بحوث في سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله

رَدُّ الْمَظــــــــالِم 

فصل : خطة عمر في رد المظالم :

قد اعتاد الناس على ما امتلكوا من المظالم و حقوق الناس ، و ظن الكل أنه له ، و الولد ظنه تراث أبيه ، و ما يخطر ببال أحد أنها سوف ترد ، لكن الحق يرد إلى صاحبه و إن طال الزمان.  

و ماكان لعمر البدء مباشرة ، كان لا بد من خُطة عادلة يقبلها العقل و يميل إليها القلب ، و كانت كذلك ، فبدأ أولا بنفسه ، و رد ما كان في ملكه من شيء من بيت المال ، ثم بدأ بأهل بيته ، ثم بأقاربه من الأمويين ثم بالناس ، و هذه هي السياسة في تنفيذ أمر من الأمور على الرعية ، حيث ينفذه الكبير على نفسه ، ثم يطالب به الرعية ، فيقتدون بفعله و يقبلون قوله   ، و هي السنة النبوية ،  و إليكم أخبارها :

ترويض بدون الاستعجال :

عن جويرية بن أسماء قال : قال عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز لابيه عمر : ما يمنعك أن تنفذ لرأيك في هذا الأمر ؟ فو الله ما كنت أبالي أن تغلى بي و بك القدور في إنفاذ هذا الأمر !

فقال عمر : إني أروِّضُ الناس رياضة الصعب ، فإن أبقاني الله مضيت لرأيي ، و إن عجلت على منية فقد علم الله نيتي ، إني أخاف إن بادهتُ الناس بالَّتِيْ تقول – أن يلجئوني إلى السيف ، و لا خير في خير لا يجيئ إلا بالسيف ([1]). الترويض : هو تعويد الناس على أمر تدريجا.

الكف عن الدماء :

عن الهيثم بن عدي قال : كتب عدي بن أرطاة ( والي البصرة ) إلى عمر بن عبد العزيز : من عدي بن ارطاة أما بعد : فإن قبلي ناساً من العمال قد إقتطعوا من مال الله ، مالاً عظيماً ، لست أرجو إستخراجه من أيديهم إلا أن أمسهم بشئ من العذاب ، فإن يرَ أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك ، فعل.

فأجابه أما بعد: فالعجب كل العجب من إستئذانك إياي في عذاب بشر كأني لك جنة من عذاب الله ،  و كأن رضائي ينجيك من سخط الله عز وجل.

فانظر من قامت عليه البينة فخذه بما قامت عليه البينة ، و من أقر لك بشئ فخذه بما أقر به ، ومن أنكر فأستحلفه بالله ، وخل سبيله ، فو الله ، لأن يلقوا الله عز وجل بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم([2]).

بينة ميسورة :

قال أبو الزناد ( كاتب والي الكوفة ) : و كان عمر يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة ، كان يكتفي بأيسر ذلك ، إذا عرف وجها من مظلمة الرجل – ردها عليه ، و لم يكلفه تحقيق البينة ، لما كان يعرف من غشم الولاة ([3]).

استدراك خطأ العُمَّال :

عن سوار أبي حجر : أن رجلا جاء إلى عمر بن عبدالعزيز ، فقال له : اذكر بمقامي هذا مقاما لا شغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق يوم القيامة بلا ثقة من عمل و لا براءة من الذنب

فقال عمر : و يحك ! اردد علي كلامك ، فرده عليه ، فجعل يبكي و ينتحب ، و يقول ويحك اردد علي.

فلما استثقل من البكاء ، قال : ما جاء بك ؟ قال : عاملك على أذربيجان أخذ من مالي عشرة آلاف – فوضعها في بيت المال. فكتب له عمر فأخرجت له وردت عليه([4]).

فصل : كيفية تنفيذ الخطة :

البدء بنفسه :

بهذه الأصول الناجحة بدأ العمل لرد المظالم ، و بدأ من نفسه و أهله و عشيرته من الأمويين ثم بالناس.

