدل واستقرار بعد رحيل قوات “الحملة الصليبية” التي شنها جورج بوش وأعوانه.