حقیقة معارك (ساروان قلعه) في (هلمند) ودلالاتها المستقبلیة

إنّ الوادي الواقع في شمال ولایة (هلمند) من مسیل (سنگین) إلی منطقة( گرماو) الذي یبلغ طوله 25 كیلومتراً كله یطلق علیه اسم (ساروان قلعه)، هذه المنطقة ذات طبیعة زراعیة وفي نفس الوقت هي ذات كثافة سكانیة عالیه، وهي تشكل ثلاثة أرباع مساحة مدیریة( سنگین).
شهدت منطقة( ساروان قلعه) معارك شدیدة خلال إحدی عشر سنة الماضیة، وقد بذلت القوات المحتلّة جهوداً جبّارة للسیطرة علیها.
دخلت للمرّة الأولی القوات البریطانیة إلی هذه المنطقة في عام 2005م، والتي واجهت مقاومة عنیفة من المجاهدین، وقد تحمّلت هذه القوات عام 2006 م أكبر الخسائر في هذه المنطقة، واعتبرت هذه القوات شهر(یولیو) من هذا العام أكثر الشهور دمویة لهذه القوات في تاریخ معاركها في (هلمند).
استمرّت القوات البریطانیة في الحرب في هذه المنطقة إلی عام 2007م ولكنّها لم تجن من تواجدها في هذه المنطقة سوی الخسائر الكبیرة في الأرواح والوسائل.
وبعد عجز البریطانیین عن السیطرة علی المنطقة في عام 2007م دخلت القوات الأمریكیة إلی هذه المنطقة وخاصت معارك عنیفة، واستمرّت القوات البریطانیة والأمریكیة من عام 2007 م إلی 2011م في معاركها من خلال الهجمات، والقصف الجوي، و إنشاء القواعد العسكریة في المنطقة. وتحّملت هذه القوات المشتركة أكبر الخسائر في هذه الفترة في كمائن المجاهدین، والتفجیرات، والمواجهات، وكانت أعداد كثیرة من جنود العدوّ تسقط قتلی و جرحی في المعارك ضدّ المجاهدین. وفي النهایة قرّر الأمریكییون أن ینشؤوا القواعد العسكریة في جمیع قری هذه المنطقة، وبعد تقدیم ضحایا كثیرة من جنودها أحكمت سیطرتها علیها.
تعتبر منطقة( ساروان كلا) منطقة استراتیجیة مهمة جداً، لأنّ الطریق إلی مدیریة (كجكي) التي فیها السدّ الكبیرلتولید الكهربا یمتد عبرهذه المنطقة، وهي كذلك تعتبر منطقة مهمة جداً بین مناطق( زمینداور) و(موسی كلا) و(بغران) و(بغني) و(غورك) ومناطق (سنگین) السفلی.وكان الأمریكییون قد أدركوا الأهمیة الإستراتیجیة لمنطقة(ساروان قلعه)، ولذلك ارتكبوا في سبیل السیطرة علیها جمیع أنواع الجرائم من الظلم، والقتل، والتدمیر.
حاول المحتّلون خلال سنوات تواجدهم في (ساروان قلعه) أن یُخضعوا هذه المنطقة لسیطرتهم بشكل دائم، ولذلك أنشؤوا في كلّ قریة من قراها قاعدة عسكریة، وأجدوا فیها الملیشیات المحلیة، واحكموا مراكزهم العسكریة في جمیع مداخل الوادي ومخارجه، بالإضافة إلی إیجاد الثكنات الأمنیة علی امتداد الطریق والنهر في الوادي، كما طوّقوا الوادي بالأحزمة الأمنیة من خلال خطة أمنیة دقیقة.
وبسبب الاستحكامات العسكریة للقوّات المحتلّة ضُیّق الخناق علی فعّالیات المجاهدین، وصعُب علیهم القیام بحرب العصابات أیضا.
وحین اطمئنت القوّات المحتلّة من أمن المنطقة خرجت من المنطقة، وسلّمت المنطقة خلال عامي 2011 – 2012م إلی القوّات والملیشیات المحلّیة.
