مجاهدو طالبان يقتحمون القلاع ويرفضون الشراكة مع الشيطان

لا شك أن الحرب فى أفغانستان دخلت مراحلها الأخيرة والقوات المعتدية تنسحب وتتسابق نحو أبواب الخروج قبل أن تنطبق عليهم بحار المجاهدين .
وأكثر المعتدين لا يرغبون فى إنتظار الوقت المحدد للإنسحاب فى نهاية عام  2013 الذى سيكون عام الهروب الكبير بكل معنى الكلمة .
والرئيس القادم إلى البيت الأبيض فى بداية ذلك العام ستكون أولى مهامه تحديد جدول الإنسحاب النهائى .
لقد أهدر أوباما وقتا ثميناً للغاية وقضى فترة رئاسية الأولى يبحث عن وسيلة سياسية يضمن بها بقاء أطماع بلاده غير المشروعة فى أفغانستان، ولكنه اصطدم بصلابة في الميدان العسكري وفطنة في التعامل السياسي تمتعت بهما حركة طالبان بحيث لم تترك لخصمها سوى خياراً أوحدا، هو الانسحاب غير المشروط وغير المشرف .
لقد بدأت قوات أوباما أول معاركها الكبرى في أفغانستان بين مزارع الخشخاش واختارت أكثرها خصوبة وأغزها إنتاجاً في منطقة “مارجه”، فخاضت هناك معركة تاريخية حفلت بالضجيج الإعلامي وانتهت (بانتصار كبير) للقوات الأمريكية تمثل فى إحتلال مدرسة للأطفال وبناء قطار متراص من المعسكرات فى الأماكن الجرداء ومواقع تفتيش على طرق المزارع .
وجميع تلك الإنجازات كانت موضوعة تحت الحصار والهجمات المستمرة .
ولم تلبث أن دخلت القوات الأمريكية والحليفه لها فى طور حرب المواقع الثابتة، وتقلصت الحملات الضخمة بعد هزائم كبيرة متكررة فى الفضاء الزراعي والصحراوي الفسيح لولاية هلمند .
القوات المحمولة جوا هي الأخرى تنقلت بمروحياتها من هزيمة إلى آخرى حتى اختارت في النهاية حملات الترويع الليلي ضد القرى المنعزلة . ولم يلبث ذلك الأسلوب المنحط أن جوبه بحلول جهادية ناجحة من سكان القرى والوحدات الجهادية القريبة منها، بحيث لم يعد العدو يستفيد من تلك العمليات سوى الهزائم وانخراط الناس في المزيد من العمل القتالي ضمن مجموعات طالبان المنتشرة حيث ينبغي لها أن تدمر قوات العدو.
فاتسعت المساحات المحررة لأن العدو إنزوى في قواعده الحصينة.
وفي عملية القاعدة الجوية في شورآب “قاعدة باستيون” خير دليل على فشل سياسة التكديس في قواعد ضخمة حصينة يستحيل فنيا مهاجمتها.
فتقلصت كثيراً حركة العدو على الأرض المفتوحة إلا في حالات تنقل قليلة أو محاولات هجوم تفتقر إلى العزيمة والتصميم، وتنتهي دوما إلى كارثة على العدو .
عندما تيقن العدو أن الحملات النهارية الكبرى على مناطق المجاهدين / التي تشمل معظم أراضي أفغانستان / تنتهي في غير صالحه، نقل اهتمامه إلى العمليات الليلية ضد الأهداف الأضعف والأقل حماية مستفيداً من عنصر المباغتة والانتقال المفاجئ والسريع لقواته بالطائرات المروحية ومستفيدا أيضا من معدات الرؤية الليلة لدى جنوده .
ولكن الفجوة التكنولوجية بدأت تتقلص ومعدات الرؤية الليلية بدأت تجد طريقها إلى أيدي المجاهدين وإن بمقدار أقل بكثير مما يمتلكه العدو، لكنه كاف لتحقيق المفاجآت في القتال الليلي الذي لم يعد قتالا بين مبصر وضرير.