عن سلمة بن عثمان القرشي قال بلغني أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف نظر إلى ما كان له من عبد وإلى لباسه و عطره و أشياء من الفضول – فباع كل ما كان به عنه غنى ، فبلغ ثلاثة و عشرين ألف دينار فجعله في السبيل([5]).

و قد رد فص خاتم كان في يده ، قال : أعطانيه الوليد من غير حقه ، و خرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس و المأكل و المتاع ، حتى إنه ترك التمتع بزوجته الحسناء فاطمة بنت عبد الملك ، يقال كانت من أحسن النساء ، و يقال إنه رد جهازها إلى بيت المال ، و الله أعلم.

و قد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار ، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة ، و كان حاصله في خلافته ثلاثمائة درهم ([6]).

قال أبو بكر بن أبي سبرة لما رد عمر بن عبد العزيز المظالم قال إنه لينبغي أن لا أبدأ بأول من نفسي فنظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه حتى نظر إلى فص خاتم فقال هذا مما كان الوليد بن عبد الملك أعطانيه مما جاءه من أرض المغرب فخرج منه ([7]).

قصة الفدك :

عن مغيرة قال : جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك ينفق منها ، و يعود منها على صغير بني هاشم ، و يزوج منها أيمهم ، و إن فاطمة سألته أن يجعلها لها ، فأبى ، فكانت كذلك حياة أبي بكر و عمر ، عملا فيها عمله ، ثم أقطعها مروان ، ثم صارت لي ، فرأيت أمرا منعه رسول الله صلى الله عليه و سلم بنته ليس لي بحق ، و إني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم ([8]).

قال رياح بن عبيدة : لما ولي ( عمر بن عبد العزيز ) الخلافة أحضر قريشاً و وجوه الناس فقال له : إن فدك كانت بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فكان يضعها حيث أراه الله ، ثم و ليها أبو بكر كذلك ، ثم أقطعها مروان ، ثم إنها صارت إلي و لم تكن من مالي أعود منها علي ، و إني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  قال : فانقطعت ظهور الناس و يئسوا من الظلم.

موقف ابنه من ذلك :

قال : و قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم : إن أهلي أقطعوني ما لم يكن إلي أن آخذه و لا لهم أن يعطونيه ، و إني قد هممت بردة على أربابه.

قال: فكيف تصنع بولدك ؟ فجرت دموعه و قال: أكِلُهم إلى الله.

قال : وجد ( عمر ) لولده ما يجد الناس .

فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال له : إن أمير المؤمنين قد عزم على كذا و كذا ، و هذا أمر يضركم و قد نهيته عنه.

فقال عبد الملك : بئس وزير الخليفة أنت ! ثم قام فدخل على أبيه و قال له : إن مزاحماً أخبرني بكذا و كذا فما رأيك؟ قال: إني أريد أن أقوم به العشية ،  قال: عَجِّله فما يؤمِّنك أن يحدث لك حدث أو يحدث بقلبك حدث ؟

فرفع عمر يديه و قال: الحمد الله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني! ثم قام به من ساعته في الناس و ردها ([9]).

بأهله :

عن سليمان بن موسى قال ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات.

عن عبد المجيد بن سهيل قال : رأيت عمر بن عبد العزيز بدأ بأهل بيته ، فرد ما كان بأيديهم من المظالم ثم فعل بالناس بعدُ ([10]).

عن خُليد بن عَجلان قال : كان عند فاطمة بنت عبد الملك جوهر ، فقال لها عمر : من أين صار هذا إليك ؟ قالت : أعطانيه أمير المؤمنين ، قال : إما أن ترديه إلى بيت المال ، و إما أن تأذنيني في فراقك ! فإني أكره أن أكون أنا و أنت و هو في بيت ،  قالت : لا ، بل أختارك على أضعافه لو كان لي ! فوضعته في بيت المال.

فلما ولي يزيد بن عبد الملك ، قال لها : إن شئت رددته عليك أو قيمته ، قالت لا أريده ، طبتُ به نفسا في حياته و أرجع فيه بعد موته ! لا حاجة لي فيه ، فقسمه يزيد بين أهله و ولده ([11]).