وفي عام 20013 م وضع المجاهدون السیطرة علی هذه المنطقة وإیجاد مناخ مناسب لهم فیها علی رأس قائمة أولویاتهم. ولتحقیق هذا الهدف عبَرَ مئآت المجاهدین نهر (هلمند) إلی هذه المنطقة بتاریخ 19 من شهر (مایو) من هذا العام في سلسلة عملیات (خالد بن الولید)، وبدأوا هجماتهم المباغة علی خلفاء المحتلّین من القوّات والملیشیات المحلیة.ولم تستطع القوات المحلیة الصمود في المعركة، وهُزِمت أمام المجاهدین، وكذلك فُتحت الأحزمة الأمنیة والخطوط الأولی للعدوّ خلال ساعات محدودة بسبب هشاشة قوّة تلك الملیشیات أمام قوة المجاهدین العسكریة والإیمانیة.
وفتح المجاهدین في الهجوم الأول الذي هو كان بمثابة بوّابة الدخول إلی(ساروان كلا) أربع ثكنات للعدوّ خلال 20 ساعة من المعركة، وترك العدوّ 17 جثة من قتلاه في میدان المعركة، وكان من بین القتلی ثلاثة من قادة الملیشیات. وغنم المجاهدون أسلحة كثیرة بما فیها دبابة أیضا.
في البدایة فتح المجاهدوئ مناطق(نوغي) و(كلا وال) الواسعة، ثم واصلوا هجماتهم لفتح بقیة المناطق.
أوقع المجاهدون في المعركة الأولی ضربة قویة علی العدوّ حیث لم یثبت بعده في أرض المعركة، وقتل من قادته وجنوده عدد كثیر، ونجا الباقون بالفرار من المنطقة.
استمرّ المجاهدون في هجماتهم ضدّ العدوّ حتی تمكنوا من الوصول إلی قلب منطقة(ساروان كلا)، وفرّت ملیشیات العدوّ إلی الأطراف.
إنّ خسارة منطقة ( ساروان كلا) التي كان قد أخضعها المحتلّون لسیطرتهم بعد تضحیات كثیرة كانت صدمة قویة للقوات المحتلّة، ولذلك ضغطت هذه القوات علی الحكومة العمیلة في (كابل) لترسل قوّات إضافیة إلی تلك المنطقة لمنع سقوطها بید المجاهدین بشكل كامل، لأنّ المحتلّین یدركون أنّ سقوط (ساروان كلا) بید المجاهدین هو بمعنی سقوط مدیریة (كجكي) أیضا، لأنّ الطریق إلی (كجكي) یمتدّ عبر منطقة (ساروان كلا). فالمنطقة لها أهمیّة كبیرة لوجود سدب الكهربا، ولوجود القواعد الأمریكیة في (كجكي). وكذلك یدرك الأمریكییون أنه بسقوط (ساروان كلا) بید المجاهدین سوف تتصل المناطق المحرّرة بید المجاهدین في كلّ من (قندهار) و المناطق الشمالیة في (هلمند)، وهذا الاتصال سوف یجرف معه جمیع جهود المحتلّیین للأعوام الماضیة التي بذلوها في السیطرة علی هذه المنطقة.
ولذلك أرسلت الحكومة العمیلة آلاف الجنود بأمر من الأمر یكیین إلی هذه المنطقة التي واجهوا فیها معارك ضاریة من المجاهدین.
یقول المجاهدون في (ساروان كلا) أنّ العدوّ قام بالعملیات لاستعادة (ساروان كلا) خمس مرات في شهري(یونیو) و(یولیو) الماضیین، وفي كلّ مرّة كان یشترك فیها الآلاف من جنود العدوّ. وقد تناوبت ألویة (هلمند) و(قندهار) و(كابل) و(هرات) مسؤولیة إجراء العملیات في هذه المنطقة، ولكنها لم تجن من عملیاتها المتكرّرة سوی الهزیمة أمام المجاهدین.
ولا زال المجاهدون بفضل الله تعالی یسیطرون علی مركز هذه المنطقة ونقاطها الهامّة، وقوّات العدوّ لازالت في المناطق الصحراویة، وعلی الطریق، وفي الحواشي، وتحافظ علی سیطرتها علی مساحات محدودة جدّاً.