أما طائرات الهيلوكبتر وكذلك تلك منزوعة الطيار وطائرات الشحن أيضا فقد أخذت حيزاً معقولا من بين خسائر العدو.
بمعنى أن سماء المعركة لم تعد مفتوحة بالكامل لطيران العدو وأن تكتيكات مواجهة الطيران وإسقاطه قد تطورت، ومن غير المستبعد أن تكون أسلحة مناسبة مضادة للطائرات قد وصلت إلى أيدى مجاهدى طالبان .
وهكذا صارت سماء أفغانستان أضيق أمام طيران الإحتلال .
تقهقر أمريكي إستراتيجي
إذا الطابع الهجومي المتحرك الذي يتبعه مجاهدو طالبان منذ بداية الحرب أدى وظيفته فى إنهاك العدو بعد عدة سنوات، حتى فقد طاقته الهجومية والمعنوية.
فتقهقر العدو عدة خطوات إلى الخلف عند تشكيل إستراتيجيته العسكرية في أفغانستان حاليا، على النحو التالي:
1-    قلل هجماته الأرضية إلى الحد الأقصى وجميع قواته في أكداس كبيرة داخل معسكرات وقواعد ضخمة .
2-    اعتمد بشكل أكبر على سلاح الطيران خاصة تلك الطائرات منزوعة الطيار . وسياسته الجوية تركز على إيقاع أكبر أذى مادي ونفسي بالمدنيين ضمن سياسة عقاب جماعي للتأثير سلبا على معنوياتهم، واغتيال أكبر قدر من القيادات المؤثرة .
3-     ضاعف وسائل حماية وحدات تصنيع الهيروين العاملة فى أفغانستان .
الركائز الإستراتيجية الثلاثة للقوات الأمريكية تتجسد بشكل نموذجى فى القواعد الجوية الكبرى، على النحو التالي:
1-     في تلك القواعد تتكدس القوات البرية بشكل كبير .
2-    وهناك تتكدس الطائرات بأنواعها المختلفة خاصة تلك المنزوعة الطيار إلى جانب الطائرات المقاتلة وطائرات النقل .
3-    وهناك يصنع الهيروين ثم ينقل بالطائرات من نفس القواعد الجوية كي تستهدف بالموت ستة مليارات مخلوق حول العالم.
ولو راجعنا  أهم عمليات سلاح العمليات الإستشهادية في حركة طالبان / أو سلاح الكوماندوز الذي يخشى الغربيون من أن يكون قد ظهر لدى طالبان بينما هو يعمل منذ سنوات / سنجد أن أهم تلك العمليات قد إستهدفت قواعد جوية كبرى في مراكز حيوية مثل هلمند وبجرام وجلال آباد وخوست.
هذا إلى جانب هجمات صاروخية على تلك القواعد أو إستهداف طائرات النقل المترددة عليها.
ومن هنا يمكن القول أن استراتيجية العدو المنكمشة وفرت الكثير من الأهداف الثابتة سهلة المنال لمجاهدي طالبان، فكانت تلك الهجمات الإستشهادية الكبيرة والمعقدة وذات الطاقة التدميرية الهائلة هي أخطر ما يمكن أن يواجه قوات العدو، سواء القوات المقاتلة ومعداتها المتطورة، والأهم من كل ذلك صناعة الهيروين وشبكة نقلها جوا.
ولا نقول أن الأفيون وتصنيع الهيروين كان أحد أهداف ذلك العدوان، بل نقول بأنه أهم تلك الأهداف على الإطلاق، وبالتالي فإن الإستراتيجية الأمريكية العسكرية والسياسية أيضاً  كانت تتوخي في جميع مراحلها تحقيق ذلك الهدف.