بأهل بيته من بني مروان :

عن إسحاق بن عبد الله قال : ما زال عمر بن عبد العزيز يرد المظالم من لدن معاوية إلى أن استخلف ، أخرج من أيدي ورثة معاوية و يزيد بن معاوية حقوقا ([12]).

مع ابن سليمان :

عن عمر بن علي بن مقدم قال : قال ابن لسليمان بن عبد الملك لمزاحم : إن لي حاجة إلى أمير المؤمنين عمر ، قال : فاستأذنت له ، فقال : أدخله ، فأدخلته على عمر ، فقال ابن سليمان : يا أمير المؤمنين ! علام ترد قطيعتي ؟ قال معاذ الله أن أرد قطيعة صحت في الإسلام ، قال فهذا كتابي و أخرج كتابا من كمه ، فقرأه عمر ، فقال : لمن كانت هذه الأرض ؟ قال : للفاسق ابن الحجاج. قال عمر : فهو أولى بماله ، قال : فإنها من بيت مال المسلمين ، قال : فالمسلمون أولى بها ، قال يا أمير المؤمنين رد علي كتابي ، قال لو لم تأتني به لم أسألكه ، فاما إذ جئتني به فلا ندعك تطلب بباطل ،  قال : فبكى ابن سليمان ، قال مزاحم : فقلت يا أمير المؤمنين ! ابن سليمان اللاطئ الحب اللازق بالقلب تصنع به هذا ! قال : ويحك يا مزاحم ! إنها نفسي أحاول عنها و إني لأجد له من اللوط ما أجد لولدي ([13]). و الَّوطُ : الحب اللازق بالقلب.

مع ابن الوليد :

أمر مناديه فنادى : ألا من كانت له مظلمة فليرفعها ، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال : يا أمير المؤمنين ! أسألك كتاب الله ، قال : ما ذاك ؟ قال : العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي.

و العباس جالس ، فقال له عمر: يا عباس ما تقول ؟ قال: نعم ! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد و كتب لي بها سجلا ، فقال عمر: ما تقول يا ذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى.

فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ، قم فاردد عليه ضيعته ، فردها عليه([14]).

أمره الولاة بعدم المجاملة مع أهل بيته :

عن موسى بن عبيدة قال : سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والي المدينة ( كتب فيه ) :

و إياك و الجلوس في بيتك ، اخرج للناس فآس بينهم في المجلس و المنظر ، و لا يكن أحد من الناس آثر عندك من أحد ، و لا تقولن : هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين ، فإن أهل بيت أمير المؤمنين و غيرهم عندي اليوم سواء ، بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنيۍن أنهم يقهرون من نازعهم ، و إذا أشكل عليك شيء فاكتب إلي فيه([15]).

الإعلان العام :

( بعد أن تمت خطبة أمير المؤمنين عمر في اليوم الأول من خلافته ) – ذهب يتبوأ مقيلا ، فأتاه ابنه عبد الملك فقال :

يا أمير المؤمنين ! ماذا تريد أن تصنع ؟ قال: يا بني أقيل ، قال : تقيل و لا ترد المظالم إلى أهلها ؟

فقال : إني سهرت البارحة في أمر سليمان ، فإذا صليت الظهر رددت المظالم.

فقال له ابنه : و من لك أن تعيش إلى الظهر ؟ قال : ادن مني أي بني ! فدنا منه فقبل بين عينيه و قال : الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني.

ثم قام و خرج و ترك القائلة و أمر مناديه فنادى : ألا من كانت له مظلمة فليرفعها ! ( فـ ) تتابع الناس في رفع المظالم إليه.

فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها ، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بني مروان و غيرهم ، مما كان في أيديهم بغير استحقاق ([16]).

أمرُه الولاةَ برد المظالم :

عن أبي الزناد ( كاتب والي الكوفة )   قال :كتب إلينا عمر بن عبد العزيز بالعراق في رد المظالم إلى أهلها ، فرددناها ، حتى أنفدنا ما في بيت مال العراق ، و حتى حمل إلينا عمر المال من الشام.

عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال ” ما كان يقدم على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كتاب من عمر – إلا فيه رد مظلمة أو إحياء سنة أو إطفاء بدعة،  أو قسم أو تقدير عطاء أو خير ، حتى خرج من الدنيا.

عن أبي بكر محمد بن حزم قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : أن استبرىء الدواوين ، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي من حق مسلم أو معاهد – فرده عليه ، فإن كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه إلى ورثتهم.

عن أيوب السختياني أن عمر بن عبد العزيز رد مظالم في بيوت الأموال ، فرد ما كان في بيت المال و أمر أن يزكى لما غاب عن أهله من السنين ، ثم عقب بكتاب آخر : إني نظرت فإذا هو ضمار لا يزكى إلا لسنة واحدة ([17]).

فصل : عــــــوائق في طريق رد المظالم :

و قد واجه الخليفة العوائقَ التي تنبت في مثل تلك الظروف ، و كيف لا يصطدم مع العوائق وقد تخطى إلى كل سهل و جبل ، و دخل إلى كل بيت و جحر ، لكنه صابر على ما واجه و واصل السير حتى لقي الله و هو على ذلك.

نفور بني مروان بيت المملكة :

عن أبي عمرو الباهلي قال : جاء بنو مروان إلى عمر ، فقالوا : إنك قصرت بنا عما كان بنا من قبلك ، و عاتبوه.

فقال : لئن عدتم لمثل هذا المجلس لأشدن ركابي ، ثم لأقدمن المدينة و لأجعلنها أو أصيرها شورى ، أما إني أعرف صاحبها الأعيمش يعني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

عن إسماعيل بن أبي حكيم قال أتى عمر بن عبد العزيز كتاب من بعض بني مروان فأغضبه ، فاستشاط غضبا ، ثم قال : إن لله في بني مروان ذبحا ، و أيم الله لئن كان ذاك الذبح على يدي ، قال فلما بلغهم ذلك – كفوا.      و كانوا يعلمون صرامته ، و أنه إن وقع في أمر مضى فيه ([18]).

عن أبي محمد السامي قال : كنت غلاما في خلافة عمر بن عبدالعزيز ، فلما أخذ عمر في رد المظالم غلظ ذلك على أهل بيته ، و على جميع قريش.

فكتب إليهم عبدالرحمن بن الحكم :

فأبلغ هشاما والذين تجمعوا. .. بدابق لا سلمتم آخر الدهر.

تهديد و مناصحه :

عن جويرية بن أسماء قال : قال عمر بن عبدالعزيز لحاجبه : لا يدخلن علي اليوم إلا مرواني.

فلما اجتمعوا عنده.

حمد الله و أثنى عليه ، ثم قال : يا بني مروان ! إنكم قد أُعطِيتُم حظا و شرفا و أموالا ،  إني لأحسب شطر

أموال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم.

فسكتوا ،  فقال عمر : ألا تجيبوني ؟!

فقال رجل من القوم : و الله لا يكون ذلك حتى يحال بين رءوسنا و أجسادنا ! و الله لا نكفِّر آباءَنا ولا نُفَقِّر أبناءَنا !       فقال عمر : و الله ! لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له ، لأصعرت خدودَكم ، قوموا عني ! ([19]).

عن الأوزاعي قال : كتب عمر بن عبدالعزيز الى عمر ابن الوليد كتابا فيه : و قسَّم لك أبوك الخمسَ كله ، و إنما لك سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين ، و فيه حق الله و الرسول و ذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل ، فما أكثر خصماء أبيك يوم ا لقيامة ! فكيف ينجو من كثُر خصماؤه ، و إظهارك المعازف و المزامير بدعة في الاسلام ، لقد هممت أن أبعث اليك من يجز جمتك ، جمة السوء ([20]).

تظاهر بباب عمر :

عن وُهَيب بن الورد قال : اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبدالعزيز ، و جاء عبدالملك بن عمر ليدخل على أبيه ،  فقالوا له : إما أن تستأذن لنا ! و إما أن تبلغ أمير المؤمنين عنا الرسالة !

