hewarabdurrqib

ومضات تربوية وجهادية مع العالم المجاهد المولوي عبيدالله رقيب حفظه الله

hewarabdurrqib(أجرى اللقاء: أبو عابد)

التقت مجلّة (الصمود) في هذه المرّة بجندي مجهول في قافلة الدعوة والجهاد، بالجندي الذي وُلد في الجهاد، ونشأ في الجهاد، وعاش في الجهاد، وتعلّم في الجهاد، وأفنی شبابه في الجهاد. عاش بجسمه، وروحه، ومشاعره للجهاد، وتمكن حبّ الدفاع عن الدین من نفسه وجمیع أحاسیسه، فنذر لهذا الحبّ حیاته، وبری لنشر حقیقته ومحاسنه قلمه، وحمل للذود عنه بندقیته، فقاتل عن قناعة واحتساب، ومات نصفه في الجهاد وأصیب بالإعاقة الدائمة، إلاأنّ الإعاقة لم تمنعه من مواصلة السیر علی درب الدعوة والجهاد، فإن عجز عن تسلق الجبال والمشاركة في المعارك، فلم یعجز بفضل الله تعالی ثم بفضل علمه الشرعي وفكره الدعوي عن إعداد المجاهدین وتربیتهم فكریاً وعقدیاً، فأصبح شیخاً للجهاد والمجاهدین وإن سلبت الإعاقة شبابه، فهو بحق مصداق قول الشاعر:

إذا كانـت النـفوس كبـاراً                    تعبت في مرادها الأجسام

فهو یحمل هموم الجهاد والدعوة وخدمة الفكر الإسلامي، ویعمل جاهداً لنشر الوعي الجهادي بین طلبة العلم والمجاهدین، ویبصّر إخوانه بالمؤآمرات التي تُحاك ضدّ أعظم جهاد قام به المجاهدون ضدّ أكبر حلف صلیبي عسكري غزا أفغانستان للقضاء علی الحكومة الإسلامیة الفتیة التي كانت قد قامت في هذا البلد بعد جهاد عظیم وجهود عملاقة قام بها المخلصون من أبناء الأمة الإسلامیة في هذا البلد.

إنه العالم والمجاهد الشاب المولوي (عبیدالله رقیب) الذي التقت به مجلة الصمود في سلسلة لقاءاتها مع العلماء والمجاهدین، وأجرت معه هذا الحوار الذي ندعوكم لقراءته:

 

الصمود: نرحبّ بكم في مجلة الصمود، وفي البدایة نودّ من فضیلتكم أن تقدّموا نفسكم لقرائنا الأكارم.

المولوي عبیدالله رقیب: الحمدلله والصلاة والسلام علی رسول الله وبعد:

بدایة أشكركم علی زیارتكم لنا، وعلی إتاحتكم الفرصة لنا لنشر أفكارنا وآمالنا عبرمجلة (الصمود) الموقرة. اسمي عبیدالله رقیب بن الشهید المولوي عبدالرحیم تقبلّه الله تعالی، في الأصل نحن من قریة (مأمورخیل) في مدیریة (خوشامند) من ولایة (بكتیكا)، إلا أنني وُلدت في المهجر في عام 1981م في قریة المهاجرین في منطقة (قمردین كاریز) في إقلیم (بلوجستان) في باكستان، وأعمل الآن مدیراً لمدرسة دینیة لأبناء المهاجرین.

 

الصمود: حبّذا لو تحدثتم قلیلاً لقرائنا عن مشواركم التعلیمي والجهادي.