إن هدف الولايات المتحدة من العدوان على أفغانستان لم يتغير، مع أن إستراتيجيتها تغيرت، أو بمعنى أصح تقهقرت، ولكن هدفها الأكبر ظل ثابتا، وهو الحصول على أكبر قدر من محصول الأفيون لتصنيع الهيروين وتوزيعه حول العالم.
وذلك واضح من أن تركيز أكبر طاقة قتالية أمريكية فى أفغانستان ظل على الدوام ولاية هلمند التي تنتج أكثر من نصف أفيون أفغانستان وأكثر من كل أنتاج العالم  من تلك المادة حسب بعض الخبراء.
وشارك البريطانيون أمريكا فى محاولة السيطرة على كنز الأفيون في هلمند بصفتهم أقرب الحلفاء وأكثرهم طاعة.
وعندما قدم البريطانيون طائرات هارير، التي يعتبرونها أفضل طائراتهم، قدموها على مسرح العمليات في هلمند قبل أن يحرقها إستشهاديو طالبان على الأرض في الرابع عشر من سبتمر الماضي.
وكثير من العمليات الأرضية والمجهود الجوي القتالي كان يخدم نفس الهدف الأمريكى المشئوم، أي تحويل أرض أفغانستان، وهلمند تحديدا، إلى أكبر مزرعة للخشخاش فى العالم وتحويل القواعد الجوية إلى مصانع حديثة متطورة لإنتاج الهيروين.
إن أمريكا تخوض في أفغانستان حربا أفيونية بالمعنى الحرفي للكلمة. ومن الواضح تلك الإستماتة الأمريكية والبريطانية لأن يتحكما بالعالم في القرن الحالي بسلاح الهيروين .
وعلينا نرصد رائحة الهيروين في تصريح تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق من فوق أرض ” قاعدة باستيون” فى هلمند عام 2006 من أن ” مقدارات العالم فى القرن 21 سوف تدار من هذه الصحراء”.
ولكن جهاد شعب أفغانستان وبسالة حركة طالبان وعبقرية قياداتها العسكرية السياسية سوف تحبط النويا الشريرة لعصبة الشياطين من حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة .
# فى المقابل كانت استراتيجية طالبان خلال فترة أحد عشر عاما من الحرب هي منع العدو من تحقيق أهم أطماعه في تلك الحرب وهي إعادة زراعة الأفيون الذي حظرت حركة طالبان زراعته والذي تخطى إنتاجه برعاية جيوش الإحتلال الأمريكي والبريطاني حاجز عشرة آلاف طن حسب تقارير من طاجيكستان وروسيا ، أو في حدود ستة آلاف طن حسب هيئات الأمم المتحدة فاقدة المصداقية .
العدو وهو على وشك تنفيذ فراره الإستراتيجي الأكبر خارج أفغانستان خلال العام القادم 2013، يظل ثابتا على نفس الهدف ويبذل غاية جهده لأن يحصل عليه “بالسلام” بعد أن فشل في الحفاظ عليه بالحرب .
ومعنى كلمة فشل هنا تعني أن ما دفعته قواته المحاربة / وبلاده بشكل عام / من دماء ومعنويات وأموال كان أكبر بكثير من عائدات الهيروين، لهذا قرر الانسحاب.
إذن عملية السلام تهدف أساسا إلى ضمان الوضع الأفيوني على ما هو عليه حاليا، وأن يصب شلال الأفيون في مصانع الهيروين داخل القواعد الأمريكية في أفغانستان، لتحلق به طائرات الموت الأمريكية إلى حيث شاءت، أو أن ينتقل بحراً عبر ميناء “جوادر” في باكستان إلى بحار الدنيا السبعة وقارات الدنيا المعمورة والمهجورة .
ومن يحافظ على تلك المصالح الحيوية للولايات المتحدة فليتفضل وليحكم أفغانستان على أي وجه شاء، وإلا فإنه لن ينعم بالحكم وسوف يدان بنفس اللائحة الجاهزة والمجربة في أكثر من مكان على مدى عقود .
