10968461 1395444254096194 7244829959519577607 n

الفریضة المنسية – حول أهمية الإعداد في الإسلام – الحلقة 1

10968461 1395444254096194 7244829959519577607 n

إنّ الإسلام هو الدين الذي ارتضاه ربّنا للعالمين، وشريعته حاكمة ومهيمنة على سائر الشرائع، ودعوته عالمية، وربما تقع في طريق هذه الشريعة وطريق وصولها إلى العالمين أحجار وصخور لابدّ من أخذها وإزالتها عن الطريق، وهذه العراقيل ليست إلا الذين يريدون هدم الإسلام، ومقاومة انتشاره في العالم.
فلا بدّ من إماطتهم عن الطريق المستقيم، ولا يمكن هذا إلا بالجهاد، فهؤلاء المعاندين كالغدد السرطانية في الجسم البشري، لابدّ من قطعها ليأمن المجتمع البشري من فتنتهم.
فالجهاد له شأن عظيم وقدر كبيرٌ، وهدفه الأساسي هو تعبيد الناس لله وحده وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لربّ االعباد، حتى تتحقق لهم السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فالجهاد ضرورة تقتضيها حاجة الإنسان وإن لم يدركها، ولا يصل المجاهد إلى ذلك إلا بعون الله تعالى والاستعداد التام، فالإعداد وسيلة ضرورية توصل المجاهد إلى إنقاذ العالم.
لقد طال علينا ليل التخلف، حتى ظنّ بعض الناس أنّ التخلف سببه الإسلام، وهذا لايصح لأن المسلمين كانوا هم العالم الأول لقرون متمادية، وكان العالم يتتلمذ عليهم، ولهم مآثر في شتى العلوم. أما اليوم فأمتنا في تأخر عن ركب التقدّم والتنمية، فلا زلنا عالةً على غيرنا في الصناعات الثقيلة والدقيقة. فلم نصنع محرّكا (موتوراً)، وسلاحنا نستورده، فكيف لأمة أن تبقى وهي لاتملك قوتها، ولاتملك سلاحها، ونحن نستطيع أن نشتري أفخر وأغلى ما أنتجه العلم والتكنولوجيا، ولكنّا لانستطيع أن نصنع منها شيئاً؛ لأنهم يبيعون لنا مايريدون، لا مانريد نحن، فما يتعلق بالأسرار النووية ونحوها لا يُباع، ولا يباح لنا.
يقول الأستاذ العلامة السيد أبو الحسن علي الندوي رحمه الله: «النّاحية العلمية والصناعية التي أخلّ بها العالم الإسلامي في الماضي، فعوقب بالعبودية الطويلة والحياة الذليلة، وابتلي العالم الإسلامي بالسيادة الأوروبية الجائرة التي ساقت العالم إلى النار والدمار والتناحر والانتحار؛ فإن فرّط العالم الإسلامي مرّة ثانية في الاستعداد العلمي والصناعي والاستقلال في شؤون حياته كتب الشقاء للعالم وطالت محنة الإنسانية». 1
إنّ أمراءنا وسلاطيننا كانوا يهتمون بالإعدادات الحربية والفنون العسكرية اهتماماً تاماً كاملاً، كما نرى في حياة السلطان محمد الفاتح، حيث إن الجيش كان في نظره أساس الدّولة وركنها الأوّل، فعنى بإعادة تنظيمه وبمسألة قيادته، فلأجل هذا تميّز عهد السلطان إلى جوار قوة الجيش البشرية وتفوّقه العددي، بإنشاءات عسكرية عديدة، فأنشأ دور الصناعة العسكرية، ومصانع الذخيرة والأسلحة و…
