فقه الجهاد – الحلقة 15: أصناف من يُقاتلون وأحكام قتالهم

اختلف أهل العلم في جواز قتل الشيخ الفاني، والراهب، والأجير، والأعمى، والزَمِن، والتاجر ونحوهم، وهل هؤلاء من المدنيين الحربيين أم لا ؟، وفي ذلك مذهبان:

المذهب الأول: وهو مذهب الأحناف، والمالكية، والحنابلة، وهو أحد القولين – المقابل للأظهر- عند الشافعية.

و أهل هذا المذهب ذهبوا إلى عدم جواز قتل الشيخ الفاني، والراهب، والأجير، والأعمى، والزَمِن ونحوهم.

 

ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:

1 – قوله تعالى: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190). وجه الاستدلال: أن الآية أمرت بقتال الذين يقاتلوننا من الكفار، وهؤلاء الأصناف ليسوا من أهل القتال، فلا يجوز قتلهم. ( ينظر: المغني 9/250).

وهذا الاستدلال نوقش بما تقدم ذكره من أن الآية منسوخة. ولكن أجيب بأن الراجح أن الآية محكمة وأن معناها قتال المطيقين للقتال، وهو الذي تجتمع به الأدلة.

2 – عن رباح بن الربيع – رضي الله عنه – قال: “كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلاً، فقال -عليه الصلاة والسلام- : انظر علام اجتمع هؤلاء. فجاء فقال: على امرأةٍ قتيلٍ. فقال: ما كانت هذه لتقاتل. قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلاً فقال: قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً”. (العسيف: الأجير. وقيل: الشيخ الفاني، وقيل: العبد. النهاية 3/236)

من وجه الاستدلال: أن الحديث دل على عدم جواز قتل هؤلاء الأصناف، من وجهين، أولاً: أنه – صلى الله عليه وسلم – علل القتل بالمقاتلة في قوله: (ما كانت هذه لتقاتل) فثبت أن حكم القتل معلل بالمقاتلة فلزم قتل ما كان مظنة له، بخلاف ما ليس إياه. ثانياً: أنه – صلى الله عليه وسلم – صرح بالنهي عن قتل العُسَفاء وهم الأجراء، وفي معناهم من كان في مثل حالتهم من أهل المهن والحرف. لأن المعنى المبيح للقتل لا يتحقق منهم، ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف. (ينظر: فتح القدير 5/453).

3 – عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:”انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”. (رواه أبو داود).

وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في النهي عن قتل الشيوخ. (شرح معاني الآثار 3/225، المغني 9/250).

و قد نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأنه ضعيف الإسناد، فلا يصح الاحتجاج به، ولكن يجاب بأن الاستدلال ليس بناءه على هذا فقط، بل للمطلوب دلائل.

4 – الدليل من قول الصحابي. فعن يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير رَبْع (الرَّبْع: المَحَلَّة) من تلك الأرباع، فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. ثم قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله -بزعمهم- (أي الرهبان) فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر (يعني الشمامسة وهم رؤساء النصارى) فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف (أي اقتلهم)، وإني موصيك بعشر، لا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تُخَرِّبَن عامراً، ولا تَعْقِرن شاة ولا بعيراً إلا لمَأْكَلَة، ولا تُحَرِّقن نحلاً ولا تُغْرِقنه، ولا تَغْلُل ولا تجبن. (رواه مالك في الموطأ، والبيهقي).

وجه الاستدلال: أن أبا بكر – رضي الله عنه – نهى عن قتل الرهبان الذين يعتزلون الناس، والشيوخ الكبار، والمراد من لا يكون منه قتال من هذه الأصناف .

ونوقش الاستدلال بهذا الأثر أن إسناده ضعيف. (ينظر: شرح الزرقاني 3/17، والمحلى 5/350).

5 – الدليل من القياس. وبيانه: أن هذه الأصناف من الكفار لا يجوز قتلها قياساً على المرأة بجامع علة عدم إطاقة القتال، وهي العلة التي أومأ إليها النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: (ما كانت هذه لتقاتل). (ينظر: المبسوط 10/137، المغني 9/250).

المذهب الثاني: وهو مذهب ابن حزم الظاهري، وهو الأظهر في مذهب الشافعية، ونص عليه الشافعي، واختاره ابن المنذر. وأهل هذا المذهب قائلون بجواز قتل الشيخ الفاني، والراهب، والأجير، والأعمى، والزمنى ونحوهم.

 

ومن أدلة المذهب الثاني ما يلي:

1 – عموم آيات قتل المشركين كقوله تعالى: {وقاتلوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة: 36)، وقوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 5).

وجه الاستدلال: أن الآية تتناول بعمومها الشيوخ. قال ابن المنذر: لا أعرف حجة في ترك قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله: (فاقتلوا المشركين).

ونوقش هذا الاستدلال بأن الآية عامة مخصوصة بالأدلة الخاصة الواردة في النهي عن قتل هؤلاء، وبالقياس على المرأة، وتقدما آنفاً. (ينظر: المغني 9/249، وما بعدها).

2 – عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :”اقتلوا شيوخ المشركين (الرِّجَال المَسانّ أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهَرمَى) واستبقوا شَرْخهم (الصّغار الذين لم يُدْرِكوا)”. (رواه أحمد، وأبو داود، وأيضاً ينظر: النهاية2/457)

وجه الاستدلال: الحديث نص في الأمر بقتل شيوخ الكفار مطلقاً، وترك غلمانهم وهم المراهقون الذين لم يبلغوا.

ونوقش هذا الاستدلال أولاً: بأن الحديث ضعيف الإسناد، فلا يصح الاحتجاج به كما ذكر ابن حزم مع أنه ممن يقول بجواز قتل شيوخ الكفار. وثانياً: أنه لا تعارض بين هذا الحديث – على فرض صحته – ويبن أحاديث النهي عن قتل الشيوخ، فيحمل هذا الحديث على الشيخ الذي يطيق القتال أو يكون له رأي فيه، بدليل ذكره في مقابل الغلام الذي لم ينبت، فيكون معنى الحديث: النهي عن قتل الصغير الذي لم ينبت، والأمر بقتل الكبير ومنه الشيخ الذي يطيق القتال، بخلاف الهرم أو الفاني كما جاء في الأحاديث الأخرى. قال ابن قدامة: “وأما حديثهم، فأراد به الشيوخ الذين فيهم قوة على القتال أو معونة عليه برأي أو تدبير، جمعاً بين الأحاديث”. وثالثاً: أن أحاديث تحريم قتل الشيوخ خاصة في الهرم، وهذا الحديث عام في الشيوخ كلهم، والخاص يقدم على العام. (ينظر: أسنى المطالب 4/190، والمحلى 5/350-351، والمغني 9/250).

3 – عن عطية القُرَظي- رضي الله عنه – قال: عُرِضنا على النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم قُرَيظة فكان من أنبت قُتِل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيلُه، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي. (رواه أبو داود، والنسائي).

وجه الاستدلال: قال ابن حزم: “فهذا عموم من النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يستبق منهم عسيفاً، ولا تاجراً، ولا فلاحاً، ولا شيخاً كبيراً، وهذا إجماع صحيح منهم رضي الله عنهم متيقن; لأنهم في عرض من أعراض المدينة لم يخف ذلك على أحد من أهلها”. (ينظر : المحلى 5/351).

ونوقش هذا الاستدلال بأن حادثة بني قريظة واقعة حال لا عموم لها لتطرق الاحتمال إليها، وقد وقعت هذه الحادثة في ظروف خاصة عندما نقضت قريظة العهد، ولم ينكر أحد منهم النقض إلا عمرو بن سعد الذي عارضهم وخرج من عندهم، وكان من هديه – صلى الله عليه وسلم – أنه إذا نقض بعض القوم العهد وأقرهم الباقون ورضوا به؛ غزا الجميع كلهم وجعلهم ناقضين للعهد. (ينظر: زاد المعاد 2/72-73، وقضايا فقهية في العلاقات الدولية ص:231).

4 – الدليل من المعقول، وبيانه: أن الشيخ كافر لا نفع في حياته، فيقتل كالشاب. ومؤدى هذا القياس أن كل كافر لا نفع فيه يجوز قتله.

ونوقش هذا الاستدلال بأن هذا القياس ينتقض بالعجوز التي لا نفع فيها.

فالمرأة العجوز إنسان كافر لا نفع فيه، أفيقول الشافعية بجواز قتلها؟، فإن قالوا: نعم. فقد خالفوا الدليل ونقضوا قولهم إذ هم يقولون بعدم جواز قتلها، وهو مما لا خلاف بين أهل العلم فيه.

وإن قالوا – وهو الحق – : لا. فقد انتقض قياسهم، فلا يصح الاحتجاج به، وهذا هو المطلوب . (ينظر: المغني 9/250).

5 – من المعقول أيضاً، وبيانه: أن هؤلاء الكفار أحرار مكلفون فجاز قتلهم قياساً على غيرهم .(ينظر: مغني المحتاج 6/29).

ونوقش هذا الدليل بأن هذا القياس منتقض بما تقدم ذكره في الجواب على الدليل السابق، ثم إنه قياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابل النص الذي تقدم ذكره في النهي عن قتل من لا يقاتل.

 

الترجيح:

ويتبين مما تقدم بيانه – من أدلة الفريقين وما ورد عليها من مناقشات – أن الراجح من القولين في هذه المسألة – والله أعلم – هو قول الجمهور. وعليه يكون الأصل عدم جواز قتل المدنيين الحربيين الذين ليسوا من أهل القتال والممانعة، إلا في الأحوال المستثناة كما سيأتي بيانه (إن شاء الله في الحلقات الآتية).

ومما يؤيد هذا الترجيح أنه يتمشى مع مقاصد الجهاد، وقواعد الشريعة العامة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير هذا الحكم: “وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَّمِن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله … وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس، ما يحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } ( البقرة: 217 ). أي أن القتل، وإن كان فيه شرّ وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه”. (السياسة الشرعية / 165).

 

ضابط التفريق:

ضابط التفريق بين الحربيين والمدنيين (بحسب قول الجمهور الراجح): في ضوء ما تقدم يتلخص لنا في التفريق بين هذين الصنفين ما يلي:

1 – المقاتلون الحربيون هم: كل من كانت له بِنية صالحة للقتال ويتأتّى منه القتال، وإن لم يباشر القتال بسبب عارض يمنعه منه مؤقتاً.

2 – المدنيون الحربيون هم: كل من لم يكن له بنية صالحة للقتال، أو لا يتأتّى منه القتال، أو لم يباشر القتال بسبب دائم.

وبناءً على هذا يجوز مثلاً قتل الجريح والمريض مرضاً مؤقتاً والشيخ ذي القوة والسكران، لأن هؤلاء غير مدنيين أصلاً، ويتأتّى منهم القتال من الكفار. بينما لا يجوز قتل الزمنى وذوي الأمراض المزمنة كالمشلول والشيخ الفاني. (ينظر: شرح السير الكبير 4/1429-1444، وأصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني 2/1063).

______________________

وينظر للاستزادة: (شرح السير الكبير 4/1429-1430، وأحكام القرآن للجصاص 1/353، المنتقى شرح الموطأ 3/167، الأم 4/253-254، الإنصاف 4/128، والمبسوط 10/137، ومواهب الجليل 3 / 350، والمغني 9/249، ومغني المحتاج 6/29،و ما بعدها.المحلى 5/348)