وسوف يتلقى اتهامات كاذبة تبدأ بالإرهاب وتنتهى بانتهاك حقوق الإنسان والمرأة والأقليات وانعدام الديموقراطية، مروراً بالمحظور الأعظم أى معاداة السامية وكراهية دولة اسرائيل.
وبعد ذلك هناك التشويه الإعلامي، والحصار الاقتصادي، وإدانات مجلس الأمن تحت البند السابع ثم العدوان العسكري لإسقاط نظام الحكم وإستبداله بآخر أكثر إنصياعا (يطلقون عليه عادة ألقاب مثل صديق، حليف إستراتيجي، ديمقراطي، معتدل، وسطى، منفتح، ليبرالي .. إلخ ) .
لا شراكة مع الشيطان
ولكن تلك الدورة كلها قد اكتملت في أفغانستان وأدت إلى احتلالها بالفعل لكن المحتل بعد ان تكبد أفدح الخسائر لم يكد يحقق شيئا، وعليه بعد كل ذلك أن يهرب مذموماً مدحوراً، فأفغانستان ليست الشرق الأوسط الجديد، وجهادها إسلامي أصيل وأفغاني صرف، وليس ملونا ولا ملوثا بأرجاس ديمقراطية الغرب القاتلة.
إن العديد من القوى حول العالم، والتي تدعى الإسلام، وقوى أخرى علمانية دخلت فى  صفقات شراكة مع أمريكا حتى تتمكن من الوصول إلى سدة الحكم.
تلك القوى تفتقر إلى الطاقة المعنوية وإلى الإسناد الشعبي التي تتمتع بهما حركة طالبان التي ترفض المساومة على المبادئ الإسلامية التي تحرص على كرامة المسلمين وعدم تمكين أعدائهم من السيطرة عليهم بأي شكل كان .
وقد جاء ذلك بأوضح عبارة في بيان أمير المؤمنين الملا محمد عمر في بيانه الأخير بمناسبة عيد الفطر والذي جاء فيه (إن استقلال أفغانستان وإقامة الحكم الشرعي فيها من القيم التي لن نساوم عليها أحدا مهما كان الثمن).
إنه الرفض القاطع لسياسة الشراكة مع الولايات المتحدة من أجل الوصول إلى حكم ضعيف ودنيء، قائم على التنازل وقبول الدنية في الدين مقابل فتات يلقيه المحتل  لشركاء يمتلكون الحقارة ولا يمتلكون ما يكفي من الإيمان الذي يدفع إلى الجهاد والمواجهة وتحمل تبعاتهما .
جهاد يستفيد منه الجميع
جهاد شعب أفغانستان لم يحم فقط أرض أفغانستان من الاحتلال الصليبي ولكنه حمى شعوبا أخرى كثيرة، لأن حلف الناتو الكسيح لم يعد يجد الطاقة الكافية لممارسة العربدة العسكرية وفق المشيئة الأمريكية.
وعلى ذلك شواهد منها تصريح راسموسن سكرتير الحلف من أنهم لا يفكرون في شن عدوان عسكرى مباشر على سوريا أو مالي.
إن ذلك دليل على أن جهاد شعب أفغانستان قد إمتد تأثيره إلى المجال الدولي وأحبط أطماع الناتو الشرير الذي يعبر موقفه ذلك عن عجز وليس نزوعا نحو السلام، لأنه حلف تأسس على العدوان وأكبر ممارس لذلك العدوان على النطاق العالمي،  وهو الذي أعلن بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة أن الإسلام أصبح هو العدو الأكبر للغرب.
إن جهاد شعب أفغانستان سوف يدفن حلف الناتو كما دفن حلف وارسو من قبل ، وبنفس الطريقة .
وبذلك ينزاح واحد من أشد الأخطار التي تهدد العالم.