خصائص التشريع الإسلامي

الإنسان – من بين خلق الله في الكون- يمتاز بطبيعته المدنية، فهو مدني الطبع، يحتاج في استمرار حياته إلى بيئة مملوءة من بني جنسه، يتعاطى معهم الحياة بصورة سلمية، وهذا لايمكن إلا بوجود قانون ينظم شؤونهم، ويرسم لهم خريطة الحياة الإجتماعية، فيضع لهم الحقوق ويكلفهم الواجبات، ولقد سعى الإنسان في أدواره التاريخيه لكي يحقق هذه البغية في البحث عن منظومة قانونية، فمنهم من اختار وضع البشر وسارعليه في حياته الدنيوية، ومنهم اختار وضع خالق البشر، بمبدأ أن الله لم يترك البشر سدى، بل منذ خلق البشر أرسل التشريعات وبعث الرسل ليبين لهم ما نزل إليهم. لا أريد ههنا البحث عن التشريع الإسلامي من حيث المادة القانونية، بل يهمنا أن نبحث عن الجوانب التي ميزت التشريع الإسلامي عن غيره من التشريعات البشرية، وسوف أركز في البحث على الجوانب التالية:

1 – ربانية المصدر.

2 – شموليته للحياة البشرية.

3 – عالمية المنهج.

4 – التوازن والوسطية.

5 – التطور والثبات.

6 – الجزاء والعقوبة.

7 – بناء الأحكام على أسس موضوعية.

 

أولاً: ربانية المصدر

الصفة الأولى للشريعة الإسلامية أنها من الله، أنزلها رب البشر، وتنقسم الربانية إلى قسمين:

1 – ربانية المصدر والمنهج.

2 – ربانية الوجهة والغاية والقصد.

– ربّانية المصدر والمنهج : يقول الحق سبحانه وتعالى{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}.ويتناول القرضاوي الربانية في كتابه القيم (الخصائص العامة للإسلام)بقوله: “إن الإسلام هو المنهج أو المذهب أو النظام الوحيد في العالم الذي مصدره كلمات الله وحدها غير محرفة ولا مبدله ولا مخلوطة بأوهام البشر وأغلاط البشر وانحرافات البشر.” (ص38). ويقابل الربانية ما حدث في الأمم الأخرى من قبول التشريعات الوضعية، كما فعل اليهود والنصارى حيث وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وجاء في تفسيرها أنه أحلّوا الحرام وحرّموا الحلال.

– أما ربانية الغاية والوجهة والقصد فمعناها أن الإسلام يجعل غاية الإنسان الأخيرة وهدفه البعيد هو حسن الصلة بالله تبارك وتعالى والحصول على مرضاته {قل إنني هداني ربّي إلى صراط مستقيم ديناً قِيَماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء}.

وللربّانية ثمرات تجعل النظم الإسلامية تتصف بما يأتي:

أ – العصمة من التناقض والاختلاف الذي تعانيه المناهج والأنظمة البشرية.

ب – البراءة من التحيز والهوى{يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}

جـ – التحرر من عبودية الإنسان للإنسان. كان ملوك الفرس يزعمون أنه تجري في عروقهم دماء زرقاء تستلزم استعباد الآخرين. وكان الرومان يرون أن جميع سكان الإمبراطورية عبيد لسكان روما. وكانت مدينة أثينا تتكون من خمسة آلاف من الأحرار يخدمهم جيش من العبيد يزيد على ثلاثين ألف.النظام السياسي في الإسلام – (1 / 8)

 

ثانياً: الشمولية والعموم

يصف القرضاوي هذا بقوله إنه “شمول يستوعب الإنسان كلَّه، ويستوعب الحياة كلها ، ويستوعب كيان الإنسان كله ” والنظم الإسلامية تصلح لكل الأمم ولكل الأجناس ولكل الشعوب ولكل الطبقات.ومن الأمثلة على الشمول أنها تشمل الإنسان من قبل ولادته بالاهتمام باختيار الأم ثم بعد الولادة يهتم الإسلام باختيار الاسم الحسن والعقيقة والرضاعة، ويهتم بحسن التربية فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لغلام (يا غلام سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك) وعلّم عبد الله ابن العباس رضي الله عنهما (يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله …) وجاء في القرآن الكريم حول مرحلة الرضاعة {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلاّ وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوالدات مثل ذلك} وفي ذلك يقول القرضاوي: “يجعل الإسلام الكون كلَّه والخلقَ كلهم ملكاً لله، وليس لقيصر فيه ذرة واحدة فقيصر وما لقيصر لله الواحد القهار”. (الخصائص العامة للإسلام ص112).

إن التشريع الإسلامي لا يشرع للفرد دون الأسرة، ولا للأسرة دون المجتمع، ولا للمجتمع منعزلا عن غيره من المجتمعات في الأمة المسلمة، ولا للأمة معزولة عن غيرها من أمم الأرض، كتابية كانت أو وثنية.

إن تشريع الإسلام يشمل التشريع للفرد في تعبده وصلته بربه، وهذا ما يفصله قسم “العبادات” في الفقه الإسلامي، وهو ما لا يجد في التشريعات الوضعية.

ويشمل التشريع للفرد في سلوكه الخاص والعام، وهذا يشمل ما يسمى “الحلال والحرام” أو الحظر والإباحة.

ويشمل التشريع ما يتعلق بأحوال الأسرة من زواج وطلاق ونفقات، ورضاع، وميراث، وولاية على النفس والمال ونحوها. وهذا يشمل ما يسمى في عصرنا “الأحوال الشخصية“.

ويشمل التشريع للمجتمع في علاقاته المدنية والتجارية، وما يتصل بتبادل الأموال والمنافع، بعوض أو بغير عوض، من البيوع والإجارات، والقروض، والمداينات، والرهن، والحوالة، والكفالة، والضمان وغيرها. مما تضمنته في عصرنا القوانين المدنية والتجارية.

ويشمل التشريع ما يتصل بالجرائم وعقوبتها المقدرة شرعا كالحدود والقصاص، والمتروكة لتقدير أهل الشأن كالتعازير. وهذا يشمل ما يسمى الآن بـ “التشريع الجنائي” أو “الجزائي” وقوانين العقوبات.

ويشمل التشريع الإسلامي ما يتعلق بواجب الحكومة نحو المحكومين، وواجب المحكومين نحو الحكام، وتنظيم الصلة بين الطرفين، مما عنيت به كتب السياسة الشرعية والخراج والأموال، والأحكام السلطانية في الفقه الإسلامي، وتضمنه في عصرنا “التشريع الدستوري” أو “الإداري”و”المالي”.

ويشمل التشريع الإسلامي ما ينظم العلاقات الدولية في السلم والحرب بين المسلمين وغيرهم، مما عنيت به كتب “السير” أو “الجهاد” في فقهنا الإسلامي، وما ينظمه في عصرنا “القانون الدولي”.

ومن هنا لا توجد ناحية من نواحي الحياة إلا دخل فيها التشريع الإسلامي آمراً أو ناهياً، أو مخبراً.

وحسبنا أن أطول آية نزلت في كتاب الله تعالى، نزلت في تنظيم شأن من الشؤون المدنية، وهو المدانية، وكتابة الدين.

ويبدو شمول التشريع الإسلامي في أمر آخر، أو بعد آخر، وهو النفاذ إلى أعماق المشكلات المختلفة، وما يؤثر فيها، وما يتأثر بها، والنظر إليها نظرة محيطة مستوعبة، مبنية على معرفة النفس الإنسانية، وحقيقة دوافعها وتطلعاتها وأشواقها، ومعرفة الحياة البشرية وتنوع احتياجاتها وتقلباتها، وربط التشريع بالقيم الدينية والأخلاقية، بحيث يكون التشريع في خدمتها وحمايتها، ولا يكون معولا لهدمها.

ومن عرف هذا جيدا، استطاع أن يفهم موقف التشريع الإسلامي وروعته من قضايا كثيرة، كالطلاق وتعدد الزوجات، والميراث، والربا، والحدود، والقصاص، وغيرها. مما أثبتت الدراسات المقارنة، وأثبت الاستقراء التاريخي والواقعي فضل الإسلام فيه، وتفوقه على كل تشريع سابق أو لاحق.

إن عيب البشر الذي هو من لوازم ذواتهم المحدودة أنهم ينظرون إلى الأمور والأشياء من جانب واحد، غافلين عن جانب أو أكثر من جوانبها الأخرى. والحقيقة أنهم لا ذنب لهم في هذا القصور ولا حيلة، لأن النظرة المحيطة الشاملة، التي تستوعب الشيء من جميع جوانبه، وتعرف كل احتياجاته، وتدارك كل احتمالاته وتوقعاته، لا يقدر عليها إلا رب البشر وخالق الكون: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). “مكتبة القرضاوي”.

 

ثالثاً: العالمية

أي أن التشريع الإسلامي ليس خاصاً بأمة بعينها، فالرسل السابقون أُرسل كل منهم إلى قومه، وكانت شرائعهم تراعي خصوصيات كل قوم، أما الشريعة الإسلامية فقد جاءت للناس كافة، أي في كل العصور، من عصر محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فالعالمية تستغرق الزمان والمكان من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لا يستطيع أحدٌ أن يقول إنها خاصة به أو أنها ليست له.

ومما يدل على عالمية التشريع الاسلامي:

1- قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ : 28]. وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107]. فالشريعة كلها مبنيّة على الرحمة في أصولها وفروعها، ومحمد صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالناس، بل تعدت رحمته الناس إلى الحيوانات، ولا ينكر جانب الرحمة في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم إلا جاهل معلوم الجهل أو حاقد مكابر يزعجه ويقلقه انتشار دين محمد صلى الله عليه وسلم في الأرض شرقاً وغرباً، وهذا حال المتنفذين من الكفرة من أصحاب الزعامات ورؤساء الصحف والمجلات.

إن المتأمل -يا عباد الله- في الآية السابقة يلحظ أن الله تعالى وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين فلم يقل: رحمة للمؤمنين، مما يدل على أن إرساله رحمة ٌ لغير المسلمين أيضاً، فكيف يكون ذلك؟

يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، أي : أرسله رحمة لهم كلهم ، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة ، سعد في الدنيا والآخرة ، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة. تفسير ابن كثير / دارطيبة – (5 / 385).

إن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجاوزت حدود البشر حتى وصلت إلى البهائم والحيوانات، سابقة قبل قرون طويلة ما يسمى بجمعيات الرفق بالحيوان، فعن عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمّرة (طائر صغير) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تُفرّش (أي ترفرف) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من فجع هذه بولديها؟ ردّوا ولديها إليها”. رواه أبو داود. صحيح الترغيب والترهيب – (2 / 275).

بل إن رحمته بالحيوان بلغت مبلغاً أشد من ذلك حتى عند الذبح، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته. )رواه مسلم). إنها رحمة ما عرف التاريخ مثلها أبداً .

2 – الخطاب بصيغة (الناس) نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء : 1].

3 – الأمر بالدعوة إلى الناس: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران:110] فخيرية هذه الأمة كامنة في قيامهم بدعوة الناس جميعاً، دون الحصرعلى طائفة أو قبيله معينة.

 

رابعاً: التوازن والوسطية

التوازن هو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، كما تتعادل كفتا الميزان فلا ترجح إحداهما بالأخرى. ويقول القرضاوي: “إن التوازن أمر أكبر من أن يقدر عليه الإنسان بعقله المحدود وعلمه القاصر فضلاً عن تأثير ميوله ونزعاته الشخصية والأسرية والحزبية والإقليمية والعنصرية وغلبتها عليه من حيث يشعر أو لا يشعر.”

وقد تحقق التوازن في النظام الإسلامي في الأمور الآتية: الروحية، والمادية، والواقعية، والمثالية ،والفردية، والجماعية، والثبات، والتغير. ففي التوازن بين المادية والروحية ما عرف عن اليهود من الإغراق في المادية وحب الدنيا حتى وصفهم الله تعالى بقوله {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْيَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَالْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة : 96]، أما النصارى فقد مالوا إلى الرهبانية وكبت الفطرة ومن ذلك قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد : 27].

أما في الإسلام فقد ورد في حديث الثلاثة الذين نظروا في عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكأنهم تقالّوها، فقال أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثالث وأنا لا أتزوج النساء، فعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أما والله إني لأتقاكم لله وإني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي) صحيح البخاري ـ حسب ترقيم فتح الباري – (7 / 2)، وجاء في حديث آخر (إن لبدنك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وإن لزورك (ضيفك) عليك حقاً فأعط لكل ذي حق حقه)، أخرجه البخاري في كتاب الصوم، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة 1-29 – (57 / 289).

 

خامساً: التطور والثبات

يتمثل الثبات في الأهداف والغايات والمرونة في الوسائل والأساليب. فالثبات في الكليات والقيم الدينية والأخلاقية والمرونة في الشؤون الدنيوية والعلمية. كما يتمثل الثبات في العقائد الأساسية: (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه من الله تعالى). ومن الثوابت أيضاً الأركان الخمس والمحرمات مثل السحر وقتل النفس والزنا وأكل الربا وشرائع الإسلام القطعية مثل الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص.

 

سادساً: الجزاء والعقوبة

أمر الإسلام أتباعه بأوامر وأوجب عليهم واجبات ونهاهم عن أفعال معينة، وجعل لعمل الخير جزاءً في الدنيا بالإضافة إلى ما عند الله سبحانه وتعالى من الرضوان. كما حدد العقوبات للمقصرين في الدنيا وفي الآخرة.