إنّ العدوّ توسّل في كسب هذه المعركة بالحرب الآعلامیة والإشاعة إلی جانب الحرب العسكریة حیث أشاع قبل أیام بأنّ عدداً كبیراً من المجاهدین من غیر الأفغان وبعض مهرّبي المخدرات قد دخلوا إلی (ساوران كلا)، وهم الذین یواصلون القتال ضدّ القوّات الحكومیة بقصد السیطرة علی هذه المنطقة. ولكنّ الحقیقة هي أنّ المجاهدین الذین اشتركوا في هذه المعارك كان عددهم 250 مجاهداً مقابل 4000 من جنود القوّات الحكومیة كانوا جمیعاً من أبناء المنطقة، ولم یكن فیهم أحد من غیر الأفغان، أو من مهرّبي المخدرات. وكانت النتیجة بفضل الله تعالی هي هزیمة العدوّ هزیمة منكرة.
إنّ العدوّ تحمّل في معارك (ساروان كلا) خسائر كبیرة، ولكنّه یخفیها عن أنظار العالم.یقول أحد مسؤولي المجاهدین في المنطقة وهو (الملاّ مجاهد)بأنّ 350 فرداً من جنود العدوّ لقوا حتفهم في هذه المعارك، وكذلك تلاشت قوّة الملیشیات المحلّیة ولم یبق منهم في المنطقة إلّا عدد قلیل.
وعلی الرغم من التكتمّ الشدید من العدوّ علی حجم خسائره فقد فلتت بعض الأخبار من بعض قادته عن حجم الخسائر الكبیرة في أرواح جنوده حیث شكا أحد قادة الملیشیات وهو(غلام جان) الحكومة إلی الإعلام وقال: بأنّ عدم مساندة القوّات الحكومیة لملیشیاته تسبب في مقتل العشرات من ملیشیاته.
وحین سُئل قائد الجیش العمیل في (ساروان قلعة) الجنرال عبدالواسع عن سبب عدم مساندة قواته للملیشیات المحلیة فقال: بأنّ قواته لا تقدر علی مساندة الملیشیات، وأضاف بأنه قد قُتِل حتی الآن من قوّاته النظامیة في هذه المعارك 120 جندیاً، فكیف یمكنه إمداد الملیشیات المحلّیة!؟
یقول مسؤول المجاهدین في (ساروان قلعه) (الملاّ مجاهد )بأنّ المجاهدین غنموا في هذه المعارك كمّیة كبیرة من الذخیرة والأسلحة التي بمافیها الرشاشات الثقیلة، وقاذفات(آربي جي) والكلاشنكوفات، وأنواعاً أخری من الأسلحة والوسائل الحربیة.
ومجموع عدد شهداء المجاهدین في معارك(ساروا قلعه) یبلغ إلی 40 شهیداً، وقد استشهد في هذه المعارك 20 مدیناً أیضا. ولازالت المعركة مستمرة بین المجاهدین وبین قوات لواء (هرات) التابع للحكومة العمیلة.
المجاهدون مطمئنون بفضل الله تعالی من قدرتهم للسیطرة علی هذه المنطقة بشكل كامل، وهم مطمئنون كذلك من هزیمة العدوّف لأنّ المجاهدین إلی جانب نصرالله تعالی لهم وإلی جانب قوّتهم الإیمانیة فإنّهم یعرفون المنطقة أحسن من جنود العدوّ الغرباء، وهم یتمتّعون بفضل الله تعالی بمناصرة أهل البلد لهم، وبتحربتهم الناجحة لقتال القوات الأمریكیة.وقد استطاع المجاهدون إلی الآن أن یُوقفوا حركة العدوّ بأحزمة الألغام المزروعة لها في المنطقة.
إنّ المعركة لازالت مستمرّة، وهي في الحقیقة تقدّم صورة أوضاع الحرب بعد خروج القوات الأمریكیة.
إنّ القوات الأمریكیة كانت قد أخصعت(ساروان كلا) لسیطرتها بالظلم، والعنف، وإعمال القوة العسكریة المفرطة مثلما كانت قد فعلت في بقیة مناطق أفغانستان، ولكن الدخول المنتصر للمجاهدین إلی هذه المنطقة یعنی أنّ المجاهین یقدرون بنصرالله تعالی لهم أن یحرروا البلد كلّه مثلما حرّروا هذه المنطقة.
إنّ الحكومة العمیلة الآن تسعی بكلّ قوّتها أن تستعید هذه المنطقة إلی سیطرتها، ولكنها لم تحصل من معاركها منذ شهرین في هذه المنطقة إلا الهزائم والخسائر المتتالیة، وهذا یدلّ بوضوح علی أنّ الحكومة العمیلة لن تقدر علی مواصلة الحرب التي ستوكلها بها أمریكا.