فقه الجهاد الحلقة : السابعة (هل انتشر الإسلام بالسيف !!! )

لا يُكره في الإسلام أحدٌ على اعتناق عقيدة الإسلام :
يقول شيخ الإسلام المفتي محمدتقي العثماني :
إن اليهود والنصاري من أهل الغرب قد أثاروا في القرن الماضي شغباً ضدّ أحكام الجهاد، وتفوهوا بأن الجهاد طريق لإكراه الناس علي قبول الإسلام، و وإن المسلمين قد نشروا دينهم بالسيف والسلاح، دون الحجة والبرهان، ومن أجل ذالك هجموا علي بلاد الكفار ليكرههم بذباب السيف علي قبول دينهم، ولم تكن عندهم دعوة للإسلام إلابالسيف والقتال،( وذالك ليصيبوا بها هدفين:التشكيك في قوة العقيدة الإسلامية من الناحية البرهانية وملاءمتها للفطرة السليمة، ودفع مفكري المسلمين إلى التخلي عن مبدأ الجهاد تحت تأثير تلك الشبهة أو في سبيل دحضها، أو على الأقل التراجع إلى فكرة أن الجهاد للدفاع عن النفس فقط..) وكل هذا جهل أو تجاهل عن حقيقة الجهاد الشرعي، علاقته بالدعوة الإسلامية.
والواقع أن الجهاد لم يشرع لإكراه الناس علي قبول الإسلام، ولكنه إنما شرع لإقامة حكم الله في الأرض و لكسر شوكة الكفر والكفار، ولو كان الجهاد هدفه الإكراه علي الدين لما شرعت الجزئية لإنهاء الحرب، وإن مشروعية الجزئية من أوضح الدلائل علي أنه ليس إكراهاً علي قبول الدين، ولم يرو في شيئ من حروب الجهاد – علي كثرتها عبر التاريخ- أن أحداً من الكفار أكره علي قبول الإسلام بعد ما افتتح المسلمون بلداً من البلاد، و إنما ترك الكفار و ما يدينون بكل رحابة صدر، ثم جاءت الدعوة الإسلامية مصحوبة بالحجة والبرهان، وبالسير الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الجاذبة، فتسارع الكفار إلي الإسلام بعد اقتناعهم بحقيته، واستيقانهم بحسن تعاليمه، دون أن يكرههم أحد علي ذالك، و إنما شرع الجهاد لتعلو كلمة الله علي أرض الله، ويكون لها العزّ و المنعة، وليكسر شوكة الجبارين الذين يستعبدون عباد الله بأحكامهم، و قوانينهم المنبثقة من آرائهم، ويأبون أن يقام؛ كم الله تعالي في أرضه، و يشيعون بقوة حكمهم كل ظلم، و منكر و فساد.
ولكن طائفة من المنتمين إلي الإسلام، المولعين بأفكار الغرب،المغرمين بمبادئه ونظرياته، والمنهزمين تحت اعتراضاته التي لا تنتهي إلي حدّ، بدل أن تفهم حقيقة الجهاد، وأن الكفار لا يرضون منه أبداً، جعلت تعتذر أمامهم بأعذار انهزامية سخيفة، وصارت تحرّف من أجلها النصوص، فتقول : إن الجهاد لم يشرع إلا للدفاع عن الوطن الإسلامي صدّ عدوّ هاجم عليه، ولا يجوز ابتداء القتال صدّ دولة كافرة لا تهجم علي دار الإسلام…..
إذا تمهد هذا فإن جهاد الإبتداء ليس إكراهاً للناس علي قبول عقيدة الإسلام، وإنما هو جهد لإقامة حكم الله في أرضه، وذالك أن الإسلام ليس مجموعة من العقائد و العبادات فقط، شأن غيره من الأديان، وإنماهو حكم الله في جميع شئون الحياة، ودعوته دعوة انقلابية، لا إلي العقائد فقط،بل وإلي إقامة العدل الذي شرعه الله لعباده في الأرض، ومن أهدافه إخلاء العالم من الظلم، والجور، والفساد، وإقامة العدل في الأرض بتحكيم شريعة الله فيها.
