dumatarikh

العملاء دُمَى التاريخ

dumatarikhيُقال إن أئمة البغي من المحتلين يريدون دائماً للشعوب أن يكون لهم فيها عملاء لمصالحهم وتكون الشعوب قطيعاً من الأغنام يأكل ويشرب ويداوي ويسرح، لكن لا يحمل عصاً ولا يصد عدواً ولايقف في وجهه، وإنما يكون حق حمل العصا للسيد دون غيره، فبالعصا يتكئ، ويهش على الشعوب، ويسخّرها له، ويحدد لها الحدود التي لا تتجاوزها أبداً، وربما صدق المحتلون في توفير ما يعدون بتوفيره بل وقد يزيد ون، وذلك حال بلادنا، فقد خرج المحتل من الباب، وادخل العملاء من الباب الآخر، فعندما أصبح أشرف غني أحمدزاي رئيساً للبلاد، استقبل قصر الرئاسة سيدة أولى من أصول أجنبية لأول مرة في تاريخ البلاد، زوجته المسيحية «رولا سعادة»، كما صار “عبد الرشيد دوستم” – قائد الحرب الشيوعي الماركسي السابق- نائبه الأول، يشد أزره، ويأخذ بيده، ويعضده، ويفتل حبله، وهو من يُشار إليه بالبنان بين المجرمين، وحدّث من جرائمه البشعة ولا حرج، فقد تحالف مع القوات الأمريكية والبريطانية منذ الوهلة الأولى لاحتلال البلاد، وشاركت قواته معهم في إبادة المجاهدين في مجزرتي قلعة الموت (جانجي) والمستوعبات، وقد نشرت مجلة «نيوزويك» الأمريكية تحقيقاً خطيراً آنذاك حول جريمة حرب خطيرة نفذتها عصابات ذلك المجرم حليف أمريكا بالتنسيق مع الضباط الأمريكيين المجرمين، وأسفرت عن قتل ما يزيد عن 1800 شخصاً اختناقاً وعطشاً بعد أن حُشروا في 13 حاوية لنقلهم من قندوز الى سجن شبرغان، وتُركوا دون ماء أو هواء لعشرات الساعات ليموتوا اختناقاً وعطشاً.
لقد كان للشيوعيين في تشكيل هذه الحكومة نصيب الأسد من الفريسة، فعلى سبيل المثال: النائب الأول هو الجنرال رشيد دوستم المذكور آنفاً، والمستشار للأمن القومي هو حنيف اتمر، ووزير الداخلية هو نور الحق علومي، الذين كان لهم سجل طويل في جرائم الحرب إبّان الحرب السوفياتية وغيرهم من الشيوعيين، كما نرى في هذه الإدارة عملاء آخرين للاحتلال، يحمل أكثرهم الجنسيات المزدوجة من الدول المعتدية التي احتلت بلادنا ولاتزال تحتلها بواسطة العملاء، فكان لهؤلاء الوزراء جنسيات أجنبية من أمريكا وبريطانيا وهولندا وكندا وفرنسا وألمانيا، وهم عملاء حتى النخاع، وآثرهم الاحتلال لإدارة حكومة عبدالله، أو بالأحرى لإدارة البلاد المنكوبة.
أما الرجل الثاني في هذه الحكومة فهو الرئيس التنفيذي عبدالله عبدالله الذي أفنى شبابه في قتال بني جلدته ورفاق دربه االشخصيات التنظيمية مرة حزب حكمتيار، وأخرى المنظمات الشيعية، وكان لا يُخفي حقده، فيركز في خطاباته على أن طالبان ليست خطراً على أفغانستان وحدها وإنما هي تهديد للعالم بأسره.
ونتساءل: هل مهزلة الانتخابات حلت المشكلة ونجحت قيادة هؤلاء في حل القضية وإنهاء الاحتلال؟ إنهم عملاء للاحتلال بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد ثبتت عمالتهما للجميع، ويشهد بذلك ما قاله (ماكس بوت) محلل سياسي أميركي العام الماضي بعد الانتخابات، حيث قال: “مما يثلج الصدر أن المرشحين الذين حصلا على أكبر عدد من الأصوات، وزير الخارجية السابق عبدالله عبدالله، ووزير المالية السابق أشرف غني، معتدلان مواليان للغرب، وقد تعهدا بتوقيع اتفاقية تسمح لبعض القوات الأمريكية بالبقاء بعد هذا العام”. وقد تم التوقيع على اتفاقية أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية، التي اتاحت للقوات الأميركية البقاء في البلاد.