فال : قولوا ، قالوا : إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا و يعرف لنا موضعنا و إن أباك قد حرمنا ما في يديه.    قال : فدخل على أبيه فأخبره عنهم ، فقال له عمر : قل لهم : إن أبي يقول لكم : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ([21]).

رسول بني مروان و جواب عمر :

عن بشر بن عبدالله بن عمر : أن هشام بن عبدالملك قال لعمر بن عبدالعزيز : يا أمير المؤمنين ! إني رسول قومك اليك ، و إن في أنفسهم ما أكلمك به ،  إنهم يقولون : استأنِف العمل برأيك فيما تحت يديك ، و خلِّ بين من سبقك و بين ما ولوا به من كان يلون أمره بما عليهم و لهم.

فقال له عمر : أنشدك الله الذي إليه تعود ! أرأيت لو أن رجلا هلك و ترك بنين صغارا و كبارا ، فعَزَّ الأكابرُ الأصاغرَ بقوتهم فأكلوا أموالهم ، فأدرك الأصاغر فجاءوك بهم و بما صنعوا في أموالهم ، ما كنت صانعا؟

قال : كنت أرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها ،  قال فإني قد وجدت كثيرا ممن قبلي من الولاة ، عزَّوا الناس بقوتهم و سلطانهم ، و عزهم بها أتباعهم ، فلما وليت أتوني بذلك ، فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من القوي ، و على المستضعف من الشريف.

فقال وفقك الله يا أمير المؤمنين ([22]).

استغاثة بني مروان بعمتهم فاطمة :

عن الليث قال لما ولي عمر بن عبدالعزيز بدأ بلحمته و أهل بيته ، فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم.

ففزعت بنو أمية إلى فاطمة بنت مروان عمته ، فأرسلت إليه أن قد عناني أمر لا بد لي من لقائك فيه ،  فأتته ليلا، فأنزلها عن دابتها فلما أخذت مجلسها ، قال : يا عمة ! أنت أولى بالكلام فتكلمي لأن الحاجة لك ،قالت : تكلم يا أمير المؤمنين !

قال : إن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم رحمة و لم يبعثه عذابا إلى الناس كافة ، ثم اختار له ما عنده فقبضه الله و ترك لهم نهرا شربهم سواء ، ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله ، ثم ولي عمر فعمل على أمر صاحبه ، ثم لم يزل النهر يشق منه يزيد و مروان و عبدالملك و الوليد و سليمان ، حتى أفضى الأمر إلي ، و قد يبس النهر الأعظم ، و لن يروى أصحاب النهر الأعظم حتى يعود النهر إلى ما كان عليه ، فقالت : حسبك !

قد أردت كلامك و مذاكرتك ، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلست بذاكرة لك شيئا أبدا.

فرجعت إليهم فأبلغتهم كلامه ([23]).

كان عمر بن الوليد يقول : جئتم برجل من ولد عمر بن الخطاب فوليتموه عليكم ففعل هذا بكم ([24]).



) حلية الأولياء : 2 / 213. [1] (

) سيرة عمر لابن الجوزي : صـ 103 ، 104. [2] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 169. [3] (

) تاريخ مدينة دمشق : 45 / 201. [4] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 169. [5] (

) البداية و النهاية : 9 / 244. [6] (

) سير أعلام النبلاء : 5 / 128. [7] (

) سير أعلام النبلاء : 5 / 128. [8] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 166. [9] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 169. [10] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 197. [11] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 167. [12] (

) حلية الأولياء : 2 / 213. [13] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 168. [14] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 169. [15] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 168. [16] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 167. [17] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 168. [18] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 168. [19] (

) حلية الأولياء : 2 / 204. [20] (

) حلية الأولياء : 2 / 204 . [21] (

) حلية الأولياء : 2 / 214. [22] (

) تاريخ مدينة دمشق : 45 : 180. [23] (

) الطبقات الكبرى : 5 / 169. [24] (

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*