وإن الإسلام غاية ما يتحمل عن الكفار أن يبقو علي عقيدتهم إن أصروا علي ذالك، ولكنه لا يرضي أبداّأن يستعبدوا عبادالله بتحكيم قوانينهم المنبثقة عن آرائهم وأهوائهم الفاسدة، التي تستبيح الظلم والجزر، أو تشيع الخلاعة، والفحشاء، أو تفسد طباع الناس، وتسد مسامعهم، عن قبول الحق والرشاد، فلذالك جعل الإسلام هدف جهاد الابتداء أحد الأمرين : إما أن تعتنق البلاد الكافرة الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، وحينئذٍ يتركون علي عقيدتهم، ولكنهم لا يتركون لينفّذوا في الأرض قوانينهم علي عباد الله، و إنما تكون الأرض تابعة لحكم الله، وأحكام الإسلام، ثم يترك الكفار وما يدينون في حياتهم الانفرادية، وإنما يؤدون الجزية – وهي مبلغ يسير من المال – لأن الحكومة الإسلامية تقوم بحفظ أنفسهم وأموالهم و أغراضهم،…. فان قبل الكفار إقامة حكم الله علي العباد، خضعوا له بأداء الجزية، فقد حصل مقصود الجهاد، و حينئذٍ لايكرهون علي قبول عقيدة الإسلام علي حدّ السيف و السلاح، وإنما يتركون علي عقيدتهم حتي يقتنعوا بحقية الإسلام و يرغبوا بانفسهم إلي اعتناقه بالأعين المفتوحة، واليه يشير الله سبحانه تعالي حيث يقول : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، (تكملة فتح الملهم :3: 4 ومابعدها).
وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله تعالى :
” إن الباحثين الإسلاميين المعاصرين المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر، وتحت الهجوم الإستشراقي الماكر، يتحرجون من تقرير تلك الحقيقة لأن المستشرقين صوروا الإسلام حركة قهر بالسيف للإكراه على العقيدة. والمستشرقون الخبثاء يعرفون جيداً أن هذه ليست الحقيقة، ولكنهم يشوهون بواعث الجهاد الإسلامي بهذه الطريقة.. ومن ثم يقوم المنافحون – المهزومون- عن سمعة الإسلام، بنفي هذا الاتهام! فيلجأون إلي تلمس المبررات الدفاعية! ويغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته، وحقه في ((تحرير الإنسان)) ابتداء… والمهزومون روحياً وعقلياً حين يكتبون عن ((الجهاد في الإسلام)) ليدفعوا عن الإسلام هذا الاتهام.. يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه، والتي تعبد الناس للناس وتمنعهم من العبودية لله ومن أجل هذا التخليط -وقبل ذلك من أجل الهزيمة! – يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم : ((الحرب الدفاعية)).. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك.. ان بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة ((الإسلام)) ذاته، ودوره في هذه الارض، وأهدافه العليا التي قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين، وجعلها خاتمة الرسالات..
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير ((الإنسان)) في ((الأرض)) من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده – سبحانه- وربوبيته للعالمين..
ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم قد امنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلي أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدافعون هذا المد، وأمام الدعوة تلك العقبات المادية من: أنظمة الدول السياسية، وأنظمة المجتمع العنصرية إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير ((الإنسان)) نوع الإنسان.. في ((الأرض)).. ملء الأرض.. ثم تقف أمام العقبات تجاهدها باللسان والبيان!.. إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات.. فهنا: ((لا إكراه في الدين)).. أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من الأغلال” [ أنظر في ظلال القران 3/1440-1444،3/1433-1436، باختصار وتصرف ].
الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذّه السيف الماضي:
يقول الإمام أبن القيم رحمه الله تعالى:( والسيف إنما جاء منفذاً للحجة مقوماً للمعاند، وحداً للجاحد، قال تعالى : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }(الحديد25) (هداية الحيارى، المقدمة).
فلقد بينت الآية القاعدة التي يقوم عليها الإسلام، وهي الكتاب، والقوة.
فلن يقوم الدين والعلم إلا بالكتاب، ولن تقوم الحقوق في العقود المالكية والقبوض إلابالميزان، و به ولن تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين إلابالحديد.
و يقول سيد قطب رحمه الله تعالي :
لقد انتضى الإسلام السيف، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل لا ليكره أحداً على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد.
جاهد الإسلام أولاً ليدفع عن المؤمنين الأذى، والفتنة التي كانوا يسامونها، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم، وأموالهم، وعقيدتهم. وقرر ذلك المبدأ العظيم { والفتنة أشد من القتل}. فأعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها، وفتنة أهلها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم، وإذا كان المؤمن مأذون في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه…..