فعندما تُزف بشرى بداية نهاية الاحتلال والتي أنهت فيها القوات الأمريكية والبريطانية عملياتها القتالية في بلادنا –صورياً- ويتم تسليم القواعد والمعسكرات من المحتلين إلى الأفغان وتسلم الأمور للقوات الأفغانية فهذه هي البشرى التي تفرح القلوب المؤمنة، وهي نتيجة الجهاد المتواصل والمقاومة المستمرة للشعب اللأبي الباسل الذي قاوم أعتى قوة في العالم، وأسقط إحدى الامبراطوريات العظمى بالأمس على مرأى ومسمع العالم وأرغمها على جر أذيال خيبتها الملطخة بالخزي والعار، مخلفة وراءها آلاف القتلى من جيوشها في مقبرة الامبراطوريات، وهاهو التاريخ يعيد نفسه من جديد، فقد حان اليوم دور أمريكا وحلفائها.
إن أفغانستان نجحت قبل الاتحاد السوفياتي في هزيمة الامبراطورية البريطانية عدة مرات عام 1842م، وعام 1880م وعام 1929م وظلت عصية على الخضوع للتاج البريطاني.
لقد غزى الاتحاد السوفييتي أفغانستان في 27 ديسمبر 1979م، ثم انهزم وانسحب في 15 فبراير عام 1989م، وتسببت أفغانستان في تفكُّكه في نهاية المطاف. وهاهي أمريكا والناتو يُهزمون اليوم في أفغانستان، وهذه آية من آيات الله أن يمرّغ أنف أطغى دولة في العالم على أرض أفقر دولة مسلمة، وعلى أيدي رجال مستضعفين لا يملكون دبابات ولا طائرات، وإنّما يملكون عقيدة وإيمان وعزيمة تهدّ الجبال الراسيات، ويقيناً بنصر الله تجاوز عنان الأرضين والسّماوات.
ولا شك أن الهجمات الشديدة التي شنها المجاهدون الأبطال خلال السنوات الـ13 الأخيرة أجبرت الغزاة الأعداء على الفرار المشين والانسحاب المهين، وما أثمر احتلال الغزاة لأرض الأبطال سوى الهلاك والدمار والفشل في القضاء على الأفيون وتجارته، إذ لا تزال أفغانستان، حتّى هذه اللحظة، البلد الأول على المستوى العالمي، من حيث إنتاج الأفيون.
قلنا أن الاحتلال يريد دائماً أن يكون له عملاء، والعملاء هم الوجه الآخر للاحتلال، فالذين تولوا أمور البلاد مؤخراً في أفغانستان هم من أذيال الاحتلال، ونحن لا نتوقع منهم إحداث أي تحسن في مجال التنمية الاقتصادية والمصالحة الوطنية واستتباب الأمن والاستقرار لأنهم كأسلافهم عملاء وليس في جعبتهم قليل ولا كثير لمنفعة هذا الشعب، بل على العكس فإنهم خونة وعملاء للأجانب، وسيفعلون ما يندى له الجبين، لأنهم لعبوا دور العمالة والخيانة والعبوديّة للغزاة والمعتدين بمعنى الكلمة، وارتكبوا جرائم ثابتة وموثقة في حق عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من الأفغان، ودخلوا التاريخ من هذا الباب، فالاحتلال أتى بهم ولم يأتِ بالأمن والاستقرار إلى البلد ولن يأتي بهما، كما أنهم ما قاموا ولن يقوموا أبداً بتعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد وتوفير التعليم، بل إنهم جعلوا الفساد يتأصل ويتفاقم وتنتشر انتهاكات حقوق الإنسان وإن نعراتهم التي ينادون بها صباح مساء من الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتعليم المرأة وتثقيفها، وتوفير فرص العمل، ذاهبة دوماً أدراج الرياح. وخلاصة الكلام أنه قيل لأعرابي: أتريد أن تصلب في مصلحة الأمة؟ فقال: لا، ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي! إنهم يحبون أن تصلب الأمة في مصلحتهم.
وهكذا كانت الانتخابات مهزلة وطمس لحقائق وخديعة استعمارية كبرى، وكذلك تشكيل الحكومة، لأن الأفراد المنتخبين هم ممن يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح الشعب. وماهم إلا طغمة من الخونة والعملاء يلعبون بمصير الشعب وإنهم أشخاص:

يرمرمُ من فُتات الكفر قوتا  ***  ويشرب من كؤوسهمُ الثمالهْ
يقبل راحة الطاغوت حينا   ***  ويَلثَمُ دونمــــا خجل نِعَــــالَهْ

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهناك مرتزقة للاحتلال في بلادنا، الألغام الموقوتة التي زرعها الاحتلال في كل شبر من البلاد وهم: الأربكية والشرطة المحلية، فإن الشرطة المحلية أو ما يُعرف محلياً بـ أربكيان التي تمولها الحكومة وأنشأتها القوات الأمريكية قبل أعوام متورطة في كثير من جرائم الخطف والقتل والسرقات المسلحة في عموم البلاد، وهذا شأنهم في أحقاب الدهر، ويبين التاريخ الدور القذر الذي لعبه المرتزقة على مر العصور والأزمان، وقد استخدمت هذه القوات بدءاً من الفراعنة، وتحديداً في عهد رمسيس الثاني الذي أعجب بوحشية وغلظة هؤلاء في تعاملهم مع الأعداء أو إخضاع الشعب لأحكامه، واستمرت الحكومات في الاستفادة من هؤلاء المجرمين نظراً لرخص سعرهم وعدم التزامهم بالعهود والمواثيق، وعدم خضوعهم للمحاكم العسكرية حيث أنهم لا يعرفون غير المادة رباً ولا غير الدنيا حياة، ويثبت التاريخ أن خدمات هؤلاء المرتزقة بدأت قديماً، حيث استعانت الامبراطورية الفارسية والرومانية بهم وأصبحت لديهم جيوش كاملة من المرتزقة في كلا الامبراطوريتين.
وفي الجزائر فإن الفرنسيين شكلوا ما أطلق عليه “الحركيون” وهم الجزائريون الذين ساندوا الجيش الفرنسي ضد المقاومة الجزائرية. وقد ألحقوا الكثير من الأذى بالمقاومة الجزائرية، إلا أنهم ما زالوا يوصمون بأنهم خونة ومنبوذون في مجتمعاتهم.
وكان الفرنسيون يتعاملون مع أحفاد هؤلاء داخل فرنسا بكثير من الإهانة والاحتقار، كما أن الحكومات الجزائرية المتلاحقة، رفضت عودة هؤلاء إلى الجزائر، رغم مرور عشرات السنين على هروبهم إلى فرنسا.
وفي يوم استقلال الجزائر 18/3/1962 وصف الجنرال ديغول “الحركيون” بكلمة شهيرة قال فيها “هؤلاء لعبة التاريخ، مجرد لعبة”.
أما نابليون بونابرت فقد أسس مليشيات مسلحة لخدمة قوات الاحتلال الفرنسي في مصر، وقاد تلك المليشيات “الصحوات” ضد أبناء مصر “يعقوب المصري” الذي نبذه المصريون واحتقروه، فطلب من نابليون أن يأخذه معه، حتى لو كان جثة هامدة ولبى نابليون رغبة العميل المصري، ووضع جثته القذرة داخل برميل، وأخذه معه إلى فرنسا ليدفن مع العملاء الأخرين الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم للمحتل.
وقد تم توظيف هذه المجموعات من المرتزقة في بلدنا في عمليات الاختطاف والقتل وتشويه الجثث، وإحراق المدارس ونشر الفوضى والرعب بين السكان، وكانت لهذه المجموعات الدور الكبير في تشويه سمعة الحركات المقاوِمة الإسلامية في أفغانستان، حيث كانت تنسب لهم الأعمال الوحشية من تفجير المساجد ودور العبادة، وقتل العلماء والشيوخ ونشر الفوضى التي تقوم بها هذه المجموعات التي لا تجد رادعاً أو حداً من أجل حفنة من المال. ويبقى كل من باع دينه ووطنه وشعبه مجرد لعبة، حيث كان هذا أصدق تعبير عن دور هؤلاء في بلدانهم ومع شعوبهم، نعم هؤلاء مجرد لعبة في أيدي الغزاة المعتدين.
ولله در الجواهري حيث قال :

ألاَ لَا تَسْألانيِ ما دَهَانـيِ  ***   فعن أيَّ الحوادثِ تســـألانِ
بكَيْتُ وما على نفسي ولكـنْ  *** على وَطَنٍ مُضامٍ مُسْتَهـــانِ
على وَطَنٍ عَجَيْفٍ ليس يقوُى  *** على نُوَبٍ مُسلْسَلَةٍ سمِـــان

 

نعم إن الأعداء يتآمرون ويدبرون ويمكرون لإبقاء الاحتلال إلى أمد بعيد.  والله يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون! فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة.  قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره؟ فهو الذي هزم الأحزاب وحده، واليوم يهزم جيوش الكفرة المعتدين نوهذه الهزيمة تحل عزيمة الأعداء المتغطرسين. قال تعالى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين.