من أخلاق المجاهد: ضرورة التوكل على الله في حياة المجاهد

إن التوكل على الله من أعظم الأسباب التي تدفع الإنسان للإقدام والعمل، وتمنعه من مزالق اليأس والإحجام والهزيمة.
فالإنسان المتوكل لا يخشى في سبيل الوصول إلى منشوده أي مخاطر وتحديات، فلا تثنيه عن العمل لومة لائم ولا تخويف مخوّف، ولا تهديد عدو؛ لأنه جعل الله نصب عينيه، وفوّض جميع أموره دقها وجلها إلى الله تعالى، وبالتالي جعل الله كفيلا عما سيقوم به من الأعمال الجسام بعد أن استخدم جميع الوسائل المؤدية إلى المطلوب.
ومن هنا كان التوكل ضرورة حتمية في حياة المسلم المجاهد الذي يضحي بغاله ونفيسه في سبيل إعلاء كلمة الله، ويفوّض أهله وعشيرته وقومه إلى الله تعالى. وكلما تمكنت معاني التوكل في قلب المجاهد كان أكثر إقداماً، لأنه على يقين تام بأن الله تعالى يضمن نجاحه ونصره، ويتكفل بحفظ أهله، ويرزقهم من خزائنه.
معنى التوكل وفضائله
لقد اختلفت عبارات العارفين في تعريف التوكل، وأحسن التعاريف ما عرّفه ابن القدامة، يقول: “التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الموكل، ولا يتوكل الإنسان على غيره إلا إذا اعتقد فيه أشياء: الشفقة، والقوة، والهداية، فإذا عرفت هذا فقس عليه التوكل على الله سبحانه، وإذا ثبت في نفسك أنه لا فاعل سواه، واعتقدت مع ذلك أنه تام العلم والقدرة والرحمة، وأنه ليس وراء قدرته قدرة، ولا وراء علمه علم، ولا وراء رحمته رحمة، اتكل قلبك عليه وحده لا محالة، ولم يلتفت إلى غيره بوجه ”
وقد أكّد الله على ضرورة التوكل في عديد من الآيات، فقال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ . فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.
قال ابن القيم في فضيلة التوكل ومراتبه: “ومن منازل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} منزلة التّوكّل. التّوكّل نصف الدّين. والنّصف الثّاني الإنابة، فإنّ الدّين استعانة وعبادة. فالتّوكّل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها. ولا تزال معمورة بالنّازلين، لسعة متعلِّق التّوكّل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التّوكّل، ووقوعه منالمؤمنين والكفَّار، والأبرار والفجّار، والطّير والوحش والبهائم. فأهل السّماوات والأرض – المكلَّفون وغيرهم – في مقام التّوكُّل، وإن تباين متعلِّق توكّلهم. فأولياؤه وخاصّته يتوكّلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابّه وتنفيذ أوامره.
فأفضل التوكّل، التّوكّل في الواجب – أعني واجب الْحق، وواجب الخلق، وواجب النفس – وأوسعه وأنفعه التّوكّل في التّأثير في الخارج في مصلحة دينيّة. أو في دفع مفسدة دينيّة، وهو توكّل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فسادالمفسدين في الأرض، وهذا توكّل ورثتهم. ثمّ النّاس بعد في التَّوكُّل على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكِّل على الله فی حصول الملك، ومن متوكِّل في حصول رغيف.
ومن صدق توكّله على الله في حصول شيء ناله. فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكّله مضرّة عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التّوكّل دون مصلحة ما توكّل فيه. إن لميستعن به على طاعاته “.
مواطن التوكل على الله
ينبغي للمسلم أن يتوكل على الله في جميع شؤون حياته، إلا أن هناك مواطن خصها الله تعالى بالذكر لأجل خطورتها وأهميتها، ومن أهم هذه المواطن:
1ـ التوكل عند طلب النصر والفرج: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. آل عمران: 160.
2ـ التوكل عند الإعراض عن العدو وعدم الاستسلام له: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا. النساء: 81.
3ـ التوكل عندما اقتضت الظروف المسالمة والمصالحة مع العدو: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. الأنفال: 61.
4ـ التوكل عند خوف غلبة العدو والشيطان: نَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. النحل: 99.
5ـ إذا أردت أن تنال الحظوة عند الله تعالى وتكسب الفردوس الأعلى فتوكل عليه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59). العنكبوت. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. الطلاق: 3.
حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على التوكل وتعليمه إياها التوكل:
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على الالتزام بالتوكل، والاعتماد على الله في جميع مجالات حياتهم، جاء في الحديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا». رواه ابن ماجه. وجاء في حديث آخر: ” إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ الله تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟ “. رواه أبو داود.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ”. رواه ابن ماجه.
“اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ”. رواه ابن ماجه.
وكان يعلّم أمته مظاهر التوكل على الله والثقة به، لقد أخذ بيد رجل مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كُلْ، ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ». رواه ابن ماجه. قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ». رواه البيهقي.
لقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث معنى التوكل، بأن التوكل ليس معناه أن لا نأخذ بالأسباب، ونترك الأمور فوضى ثم نتوكل عليه، بل معناه أن نأخذ كافة الأسباب المتوفرة لدينا ثم نفوّض نتيجة الأمر إلى الله تعالى.
مظاهر التوكل في الأنبياء عليهم السلام
لقد وردت مظاهر توكل الأنبياء في غير موضع من كتاب الله تعالى، ونوّه الله تعالى بصفتهم هذه، فمن مظاهر توكل الأنبياء توكل سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قذف في النار، روي أن جبرئيل أتاه في نفس الحين، وقال: ألك حاجة؟ قال: أما لك فلا، وأما إلى الله فحسبي الله ونعم الوكيل، ومن المقرر أن جبرئيل كان يقدر على أن يطفئ الحريق، إلا أن إبراهيم عليه السلام توكل على الله وفوّض أمره إليه، فكفاه الله تعالى، وجعل النار له برداً وسلاماً.
وهكذا توكل سيدنا موسى عليه السلام حينما اقترب من البحر، فاضطربت بنو إسرائيل وقالت: إنا لمدركون، قال موسى عليه السلام: كلا إن معي ربي سيهدين. إن موقف سيدنا موسى هنا من أعظم مظاهر التوكل على الله، إذ إنه بعد أن أخذ الأسباب علم علم اليقين أن الله معه ولن يخذله، وسيجعل له المستحيل ممكناً.
وهكذا ترى سيدنا نوح وشعيب ويعقوب وصالح وهود وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام الذين نوّه بهم القرآن؛ قمة في التوكل على الله والثقة به في جميع شؤون حياتهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم المتوكلين على الله تعالى، وقد حثه الله تعالى في عدة آيات على الالتزام بهذا الخلق الرفيع. فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ. هود: 123. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الشعراء: 217. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. النمل: 79.
مظاهر التوكل في حياة الصحابة
وكان الصحابة الذين تخرجوا من مدرسة النبوة قد مثّلوا أروع نماذج للتوكل، وقد طبّقوا هذا الخلق الرفيع أحسن تطبيق يوم حمراء الأسد حينما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم، فلم تنهر عزائمهم، ولم يرهبوا، ولم يتنازلوا عن موقفهم قيد شبر، بل قالوا بلسان واحد: حسبنا الله ونعم الوكيل. فأثنى الله تعالى على صفتهم هذه، وقال: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. آل عمران: 173.
إن كل ما أحرزه المسلمون في عهد الصحابة وبعد عهدهم من الانتصارات الساحقة والفتوحات العظيمة، إن مردها إلى التوكل على الله والثقة به، وتلك سنة الله في الكون، بأنه لا ينصر عباده ولا يعززهم إلا إذا توكلوا عليه، وفوّضوا أمورهم إليه، وعلموا علم اليقين أن الله تعالى ينصرهم ولا يخذلهم، يغلبهم ولا يهزمهم، فإذا رسخت هذه المعاني في قلب المؤمن المجاهد فسيحرز النصر بإذن الله تعالى.
فتوكل أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة ردّ كيد الأعداء ووقى الأمة الإسلامية من أعظم فتنة، وتوكل سيدنا فاروق رضي الله عنه مكّنه من فتح الإمبراطوريات الكبرى، وتوكل السطان صلاح الدين مكّنه من فتح القدس، وإخراجه من براثن الصليبيين، وتوكل طارق بن زياد مكّنه من فتح الأندلس، وتوكل السلطان محمد الفاتح مكّنه من فتح القسطنطنية، وتوكل المجاهدين في أفغانستان مكّنهم من الإطاحة بإمبراطوريتين عظيمتين، وهما: الاتحاد السوفياتي الشيوعي، وأمريكا الصليبية.
فحري بالمسلم الذي يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره، ويعلم أن كل ما يصيبه لم يكن ليخطئه وما يخطئه لم يكن ليصيبه، وأن الله تعالى معه أينما كان ينصره ويعززه، أن يعيش مرتاح الضمير، رخي البال، متوكلا على الله تعالى وواثقاً به في جميع مجالات حياته، ویجعل الآية القرآنية دوماً نصب عينيه: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
ولك أيها المجاهد أسوة حسنة في النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتوكل على الله في جميع أموره، حتى سمّاه الله تعالى المتوكل، كما جاء في الحديث القدسي: “وسميتك المتوكل”.

بقلم/ أبي طلحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*