المولوي عبیدالله رقیب: حین اسشهد والدي – رحمه الله تعالی – في الجهاد ضدّ الاحتلال الروسي في أفغانستان كنت لازالت رضیعاً وكان عمري حينها ستة أشهر. عشت لثلاث عشرة سنة في كنف والدتي العزیزة تحت رعایة عمّي وإخواني الكبار، اشتغلت في بعض أوقاتي في هذه الفترة في رعي الغنم، ودرست فیها الابتدائیة إلی الصف الرابع مع مواصلة الدروس الدینیة الخاصة في البیت علی عمتي وأخي الأكبر، وبعد الثالثة عشر من عمري فرّغني أخي الفاضل لمواصلة الدراسة الدینیة علی العلماء في المدارس، فدرست بفضل الله تعالی لأحد عشرعاماً في مخلتف المداس الدینیة في (غزني) و(بكتیكا) من أفغانستان، وفي بعض مدارس (دیره اسمعیل خان) و(كویتا) في باكستان، وتخرجت عام 2006م بتقدیر ممتاز علی ید عالم الحدیث الشیخ عبدالغني في مدرسة الجامعة الإسلامیة في منطقة (چمن) في إقلیم (بلوچستان).

قبل الهجوم الأمریكي علی أفغانستان كنت أواصل دراستي بالتفرغ الكامل لها، ولكن بعد الاحتلال الأمریكي لهذا البلد قسّمت وقتي بین الدراسة والجهاد، فكنت أدرس في موسم الدراسة، وأذهب إلی القتال تحت قیادة أخي الأكبر الشهید حبيب الرحمن صابر رحمه الله تعالی، وهكذا كنت أجمع بین الدراسة والجهاد.

 

الصمود: ماهي قصة إصابتكم في المعركة والتي تسببت في إعاقتكم الدائمة؟

المولوي عبیدالله رقیب: في عام 2008م كنت في جبهة أخي الشهید حبیب الرحمن صابر في مدیریة (خوشامند) في بكتیكا، وكانت في تلك المنطقة قاعدة عسكریة للعدوّ فیها الأمریكییون وعملاؤهم من الأفغان، وفي أحد الأیام علم أخي بمقدم قافلة إمداد عسكریة متجهة من المركز إلی هذه القاعدة، وكانت القافلة مكوّنة من الدبابات والمدرّعات الأمریكیة ومن ناقلات الجنود الأفغان، فرتّب أخي القائد خطّة الهجوم علی تلك القافلة، وكانت الخطة عبارة عن زرع الألغام في الأمام، والسماح لجزء من القافلة بالعبور لتقترب من تلك الألغام، وتوظیف بعض المجاهدین لرشق الجزء المتوسط من القافلة لتنشغل عن الجزأین الأمامي والخلفي، والهجوم القوي علی مؤخرة القافلة.

وحین وصلت القافلة إلی ساحتنا وجدنا أنّ الجزء الأمامي منها عبارة عن الحاویات الناقلة، والجزء الأخیر الذي قررنا الهجوم القوي علیه مكوّن من الجنود الأفغان، فقلت للأخ الشهید عبدالستار طارق رحمه الله الذي كان مستشاراً لأخي القائد: إنّ نخوتي الأفغانیة لا تستسیغ أن نترك الأمریكیین في الوسط ونستهدف الأفغان في المؤخّرة، فتعال بسرعة لنُقنع القائد بتغییر الخُطّة وتركیز الهجوم علی الوسط الذي فیه الأمریكیین، ولا نخبر القائد بما یدور في نفسینا، بل نحاول أن نقنعه بما نرید بالتذرع بدلائل أخری، وهكذا فعلنا. ولكن حین بدأنا الهجوم علی الأمریكیین وكان المكان الذي بمحاذاة الأمریكیین خالٍ من السواتر والخنادق الكافیة، فبدأ الجنود الأفغان (الذین فضلّت استهداف الأمریكیین علیهم) یرشقوننا بلا هوادة، فأُصِبت برصاصة في عنقي وعلی الفور علمت بأن نصفي الأسفل أصابه بالشلل.

لقد استفدت من تلك المعركة درسین مهمین: الأول منهما هو أنه لا یجوز أن یكون لنا رأي في أحكام الله المنزّلة لعباده، لقد جعل الله تعالی حكم الیهود ومن یتولاهم واحداً، ونحن في تلك المعركة لم نجعل حكمهم واحداً، فكانت النتیجة أن اتّحد أولئك فیما بینهم وهزمونا في المعركة.

والدرس الثاني هو أنه لا ینبغي أن نكتم عن القائد مثل هذه الأسرار، وإن كتمناها فإننا نكون قد ارتكبنا الخیانة في حقه، فنحن لو أخبرنا القائد بما في أنفسنا قبل بدء المعركة لكان من الممكن أن یصرفنا عن هذه الإرادة، وأن یصرّ علی تنفیذ خطّته الأولی.

 

الصمود: بعد أن علمتم بأنّ نصف جسدكم قد أصیب بالشلل فكیف كانت مشاعركم؟ ومالذي كان یبعث في نفسكم الاطمئنان؟

المولوي عبیدالله رقیب: بعد الإصابة علی الفور فقدت الإحساس بنصفي الأسفل، ظننت بأنّ نصفي الأسفل قد ذهب مع قذیفة كبیرة للعدوّ، ولكن حین نقلني الإخوة من میدان المعركة إلی مكان آمن، وأفقت بعد الإسعافات الأولیة، علمت فجأة بأنّ نصفي قد أصیب بالشلل، فخرجت من فمي صرخة یأس، وقلت یا الله! إنني أصبت بالإعاقة فكیف سأقدر علی خدمة دینك! فطمأنني أخي صابر وقال: إنك لم تفقد عقلك ولسانك، ویمكنك أن تخدم دین الله تعالی بعلمك ولسانك. فاستعدت وعیي، وتملكت مشاعري، وقلت في نفسي إنّ الله تعالی قد أنعم عليّ بالعلم الشرعي، وهو رحیم كریم، وسیوفقني لخدمة دینه في مجالات الدعوة والتعلیم، ومن ذلك الوقت لم یتطرّق الیأس إلی نفسي.

 

الصمود: في ضوء تجاربكم ماهي المشاكل النفسیة وغیرها التي یواجهها المعاقون في حیاتهم؟ ومالذي ينبغي عليهم فعله للتغلّب علی تلك المشاكل؟

المولوي عبیدالله رقیب: لاشك أنّ المعاقین یواجهون مشاكل كثیرة في حیاتهم، إنهم یُعانون من الجروح، ونقص في الأعضاء، والتشوهات الأخری في أجسامهم، وإنهم یضطرّون لحیاة الحاجة والإعواز بعد أن كانوا قد ذاقو طعم حیاة الصحة والاستقلال. إنهم في حالة الإعاقة یرون مستقبلهم رهینة إحسان ومساعدة الآخرین.

وللتغلب علی مشاكلهم یحتاج المعاقون إلى ثلاثة أشیا وهي: الطبیب الماهر، والخادم المشفق الذي لا یملّ من الخدمة، واستشارة المعاقین الآخرین ممن مرّوا بتجارب كثیرة في هذا المجال. فینبغي لهم أن یبحثوا عن الطیب الماهر، وعن الخادم المنتبه الذي یطبّق توصیات الطبیب بشكل دقیق، وأن یُشركوا تجاربهم مع من لدیهم التجارب الكافیة، لأنّ صاحب التجربة أحیاناً یُرشد المعاق إلی تدابیر مفیدة جداً ربما لم ینتبه إلیها الأطباء. وفي ظروفنا الحالیة هناك بعض الأطباء یفتقرون إلی التجارب والمهارات الكافیة، وبعضهم بسبب الاختلافات الفكریة والعقدیة مع المعاقین یوصون المعاقین المجاهدین ببعض الأمور التي تضرهم أكثر مما تنفعهم، وقد مررت بمثل هذه التجربة المریرة والتي اضطرتني إلی عملیة جراحیة مرّتین.