وجاهد الإسلام ثانياً لتقرير حرية الدعوة- بعد تقرير حرية العقيدة- فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطوير الحياة جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها ؛ ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا إكراه في الدين ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة ؛ كما جاء من عند الله للناس كافة. وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الإسماع إلى الهدى، وتفتن المهتدين أيضاً فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية ؛ وليقيم مكانها نظاماً عادلاً يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان وحرية الدعاة. وما يزال الجهاد مفروضاً على المسلمين ليبلغوه إن كانوا مسلمين !
وجاهد الإسلام ثالثاً ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه. وهو وحده النظام الذي يحقق حرية الإنسان تجاه أخيه الإنسان ؛ حينما يقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال؛ ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها..)
هذه هي قاعدة النظام الرباني الذي جاء به الإسلام.
وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقي نظيف تكفل فيه الحرية لكل إنسان، حتى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام، وتصان فيه حرمات كل أحد حتى الذين لا يعتنقون الإسلام، وتحفظ فيه حقوق كل مواطن في الوطن الإسلامي أيا كانت عقيدته.
ولا يكره فيه أحد على اعتناق عقيدة الإسلام، ولا إكراه فيه على الدين إنما هو البلاغ.
جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه.
وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر، والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية ويزاولون فيها وظيفة الألوهية – بغير حق – ولم يكن بد أن تقاومه تلك النظم الباغية في الأرض كلها وتناصبه العداء.
ولم يكن بد كذلك أن يسحقها الإسلام سحقاً ليعلن نظامه الرفيع في الأرض.. ثم يدع الناس في ظله أحراراً في عقائدهم الخاصة. لا يلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدولية.
أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار. وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرار، يزاولونها وفق عقائدهم؛ والإسلام يقوم عليهم يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم، في حدود ذلك النظام.
وما يزال هذا الجهاد لإقامة هذا النظام الرفيع مفروضاً على المسلمين : { حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله }.. فلا تكون هناك ألوهة للعبيد في الأرض، ولا دينونة لغير الله..
لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنما جاهد ليقيم نظاماً آمناً يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعاً، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته.
وكانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم، واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم. وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته.
ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين!..
لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة، ولا بد للإسلام من جهاد. فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود.
{ لا إكراه في الدين }.. نعم ولكن : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم }.
هذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام. وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم، وحقيقة تاريخهم، فلا يقفوا بدينهم موقف المتهم الذي يحاول الدفاع، إنما يقفون به دائماً موقف المطمئن الواثق المستعلي على تصورات الأرض جميعاً، وعلى نظم الأرض جميعاً، وعلى مذاهب الأرض جميعاً، ولا ينخدعوا بمن يتظاهر بالدفاع عن دينهم بتجريده في حسهم من حقه في الجهاد لتأمين أهله، والجهاد لكسر شوكة الباطل المعتدي، والجهاد لتمتيع البشرية كلها بالخير الذي جاء به، والذي لا يجني أحد على البشرية جناية من يحرمها منه، ويحول بينها وبينه. فهذا هو أعدى أعداء البشرية، الذي ينبغي أن يطارده المؤمنون، الذين أختارهم الله وحباهم بنعمة الإيمان، فذلك واجبهم لأنفسهم وللبشرية كلها، وهم مطالبون بهذا الواجب أمام الله..( في ظلال القرآن 1/294-296، باختصاروتصرف).
بل و لابد في الإسلام من السيف :
لنا أن نقول :
الإسلام دين السيف لأن الصراع بين الخير والشر لا ينقطع، فالحياة قائمة على قانون التدافع، ولو تمكن الشر وحده من الأمر ـ كما يحصل الآن ـ لفسدت الحياة. وما الطغيان الذي نراه اليوم إلا لانعدام القوة المقابلة. قال الله تعالى{ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } ]الحج: 40
والإسلام دين السيف لأنه جاء لقيادة البشرية نحو خيرها، فمن حقها أن تبلغَها الدعوةُ، ولا يمكن هذا إلا بتحطيم الأنظمة التي تحول بين الناس وبين أن يسمعوا كلمة الله.
والإسلام دين السيف لمنع الفتنة التي يقترفها المفسدون في الأرض، وليكون الدين كله لله “لا بمعنى إكراه الناس على الإيمان، ولكن بمعنى استعلاء دين الله في الأرض”، قال تعالى: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين” (البقرة: 193).