وقد تبنى النظام الإسلامي تقديم الحوافز للمتفوقين، ولعل أعظم الجوائز هي تلك الأحاديث التي ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة فيها مما يفوق شأناً أوسمة الدنيا كلها وجوائزها. والعقوبة في الإسلام مقررة لكل ذنب فإذا بلغت حداً من حدود الله ووصل أمر ذلك إلى الإمام فلا بد من تنفيذ العقوبة وهي أرحم بالمجتمع الإنساني من العقوبات التي قررتها الأنظمة الوضعية التي ظاهرها الرحمة وباطنها تشجيع الإجرام والمجرمين على جرائمهم. والدليل على ذلك انتشار الجريمة في البلاد التي تأخذ بالتشريعات الوضعية في مجالات الحياة المختلفة وبخاصة في مجال العقوبة والجزاء.

وقد انتشرت أمراض جديدة في الغرب مثل الإيدز ثم جرثومة الأبيولا وقد نشر معهد موسكو للزهري والمناعة أن الروس سينقرضون في المستقبل ليس نتيجة لحرب مدمّرة ولكن نتيجة انتشار الأمراض الجنسية. وقد أكد هذا أحد الإخوة الذين زاروا روسيا مؤخراً نقلاً عن طبيب روسي.

وقد قدّمت إذاعة الهيئة البريطانية باللغة الإنجليزية يوم الاثنين 30 رجب 1417هـ تقريراً عن النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب بأنهن يعانين من تكرار تحرش المُغتصِب ومضايقته لهن، كما تحدثن عن الصعوبات والمشكلات والإهانات اللاتي يلاقينها في المحاكم، حتى إن إحداهن صرحت بأن الاغتصاب على مرارته وإيلامه أهون من الوقوف في المحكمة والتعرض للاستجواب من قبل القضاة وأحياناً التعرض للعبارات الجارحة من أقارب المتهم ثم الأحكام الخفيفة التي يتخذها القضاة ضد المغتصبين. وإن كان من كلمة حول هذا الأمر فإن هذا هو الضلال فإن المحاكم والعقوبات لن توقف الاغتصاب في الغرب بل يوقفه أن يعرفوا منهج الله عز وجل الذي أمر النساء والرجال على حد سواء بغض البصر ، وحرّم الاختلاط والخلوة بين النساء والرجال، كما أمر بالحشمة والعفة والعفاف . ولكن من يقول هذا للغربيين؟. النظام السياسي في الإسلام – (1 / 11- 12).

سابعاً: بناء أحكام الفقه الإسلامي على أساس الموضوعية والتجرد عن كل دافع من عصبية أو عاطفة خاصة سوى فكرة العدل والحق المجردة بقطع النظر عن اللون أو الجنس أو البيئة أو الدين أو أي صفة أخرى في الأشخاص الذين تطبق عليهم أحكام الشريعة.

ومن الأمثلة الرائعة على ذلك في التاريخ الإسلامي فتوى الإمام الأوزاعي للخليفة الأموي بعدم جواز قتل الرهائن وهم أشخاص أخذهم المسلمون من الروم ضماناً لعدم غدر قومهم – وكانت العادة العامة المتبعة أن تقتل الرهائن إذا غدر قومهم – فلما غدر الروم وهمّ الخليفة بقتل الرهائن عارضه الإمام الأوزاعي ونادى به أنه لا يحل قتلهم في شريعة الإسلام وقانونه، لأن الله تعالى قد منع أن يؤاخذ أحد من الناس بجريرة غيره، وقرر ألا تزر وازرة وزر أخرى، فإذا غدر الروم فإن ذنبهم لايسري إلى رهائنهم الذين أخذناها منهم، وقد نزل الخليفة على فتوى الإمام الأوزاعي هذه.

ومن الأمثلة الرائعة أيضاً التي دوى بها التاريخ حادثة محمد بن عمرو بن العاص فاتح مصر وأميرها عندما سبقه قبطي نصراني في حلبة سباق فضربه محمد بن عمرو بقضيب وقال أتسبق ابن الأكرمين؟! فلما اشتكى القبطي إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في المدينة أحضر محمداً وأباه عمراً من مصر بعد أن حقق وثبت لديه الحادثة وقال لمحمد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! ثم أمر القبطي النصراني أن يضرب محمد بن عمرو في المجلس ثم أمره أن يضرب أيضاً أباه عمرو أمير مصر فلما امتنع القبطي عن ضربه قال: إنما ضربك بسلطان أبيه. مجلة الوعي الإسلامي السنة الثانية صفر 1386هـ 21.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*