وأمّا ما یجب أن یفعله المعاق للتغلّب علی المشاكل النفسیه فسأحدثكم عنها لاحقاً إن شاء الله تعالی.

 

الصمود: ماهي مسؤولیات الأقارب وولاة الأمور وعامة المسلمین في تأهیل المعاقین المجاهدین ومساعدتهم لیكونوا أناساً فاعلين في المجتمع، وأن لا یكونوا عُرضة للیأس والإحباط، وأن یتأهلوا للخدمة والحیاة الفعّالة لیسلكو طرق الفلاح في الدنیا والأخرة.

المولوي عبیدالله رقیب: لا ینبغي للمرء أن یغترّ بصحته، بل یجب علیه أن یستعدّ ویتعلم المهارات التي ستمكنه من الحیاة الكریمة إن أصیب بالإعاقة في المستقبل -لاسمح الله تعالی- وأول ما یجب علی من یصاب بالإعاقة أن یتوكل علی الله تعالی، وأن یُحسن الظن به تعالی. ولكي یكتسب مزیداً من الثقة في نفسه بعد التوكل علی الله تعالی یجب علیه أن ینظر إلی من هم دونه، وإلی من یعیش في حالة أسوأ من حالته. وحتی یكون قلبه مطمئناً فلیُكثر من تلاوة القرآن الكریم، لأنّه ذكر الله تعالی، وبذكر الله تعالی تطمئن القلوب. وبعد كل هذا ینبغي له أن یستغلّ المهارات الموجودة لدیه والحرف التي یمكنه أن یزاولها حتی وإن كانت بسیطه وذات دخل قلیل.

وكذلك یجب علی أقربائه أن یقفوا إلی جانبه بالفعل بالمساعدة والمواساة، لأنّ المعاق إذا خرج من المراحل الأولی للإعاقة واثقاً من نفسه ومن مساعدة ومواساة ذویه له، فلن يصيبه الإحباط في المراحل التالية حتی وإن تخاذل عنه الناس فيما بعد. أمّا إذا أصابه الیأس والإحباط في المراحل الأولی من حیاة الإعاقة، وفَقَدَ الثقة في نفسه بسبب عدم مساعدة ومواساة الآخرین له أو بسبب المواقف السلبیة للآخرین تجاهه فإن المعاق في تلك الحالة یخسر ثقته في نفسه، ویخسر معنویاته، وبالتالي تعجز بقیة أعضائه أیضاً عن العمل.

وكذلك یجب علی ولاة الأمور وعامة المسلمین أن یوفّروا ظروف معیشة كریمة للمعاقین بتمكینهم من وسائل المعیشة من خلال خُطط وبرامج ثابتة ومستمّرة لا عن طریق إهدائهم بعض الهدايا والعينيات التي سرعان ماتزول. فإن عومل المعاقون بمثل هذه المعاملة فإنني واثق من أنّهم سیقومون بدور إیجابي في خدمة المجتمع، ولن یكونوا عبئاً علی كاهل الآخرین.

 

الصمود: لكي یكون العامل لنصرة دین الله تعالی شخصاً موفّقاً مدركاً لمتطلبات العمل للإسلام وناجحاً في جمیع مجالات القتال، والدعوة، والسیاسة وغیرها من المجالات، ما الذي یجب القیام به؟ وإلی ماذا نحتاج في تربیة مثل هؤلاء الرجال في مجالات التعلیم والتربیة والإعداد والجهاد وغیرها؟

المولوي عبیدالله رقیب: لاینبغي أن یؤجّل بناء الشخصیة إلی مرحلة المدرسة وعمر الشباب، بل یجب أن یقوم الوالدان بتربیة الأولاد من عمر الطفولة، وأن یقدّما الولد إلی المدرسة وقد تكوّنت فیه مميزات الإنسان السويّ، وبعد ذلك یمكن للأستاذ والمدرسة أن یغرس فیه العلم والجوانب التربوية المختلفة. وأذكر لكم مثالاً عن مثل هذه التربیة من قبل الأمهات لأولادهن وهو مثالي أنا، حيث استشهد والدي رحمه الله تعالی خلال السنة الأولی من عمري، فنشأت في كنف الأم، ولم أكن آعرف (الأب). وذات یوم وأنا لازلت صغیراً سمعت كلمة (الأب) من بعض الأطفال في القریة، فآتیت إلی أمي وسألتها عن ماذا تعني كلمة (الأب)؟ ومن یكون (الأب)؟ وبما أنّ أمي كانت امرأة عاقلة فلم ترد أن تُشعرني الإحساس بحرماني من (الأب)، وأن تكسر قلبي وتحطّم نفسي، فقالت لي بكل شفقة وحنان: إنّ كلمة (الأب) یا بنيّ معناها شخص مثل (آغاكم)، وكنّا نسمي أخانا الكبیر (آغا)، فمررت علی ذلك الموقف مروراً عادیاً، ولم أشعر أبداً بأنني أفقد شخصاً كـ (الأب)، لأنه ما دام معنی (الأب) الأخ الأكبر فنحن أیضاً عندنا في البیت أخ أكبر، ونعیش تحت رعایته بكل رحمة ودلال، فلماذا الشعور بالحرمان؟ وبعد أن كبرت وأدركت المعنی الحقیقي للأب وعلمت بأنني نشأت یتیماً ولیس لي في البیت أب فلم أشعر بأیة صدمة نفسیة وروحیة، لأنّ أمي كانت قد غرست في نفوسنا الثقة والاطمئنان، ولم تتركنا نذوق مرارة الحرمان من عطف الأب. فعدم وجود أب لي في البیت لم یكن یعني لي الحرمان من عطفه وظلّه.

وكانت أمي لم تُحدثنا عن المشاكل التي مرّت علیها، بل كانت تؤمّلنا في مستقبلنا، وكانت تقول لنا بأنّكم ستكونون علماء كبار، وستكون لكم مدارس، وستربّون أبناء المسلمین. وهكذا كانت ترفع من معنویاتنا وتغرس في نفوسنا بذور الشخصیات الفعّالة، ولذلك لم نشعر بالیتم، ولم نكن نتوقّف عند المشاكل والعوائق الصغیرة أبداً بل كنا نمضي قُدُمّاً.

وإلی جانب غرس العزیمة في نفس الطفل وإعداده نفسیاً وعقلیاً للوصول إلی الأهداف العلیا، یجب أن یُهتمّ بمظهره أیضاً لیكون إسلامي الباطن والظاهر، ولا یصطبغ بصبغة الثقافة والمظهر الغربیین، بل یجب أن یُربّی علی كره مظهر الكفار وهیئآتهم، لأنّ الطفل إذا نشأ علی الفكر والمظهر الإسلامیین فإنه لن یرغب في مجالسة الأشرار وأصحاب الأفكار والمیول السیّئة، وهكذا یمكن للمدرس والمربي أن یجعل منه إنساناً متدیّنا صالح السیرة والسریرة. أمّا إذا تُرك ليصطبغ بالصبغة الغربیة في مظهره ویجالس المائعین المنحرفین فإنّه لاشك سیتأثر بهم، وتنطبع فیه عاداتهم وسلوكهم، وفي النهایة یُصبح نسخة منهم.

وأمّا المنهج التعلیمي فیجب أن لا یكون جامداً، بعیداً عن واقع المسلمین، وينبغي أن یشمل إلی جانب علوم الشرع علی علوم السیاسة، والسیرة، والتاریخ والعلوم الجدیدة الأخری التي تؤهّل الطالب للقیام بمتطلبات الزمان في الثبات علی المبادئ، وفي مقاومة العدوّ عملیاً وفكریاً وفي جمیع المجالات، لأنّ الله تعالی أمر المسلمین بالإعداد، والإعداد یشمل جمیع هذه المجالات. وحكم الإعداد باقٍ ومستمر إلی یوم القیامة. وما مصائب المسلمین في العالم الآن إلا نتيجة مُرّة لتكاسلهم وتناسیهم لواجب الإعداد في جمیع المجالات. وإذا استمرّ هذا التكاسل والإصرار علی الجمود فلا شك أنّ المستقبل لن یكون أحسن من الحاضر.

و یجب أن یُذكر المجاهد بالأجر الذي یستحقه بجهاده في الدنیا والآخرة، حتی یكون جهاده عن قناعة واحتساب، لابدافع من الغضب ورغبةً في الثأر من العدوّ. والمجاهد إذا اقتنع بأنه مأجور علی جمع أعماله الجهادیة فإنّه یزداد شوقاً إلی الجهاد والبذل في سبیل الله تعالی. وقد شرحت لأحد المجاهدین حدیث: (لغدوة في سبیل الله أو روحة خیرمن الدنیا وما فیها)، فتعّجب من هذا الأجر العظم.

یجب أن یتمّ شحن المجاهدین عقدیاً في كل وقت، لأننا لا نقاتل العدوّ بقوة السلاح والمادة، وإنما نقاتلهم بقوة الإیمان، وكلّما كان إیمان المجاهد قویاً كانت مقاومته للعدوّ أقوی.

 

الصمود: ما هي صفات المجاهدین التي یجب أن یتحلّی بها كل مجاهد؟

المولوي عبیدالله رقیب: إنّ الهدف من الجهاد هو إعلاء كلمة الله تعالی وإخضاع الطغاة والجبابرة لحكم الله تعالی، ویجب علی المجاهد أن یُطبّق هاتین النقطتین أوّلاً في نفسه، وهذا یعني أن ینقاد لحكم الله تعالی، وأن یطبّق الشرع علی نفسه قبل تطبیقه علی غیره، فالمجاهد إذا لم یستسلم لحكم الله تعالی ولم یطبّق الشرع علی نفسه فكیف سیطبّقه علی غیره؟

وكذلك یجب علی قادة المجاهدین أن یطبّقوا الشریعة في صفوفهم ثمّ یطالبوا بها عامة الناس، وكذلك یجب أن یأمن الناس من یده ولسانه، وأن یعیش بین عامّة الناس كأخ مشفق لهم، لا أن یتكبّر ویتعالی علیهم، وأن یجعل الناس يهابونه لسلاحه وقوته، بل ینبغي للمجاهد أن یفترض نفسه بین الناس كشخص أعزل عادي یعیش بینهم، وأن یجعل الناس بخُلقه ورحمته یحبّونه. وكل عمل یرید المجاهد أن یعامل به الناس، فلیفترض أوّلاً لو أنّ غیره عامله أو أحد أقربائه بمثل عمله، فكیف سیكون موقفه؟

 

الصمود: بصفتكم أحد المجاهدین في الجهاد الفكري، كیف تقیّمون الحرب الفكریة للعدوّ ضدّ المسلمین؟ ماهي أخطار هذه الحرب؟ وماهي سُبُل وأسالیب مقاومتها؟

المولوي عبیدالله رقیب: إنّ العدوّ في زمننا الحاضر متفوق في الحرب الفكریة، وكفّته في هذا النوع من الحرب راجحة، لأنّهم یبذلون كل طاقتهم في إفساد المسلمین ومحاربتهم فكریاً وعقدیاً، إنهم يبذلون في هذا المجال جميع أنواع الجهود، فيستخدمون اللسان، والقلم، والمال، والمرأة، وجميع وسائل الإعلام المرئیة والمسموعة والمطبوعة، ویدعون شباب الأمّة الإسلامیة للتحرّر من كلّ حدّ وقید دیني وخُلُقي لیجعلوا منهم الذئاب الجائعة في القطعان التائهة، وهكذا یحاربون أجیال الشباب والنساء بجمیع الوسائل ولكن تحت غطاء الحرّیة، والثقافة، والتقدّم. ويهیّئون المجالات لهذه الحرب الفكرية باستعمال قوّة السلاح وباستغلال الحكومات المفروضة علی بلاد المسلمین.

والجهود المقاومة لهذا النوع من الحرب من قِبَل المسلمین تُعتبر لا شيء إذا ما قیست بججم جهود العدوّ في هذا المجال. فبعض المسلمین یقبلون منهم كل كلام يسمعونه، والبعض الآخر یعتبرون سرّ تقدّم الغرب المادي كامن في عقیدته وثقافة، ولا توجد في الجانب الإسلامي استراتیجیة منظّمة ومدروسة شاملة لمقاومة الغزو الفكري للعدوّ. والجهات التي تقوم ببعض الجهود في هذا المجال، تهدم ما بنته ببعض تصرفاتها الخاطئة، فأعمالهم السيئة تنفّر المسلمين من أقوالهم الحسنة، وتشككهم في مصداقیتها؛ لما یرون من مخالفة الأعمال للأقوال لدی هؤلاء القوم.

وأئمة المساجد أیضاً لا یقومون بالدور المطلوب منهم في مقاومة غزو العدوّ الفكري، وكأن هذا العمل لیس من مسؤولیتهم، بل البعض منهم بَدَلَ أن یكون عوناً للدعاة والمصلحین، یقوم بإیجاد العراقیل والعوائق أمامهم.

والمنهج التعلیمي لمدارسنا الدینیة أيضاً لا یحمل في مواده ومفرداته أي موضوع عن الحرب الفكریة ومقاومتها، وهي نقطة ضعف خطیرة یجب أن یتداركها من یضع المنهج لهذه المدارس.

وأمّا مجال الإعلام فمن یملك فیه وسائل الإعلام یفتقر إلی الإلتزام بأحكام الشرع والثبات علی الفكر الإسلامي، ومن یتمتّع بهاتین المیزتین فلا یملك وسائل الإعلام، فیبقی الفیسبوك وماشابهه فقط للشباب المتدیّنین وهم أیضا متشتّتون وجهودهم لیست بشكل منظم، إلا أنني علی ثقة أنّ الله تعالی سیغیّر هذا الوضع إلی صالح الإسلام والمسلمین في هذا البلد، وسینهزم أنصار الباطل في مجال الحرب الفكریة أیضاً، لأنهم من أتباع الشیطان وإنّ كید الشیطان كان ضعیفاً.

 

الصمود: إنكم – ما شاء الله تعالی- علی الرغم من المشاكل والإعاقة الجسدیة، تتمتّعون بمعنویات عالیة، ولكم جهود مشهودة في مجالي الإعداد الفكري والتعلیمي للمجاهدین وطلبة العلم، ولكن علی العكس من أوضاعكم هناك أناس أصحّاء ولدیهم الامكانیات في الحیاة لیقوموا بالدعوة والجهاد إلا أنّهم أصیبوا بالسآمة والملل، وأصابهم الخور والفتور وصاروا ینسحبون من میدان العمل، فلكي لا یصاب الشباب والعاملون لنصرة الدین بمثل هذه الهزیمة النفسیة، ولكي یبقوا مجاهدین نشطین في سبیل الجهاد والدعوة والتعلیم فمالواجب فعله؟ وكیف يمكننا أن نعالج هذا الشعور السلبي عند بعض الناس؟

المولوي عبیدالله رقیب: إنّ أساس الاستقامة علی الدین هو رسوخ العقیدة، وإذا ترسّخت العقیدة في النفس فإنّ صاحبها یبقی علی الاستقامة والثبات حتی الموت، وأمّا إذا لم تكن هناك عقیدة أو كانت موجودة ولكنّ إیمان صاحبها بها كان ضعیفاً ففي مثل هذه الحالات یتعرّض المرء إلی التردد والتزلزل. فمن تعرّضو لمثل هذه الحالات أو استسلموا للعدوّ فإنّ أمرهم لا یخلو عن إحدی الحالتین التاليتین:

– إمّا أنهم لم یسلكوا طریق الجهاد عن قناعة وعقیدة، بل كانوا قد خرجوا علی أساس التقليد، والتقليد لا يجعل صاحبه يثبت علی المبادئ في جميع الأوقات والظروف.

– أو أنّهم كانوا قد خرجوا في هذا الطریق للحصول علی المنافع المادیة وقد حصلوا علیها أو یئسوا منها، فلذلك انسحبوا من الميدان. ولا يمكن لمجاهد أن يسير علی هذا الطريق على أساس العقیدة والأداء للمسؤولیة الشرعیة ثم یخذل أصحابه وینحرف عن الطریق.

وأحیاناً یستاء بعض الناس بسبب العجز وعدم وجود الوسائل المطلوبة، أو بسبب عدم الاقتناع بنوعیة المقاومة، فهؤلاء الناس یجب أن تشحذ فیهم الهمم، وأن تُوقد فیهم جذوة الإیمان من جدید، وأن تُفتح أمامهم فرص العمل والقیام بالواجب. ولا ننسی أنّ الثبات علی المبادئ والاستقامة علی الحق إنّما تكون بتوفیق وفضل من الله تعالی، فیجب علینا جمیعاً أن نُخلص التعامل مع الله تعالی، وأن نلجأ إلیه في كل وقت، وأن نلتزم بأحكام الشرع. ولذلك یجب علی القادة أن یربّوا أتباعهم علی العقیدة أوّلاً، وأن یعلّموهم استعمال الوسائل واستغلال الظروف، وبعد ذلك یقدّموهم إلی میادین الجهاد والدعوة، فإذا تمّت تربیتهم علی هذا المنهج فإنهم سوف لن یتوانوا عن مواصلة الطریق، وسیشتاق إلی میادین النزال حتی وإن كان في الجنة إن شاء الله تعالی.

حین أُصبت في المعركة توقعت الموت من تلك الإصابة، ففكرت في أعمالي السابقة فلم أجد فیها ما یشجعني علی الإقبال علی الله تعالی یوم القیامة مرفوع الرأس، وقلت في نفسي كیف سأواجه سلف هذه الأمة الذین ضحّوا في سبیل الله تعالی أضخم التضحیات، وسجّلوا في التاریخ أروع الأمثلة من الأعمال، فسألت الله تعالی ألا یُمیتني في هذه المرّة لكي أعمل الأعمال التي لا أندم علیها یوم القیامة. ولذلك الآن لا یحلو لي الكسل والجلوس بلا خدمة مهما كانت الظروف صعبة، وإذا وجدت نفسي عاجزاً عن الأعمال الأخری فلا أجدني عاجزاً عن الدعاء فألتجئ إلی الله تعالی بالدعاء، لأنّ الدعاء أیضا جهاد، وتُنصر الأمة بدعاء ضعفائها إن شاء الله تعالی. ومع أنني لا أجدني الآن في تلك العاطفة الجیاشة التي كنت أتمتّع بها في أیامي الأولی من الشلل إلا أنني أبذل قدر المستطاع، وأسأل الله تعالی أن يتقبّله منّي. وفي نهاية الحوار أركز مرّة أخری علی أهميّة التربية والتعلیم والإعداد، وفیها النجاة – إن شاء الله تعالی – من الأوضاع المزریة الحالیة. وحسبنا الله ونعم الوكیل، نعم المولی، ونعم النصیر، وصلّی الله تعالی وسلّم علی خیر خلقه محمد وعلی آله وأصحابه أجمعین.