وأنشأ جامعة عسكرية لتخريج المهندسين والأطباء والبيطريين وعلماء الصبيعان والمساحة،.. وكانت هذه الجامعة تمدّ الجيش بالفنيين المتخصصين.
واهتمّ بالقوى البحرية مع اهتمامه بالقوى البريّة، فعيّن قائداً، وجعل تحت قيادته ثلاثة آلاف جندياً بحرياً، فلم تمض إلا مدّة من الزمن قليلة حتى سيطر الأسطول العثماني على البحرين الأسود والأبيض. 2
وكان أسطوله المحاصر للبلدة من البحر (120) سفينة حربية… قال البارون «كارادفور» (Barron Carra de vaux) في كتابه «مفكروا الإسلام» في الجزء الأول منه عند ترجمة محمد الفاتح: (إن هذا الفتح لم يُقيَّض لمحمد الفاتح اتفاقاً، ولا تيسير لمجرد ضعف دولة بيزنطية، بل كان هذا السلطان يدبّر التدابير اللازمة له من قبل، ويستخدم له كل ما كان في عصره من قوة العلم، فقد كانت المدافع حينئذ حديثة العهد بالإيجاد، فأعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ، وانتدب مهندساً مجرياً ركب مدفعاً كان وزن الكرة التي يرمي بها 300 كيلو جرام، وكان مدى مرماه أكثر من ميل). 3
نعم؛ إننا لسنا أقل ذكاء من الأمم الصناعية المعروفة في أي عصر من العصور، كما رأينا في الماضي حيث أن كتب علمائنا كابن رشد، والرازي، وابن نفيس وغيرهم ظلت مرجعاً للأوروبيين لعدة قرون، ونشاهد اليوم أنّ الغرب يستفيد من علم وخبرة العقول المهاجرة المسلمة.
عندما كان الأوروبيون في عصورهم المظلمة، في القرون الوسطى، كنّا في غاية الارتقاء، فالرشيد أرسل إلى شرلمان ساعة دقاقاً تدق بالماء، فلما وصلت إلى فرنسا قالوا: إنّ فيها شيطاناً، وإذا ما أردنا أن نعرف مدى ارتقاء المسلمين بالإسلام فعلينا أن ننسب كل علم موجود الآن إلى أصله، لنجد أن بذرته والرواد الأوائل فيه هم من علماء المسلمين، فهم كانوا القنطرة التي عبر عليها الأوروبيون إلى حضارتهم وهذا باعترافهم. 4
إننا لقادرون أن نكون شيئاً مذكوراً إذا عرفنا غايتنا، وعرفنا سبيلنا، وأيقنّا برسالتنا.
لايستطيع أحد أن ينكر أنه منذ ابتعد حكام المسلمين عن تحكيم شرع الله تعالى، جلب ابتعادهم للأفراد والأمّة تعاسة، وضنكاً في الدنيا {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (طه : 124)؛ ومنذ حاولوا مدّ سلطانهم في الإمارة المجاورة المسلمة، وغفلوا عن أعداء دينهم، نشبت الحروب بينهم، وأُنهِكت بسببها القوّة الحربية الإسلامية، واستنفدت طاقتها الدفاعية، فصارت البلاد الإسلامية فريسة للأعداء.
فإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تكون سيدة في أرضها، لاسلطان لأحد عليها، فلابد لها من التمسك بالإسلام الذي يعلو ولا يُعلى، الذي يحكم ولا يُحكم. ولأجل ذلك عليها أن تعد لأعدائها القائمين والمحتلين ما استطاعت من قوّة، دفاعاً عن حرماتها، وذوداً عن دعوتها، وتمكيناً لحضارتها، وإرهاباً لعدوّ الله وعدوّها.

ونبيّن فيما يلي، أهمية العتاد الحربي العسكري في ضوء آيات القرآن الكريم، والأحاديث النّبوية على صاحبها الصلاة والسلام:
قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}(الأنفال: 60). القوة المذكورة في الآية وإن كانت تشمل الإعداد المعنوي، والروحي، وإعداد الجيل بالعقيدة الإسلامية الحقة بالأخلاق الدينية الصالحة وبغير ذلك، لكنه لما كان موضوعنا الإعداد المادّي، وإعداد الجيل إعداداً حربياً سنحصر الكلام فيه.
يقول الإمام الشهيد في تفسيره: الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمّن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها، وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها فطرتها وتؤيدها تجاربها – {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد، والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها.. فهي حدود الطاقة إلى أقصاها. بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها… والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض ولتكون كلمة اللّه هي العليا، وليكون الدين كله للّه. 5
قال الشهاب: وذكر القوّة هنا لأنه لم يكن لهم في بدر استعداد تام، فنُبّهوا على أنّ النصر من غير استعداد لا يتأنّى في كل زمان. 6
وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلا أنه من فروض الكفاية. 7
فإذاً لابد من الاستعداد الدائم لمواجهة الأعداء، بجميع أوجه الإعداد المادّي، والمعنوي، والفني، والمالي، بما يناسب كل عصر وزمان؛ لأن الجيش المقاتل درع البلاد وسياج الوطن، به يدفع العدوان، وتدحر قوى البغي والشر والتسلط، ولا يُعقل أن نواجه الأعداء إلا بنفس المستوى الحربي والسلاح المتطور الذي تعتمد عليه الجيوش المحاربة، وبالقوى المماثلة المناظرة عند الآخرين. 8
وإن كثيراً من الناس يخطئون في فهم هذه الآية، فالآية اشتملت على الإعداد لكل أنواع الرمي، وكل أنواع الآليات لأن (من) في الآية لبيان الجنس، فمعنى الآية وأعدوا لهم ما استطعتم من جنس ما يُرمى به، ومن جنس رباط الخيل، أي من جنس ما يُركب للمعركة، فشمل هذا وهذا كل عتاد يُتصوّر. 9
وهذان الأمران هما اللذان تعول عليهما جميع الدول الحربية حتى هذا العهد الذي ارتقت فيه الفنون العسكرية وعتاد الحرب إلى درجة لم يسبق لها نظير. 10
(مِنْ قُوَّةٍ) نكرة تفيد العموم، فتشمل الإعداد المادي بمختلف الأسلحة المناسبة للعصر، حسبما يوجد لدى العدو. ومرابطة الخيول في الثغور والحدود لأنها منفذ الأعداء ومواطن الهجوم على البلاد، وقد كانت الخيول أداة الحرب البريّة الرهيبة في الماضي، وما تزال لها أهميتها أحياناً في بعض ظروف الحرب الحاضرة، مثل حال استعمال السلاح الأبيض والتجسس ونقل بعض المؤن والذخيرة في الطرق الجبلية، وإن كان الدور الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران، والمدافع، والدبابات، والغواصات البحرية، فصار ذلك هو المتعين إعداده بدلاً من الخيول لأن المهم تحقيق الأهداف، وأما الوسائل والآلات فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر. 11
وبغير الإعداد الملائم للحرب في كل عصر لا يُصان السّلام، وصون السّلام عرفاُ وعادةُ وعقلاُ لا يكون إلا بآلات الحرب الحديثة. 12
وبعد مراجعة هذه الآية الكريمة، يتضح لنا أنّ الله أمرنا بالاستعداد التام، المادّي والمعنوي لمواجهة الأعداء فقال: {وأعدّوا ..} أي قبل أن يهجموا عليكم لابد من الاستعداد التامّ، ولابد لكم من قوّة لا يجترئ أحد بعد رؤيتها بالهجوم على بلادكم، لا أن تجلسوا وتنتظروا متى يهجم الأعداء عليكم فتبدأوا بالاستعداد آنذاك.
وقولنا سابقاً أنّ المراد من (القوّة) كل ما يتقوى بها في الحرب، لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام في تفسير القوة بالرمي حيث قال صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: (ألا إنّ القوّة الرمي)13 ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام خصّه بالذكر لأنه أقواه 14، وهذا من قبيل (الحج العرفة) بمعنى أنه أعظم الأركان في بابه.
وعن علي رضي الله عنه قال: كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس عربية، فرأى رجلاً بيده قوس فارسية، فقال: ماهذه؟ ألقها، وعليكم بهذه وأشباهها، ورماح القنا، فإنهما يزيد الله لكم بهما في الدّين، ويمكّن لكم في البلاد. 15
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: ولعل الصحابي رأى أنّ القوس الفارسية أقوى وأشدّ وأبعد مرمى فآثرها زعماً بأنها أعون في الحرب وفتح البلاد. 16
ويرى كاتب السطور أنّ في قوله عليه الصلاة والسلام هذا تحريض على أن نصنع عدتنا بأيدينا ولا نعتمد على أسلحة الأجانب وإن كانت أقوى. فعندما نبذل قصارى جهدنا، ونصنع سلاحنا بأيدينا، يزيد الله لنا به في الدين، ويمكّن لنا في البلاد، وحينذاك لا يغني الأعداء جمعهم، وما أعدّوا من الرجال، والسلاح والكراع شيئاً، والمحصول بعد الطلب أغلى وأعزّ وأعلى من المساق بلا تعب.
يقول سعيد حوى: ولأجل هذا، على الأمة الإسلامية أن تبذل جهداً مضاعفاً في صناعة السلاح، وأدوات القتال، وآلاته من المدفع إلى الصاروخ، ومن البارجة إلى الطائرة. وأن تتقن استعمال السلاح، وأن تتعمق في فهم فنّ الحرب، لتقف على أقدامها في عالم مدجج بأدوات الدمار. 17

طرق الحصول على السلاح في عهد النبوّة:
كان للجيش الإسلامي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عدّة طرق يحصل من خلالها على العدة القتالية ومنها:
شراء السلاح من السوق المحلية لبيع السلاح، وكانت هذه السوق تعتمد على التصنيع المحلّي لتغطية حاجة المشترين، إذ كانت حرفة الحدادة معروفة في الدولة الإسلامية، وكانت السيوف من الآلات التي تنتجها مصانع الحدادة، وأيضاً كانت مصانع السهام كما تدل عليه رواية أبي داود، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الله عزوجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنّة، صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله…). 18

فعلى ما قدّمنا، يظهر مدى أهميّة الإعداد، وطرق الحصول على العتاد القتالي في عهد النبوة، وما واجب المسلمين تجاه هذه القضية.

______________________________
1. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 368، ط: دار ابن كثير.
2. د/ عبدالسلام عبدالعزيز فهمي، السلطان محمد الفاتح، دارالقلم.
3. أنظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 218-219.
4. محمد متولي الشعراوي، خصوم الإسلام والرد عليهم، ص 85- ملخصاً مع تغيير يسير.
5. في ظلال القرآن، 3/ ملخصاً مع تغيير يسير.
6. محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير 1/ 511.
7. خليل أحمد السهارنبوري، بذل المجهود، 9/70.
8. د/ وهبة الزحيلي، تفسير الوسيط، 1/ 817.
9. سعيد حوى، الأساس في التفسير، 4/ 2194ملخصاً.
10. محمد رشيد رضا، المنار، 10/61 مع تغيير يصير.
11. أ. د/ وهبة الزحيلي، التفسير المنير10/49-50. ملخصاً مع تغيير يسير.
12. السابق.
13. مسلم: كتاب الإمارة، باب فضل الرمي، و أبوداود: كتاب الجهاد، باب الرمي في الرمي في سبيل الله. والترمذي، وابن ماجه.
14. كما صرح به القاضي بيضاوي في تفسيره 2/28.
15. ابن ماجه: كتاب الجهاد، باب السلاح.
16. شرح الطيبي على مشكوة المصابيح، 7/393.
17. سعيد حوى، الأساس في التفسير4/2194.
18. سنن أبي داود: كتاب الجهاد، باب في الرمي 2/35.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*