istinzaf

حرب الاستنزاف..استراتيجية أمريكية جديدة

istinzaf

كانت أفغانستان تنعم بالسعادة حين سيادة الإمارة الإسلامية مابين عام 1996 إلى 2001م، إلى أن هاجمت أمريكا هذه البلاد الفقيرة بذريعة مكافحة الإرهاب، فاتحدت مع أمريكا ملل الكفر ونحله لضرب أفغانستان المسلمة إلى أن سيطرت عليها.

وفي مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً في أمريكا، قال المتحدّث باسم البيت الأبيض في ردّ على سؤال أحد الصحفيين: (إن طالبان جماعة “مسلحة متمردة” وليست إرهابية..)!

والسؤال المطروح هنا: لماذا إذن كانت هذه الحرب الدامية طيلة الـ 13 سنة الماضية التي راح ضحيتها الآلاف من الأفغان الأبرياء، وأهلكت الحرث والنسل؟

لقد فعل الأمريكان ما شاؤوا في هذه البلاد المسلمة، وماتركوا جريمة صغيرة ولاكبيرة إلا واقترفوها، وجعلوا هذه البلاد المسلمة مختبراً لأسلحتهم الفتاكة من القنابل العنقودية والكيماوية و… وآذوا هذا الشعب الأبي أشد الأذية، فداهموا بيوتهم في ظلمة الليل بذريعة التفتيش، فأرعبوا أطفالهم ونساءهم، ونهبوا متلكاتهم وكل غالٍ ونفيس، وزجّوا بشبابهم في السجون بذريعة مساعدة الإرهابيين(!).

لقد اعتمدت أمريكا في سياستها على الخديعة والمكر لنيل مقاصدها، إلى أن وصلت – بنسبة ضئيلة – إلى بعض أهدافها، فهاهي الآن تسمي حركة طالبان الإسلامية “جماعة متمرّدة” بعد أن كانت تراها “جماعة إرهابية”!.

يبدو أن أمريكا وصلت اليوم إلى قناعة راسخة بأن قرارها في إدارة حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط عامة وفي أفغانستان على وجه الخصوص هو القرار الأفضل، والأصوب، والأقل كلفة، والأكثر ربحية لها من كل القرارات والاستراتيجيات التي اعتمدتها منذ ثلاثة عقود، والتي ارتدت عليها في نهاية المطاف خسارة متعددة الأوجه بين المالية والميدانية و السياسية والاستراتيجية.

وترى أمريكا أن حرب الاستنزاف التي اعتمدتها في نهاية المطاف كأسلوب عمل في الشرق الأوسط، تمكّنها من تحقيق أهداف كبرى تعدّ في سياساتها واستراتيجياتها القطب وحجر الرحى معاً. ونعلم أن أمريكا لا يهمها في الشرق الأوسط إلا نفطه، وماله، وثرواته، وقد عجزت أمريكا خلال السنوات الـ 13 الماضية من الوصول إلى درجة الطمأنينة النهائية القطعية التي تجعل هذه الأهداف بمنأى عن الخطر والاهتزاز، وخاصة أنها رأت صمود الشعب الأفغاني الباسل أمام طغيانها، ورده كيلها بمكاييل وصاعها بصاعات، فالآن هي بصدد إنتاج بيئة حربية في هذه البلاد المسلمة، تمنع تقدمها وتمنع استثمارها لثرواتها، وتدفع بها نحو الهدم المتواصل الذي يخلق الفرص لقطاعات الإنتاج الغربية عامة والأميركية خاصة لزيادة مبيعاتها تحت عنوان “إعادة الإعمار”، فتكون أمريكا ربحت في هذا مرتين طردياً وعكسياً، فمن جهة، منعت التطور وهذا يقع في صلب السياسة الاستعمارية القائمة على منع الأخرين من امتلاك مصادر القوة (بهذا المنطق الاستعماري تلاحق كل دولة تعمل لرفاهية شعبها خارج القرار الأميركي)، ومن جهة ثانية، تكون قد خلقت أسواقا استهلاكية لترويج صناعاتها.‏

 وهنا نستعيد الذاكرة إلى ما كان البعض قد توقعه في العام 2010 (أي عندما قرر الحلف الأطلسي إقفال الجبهات وترك استراتيجية القوة الصلبة) حيث توقعوا انهيار الدولار في العام 2014 فكانت مباشرة شرارة الحريق العربي التي اندلعت ناراً في تونس وتوسعت إلى الشرق.‏

كما نذكر بأنه في أقل من 3 أشهر، وبعد أن أطلق أوباما استراتيجية جديدة للحرب المزعومة على الإرهاب في صيف العام ،2014 خلال هذه المدة القصيرة، ارتفعت أسعار أسهم شركات تصنيع السلاح في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 3.8 و9.3 %، خاصة بعد أن أُعلِن بأن هذه الحرب ستستمر مدة تتراوح ما بين 3 سنين إلى عشر سنين، ومنهم من حدد مدتها بـ30 سنة خلافاً لكل منطق عسكري، خدمةً لتجارة الأسلحة وذلك بإعطاء شركات الأسلحة مُهلاً أطول لوضع برامجها التصنيعية. ولا ننسى أنه في الأسبوع الأول من إطلاق الاستراتيجية الأميركية لحرب الاستنزاف الطويلة، وبعد أن شكّلت تحالفاً دولياً بقيادتها لإدارة هذه الحرب، أبرمت أمريكا مع دول الخليج عقود تسليح تبلغ قيمتها الإجمالية 73 مليار دولار، على أن يتم بدء تسليم الأسلحة بعد سنتين كحد أدنى (ولهذا لا يمكن لأمريكا إلا أن تقول بطول مدة الحرب، وتضخّم خطر «داعش» حتى تبرر هذه الصفقات).‏

أما الهدف النهائي البعيد الذي تُعوّل عليه أمريكا من حرب الاستنزاف فيتمثل في الوصول إلى أحد أمرين:‏

1 – إما انهيار جميع الأطراف، وفقدانهم القوة والقدرة على المواجهة، والقبول بأمريكا حَكَمَاً وحَاكِماً تطبيقاً لما كان أطلقه مدير المخابرات الأميركية السابق في العام 2006 حيث قال: (علينا أن نصنع لهم إسلاماً يناسبنا)، ولأجل ذلك، نشطت أمريكا في ابتداع علماء السوء من أمثال السياف وما شابهه لتأييد جرائمها.

2 – أو تدمير المنطقة، وطمس تاريخها، ومعالمها الحضارية، وإرجاعها مئات السنين إلى الوراء، مع زرع الأحقاد بين مكوناتها الديمغرافية ما يمنع من تشكل الدول القوية لاحقاً.‏

لكننا ومع لؤم هذه الخطط وطبيعتها الإجرامية، لا نزال نرى بأن فشل أمريكا في استراتيجيتها تلك هو أقرب للواقع من نجاحها، لأسباب موضوعية متعددة ليس أقلّها وعي وقدرات الخصم المتمثل بمحور المقاومة وحلفائه الإقليميين والدوليين وفي طليعتهم روسيا، واعتماد الخصم لاستراتيجية المواجهة الواعية والواقعية بما يمنع توسّع حرب الاستنزاف، ويؤدي إلى تطهير المنطقة تلو المنطقة وتحييدها وإبعادها عن النيران ما أمكن، وقدرة هذا المحور على المناورة، وإلحاق الخسائر الاستراتيجية بأمريكا وبحلفائها، وليس ما حصل في الأفغان ببعيد. كل ذلك يجعلنا أكثر ميلاً للقول بأن احتمال تحقيق أمريكا لأهدافها في حرب الاستنزاف اللئيمة تلك، هو احتمال منخفض السقف.‏

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*