والإسلام دين السيف لأنه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبي المرحمة ونبي الملحمة؛ نبي المرحمة في وقتها، ونبي الملحمة في وقتها، وهذا مقتضى الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم.
الحـــــــــــــــــــــــــــــــاصـــــــــل :
أن القول بـ:إن الإسلام انتشر بالسيف بمعنى أن الناس أكرهوا على اعتناقه هو غلط شنيع،وعلى إطلاقه باطل، كما أن القول بأن الإسلام لم يرفع سيفًا في نشره هو أيضًا خطأ جسيم؛ كيف وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة،… وكما بدا لأهل التاريخ والناظرين فيه واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلاً فى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف، وهو الذى قال صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعدما قدر عليهم: ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” هكذا دون شرط أو قيد،… حتى ودون اشتراط الإسلام….. وأين كان السيف فى مكة عندما أسلم السابقون الأولون ؟ لقد كان موجودا ولكن كان عليهم لا لهم.
وأيضاً ينبغى الإشارة في المقام إلي أعداد القتلى -من شهداء المسلمين، وقتلي المشركين-، التى نجمت عن الغزوات زمن النبي صلي الله عليه وآله وسلم، ليتضح من قلة هذا العدد أن الإسلام ليس لحمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف، ألا ! فشهداء المسلمين: 317، وقتلي المشركين: 439، والمجموع :756 من الجانبين.
فقد بدا للناظرين واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلاً فى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف، وهو الذى قال صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعدما قدر عليهم: ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ” هكذا دون شرط أو قيد، أقول حتى دون اشتراط الإسلام.
فالإسلام انتشر بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وأيد بالسيف،و إن الإسلام يشرع استخدام السيف في مرحلة متأخرة عند منع تبليغ الإسلام سلمًا، لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم قرابة 13 عامًا فى مكة يدعو إلى الله سراً وعلانيةً.. وتعرض هو وكل أصحابه لأذى المشركين واضطهادهم بكل الوسائل والأساليب، فما رفع أحدهم سيفًا على مشرك.. فالنبي صلى الله عليه وسلم،بلغ الإسلام بالدعوة في مكة…ثم في المدينة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى جاهدوه ؛ لأن السيف منفذ، قال تعالى سورة الحديد الآية 25 وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وقال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ (سورة الأنفال : 39)فمن أبى قاتلوه لمصلحته ونجاته، كما يجب إلزام من عليه حق لمخلوق بأداء الحق الذي عليه ولو بالسجن أو الضرب، ولا يعتبر مظلوما، فكيف يستنكر أو يستغرب إلزام من عليه حق لله بأداء حقه؟ فكيف بأعظم الحقوق وأوجبها وهو توحيد الله سبحانه وترك الإشراك به؟ ومن رحمة الله سبحانه أن شرع الجهاد للمشركين وقتالهم حتى يعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، وفي ذلك سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة.
وذلك لأن العقائد لا تغرس أبداً بالإكراه، وهذا أمر معروف فى تاريخ الرسالات، فلم ينتشر الإسلام بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التى قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول………..
ويكفى فى الرد على هذه الحالة من الافتراء، ما أمر الله به من العدل والإنصاف، وعدم خلط الأوراق، والبحث عن الحقيقة كما هى، وعدم الافتراء على الآخرين، حيث قال سبحانه فى كتابه العزيز: (لِمَ تَلبِسُونَ الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ).
وامامن معاملة الإسلام وأهله للناس:فالمؤمنون إخوانهم، والمعاهدون لهم عهدهم، وأهل الذمة يوفى لهم بذمتهم، والأعداء المحاربون ومن تخشى خيانتهم ينبذ إليهم فإن عدلوا عن خصومتهم فيها وإلا حوربوا جزاء اعتدائهم حتى لا يكونوا عقبة في طريق دعوة الحق أو مصدر تهديد وخيانة لأهلها لا إكراها لهم على قبول الدعوة ولا محاولة لكسب إيمانهم بالقوة (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256)، والآيات والأحاديث ناطقة بذلك مفضلة إياه في مثل قول الله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) (لأنفال:58)، (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:74)، وقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)،وقوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواأَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء:76).
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله). وصلي الله علي النبي الأميّ وعلي آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين.