حقوق المرأة بين كفالة الإسلام وتضييع الأدعياء

أوردت وكالات الأنباء في الأونة الأخيرة أن نساء أفغانستان يكافحن من أجل إيجاد مكان لهن على طاولة مفاوضات السلام المتعلقة بمستقبل أفغانستان. وأشارت دراسة أجريت العام الماضي من قبل مؤسسة (اكسفام) البريطانية إلى أنه خلال 23 جولة معروفة من المفاوضات بين المفاوضين الدوليين والطالبان منذ 2005م لم تحضر أي امرأة جولة من هذه الجولات، وخلال المحادثات بين الحكومة الأفغانية والطالبان كانت النساء موجودات خلال جولتين فقط.
ولسنوات عدة دافعت النساء عن حقهن في شغل مكان مناسب في المفاوضات خوفاً من ضياع حقوقهن في المستقبل عند توصل الطرفين لاتفاق؛ لأنهن مخدوعات بالكذبة الكبيرة التي روجت لها أمريكا باسم تحرير المرأة الافغانية من ظلم طالبان، وهي اليوم تريد إحراز مكانتها التي منحتها إياها الإدارة الأمريكية وبشرت بها لورا بوش من خلال خطابها بتحرير المرأة الأفغانية، فبعد شهرين من هجوم 11 سبتمبر وشهر واحد من بداية غزو أمريكا لبلادنا، ألقت لورا بوش السيدة الأمريكية الأولى آنذاك خطاباً وجهته للعالم ولاسيما للشعب الأمريكي قالت فيه: “بسبب انتصاراتنا العسكرية في جزء كبير من افغانستان؛ لم تعد النساء سجينات منازلهن وبإمكانهن أن يستمعن إلى الموسيقى…”، وقالت: “الحرب ضد الإرهاب هي أيضا حرب ضد اضطهاد المرأة”.

وقد شاهد الشعب الأفغاني ذلك التحرير الذي أنجزته أمريكا في بلادنا، فكان عبارة عن قتل ودمار وأرامل وبؤس وجوع ومهانة، كل ذلك كان متزامناً مع الموسيقى والأفلام الهندية والأمريكية وخلع الحجاب الذي فرضه الله تعالى، وكذلك شاهد أن المرأة الأفغانية في ظل الاحتلال الأمريكي لم تنل التحرير المزعوم، بل خسرت كل ما اكتسبته في الماضي حيث صارت سلعة رخيصة تباع وتشترى، اعتادت المخدرات، وأصبحت فريسة الاغتصاب والتحرش الجنسي، واتسمت حياتها  بالفقر والجهل والعنف بمختلف أنواعه، ويضاف إلى ذلك ارتفاع خطر الوفاة أثناء الحمل أو أثناء الولادة، حيث برزت أفغانستان كونها الدولة الأخطر على النساء، والأسوأ من حيث الصحة والعنف وعدم القدرة على الحصول على الموارد الاقتصادية، مع انعدام الحقوق الاقتصادية، ناهيك عن الحقوق السياسية والإجتماعية.
نعم! على الرغم من اعتقاد الأمريكيين بأنهم حرروا المرأة الأفغانية من ظلم حركة طالبان ومنحوها الحقوق وخلع حجابها،  إلا أن الغالبية العظمى من النساء الأفغانيات ما زلن يرتدين الحجاب الإسلامي، وإنه لمن أشباه المستحيل أن تُرى امرأة أفغانية تمشي في شوارع المدن دون لبس الحجاب الشرعي، وهي تعلم أن الحجاب شعيرة من الشعائر الإسلامية الرشيدة وأمر اجتماعي هام لصون كرامة المرأة وحفظ عفافها وحمايتها من النظرات الجارحة والكلمات البذيئة اللاذعة. والذين يدّعون حماية الحريات لا يصدقون أن هناك طرفاً آخر لا يؤمن بما يؤمنون، ولا يريد ما يريدون، فعندما سئلت إحدى المحجبات عن شعورها وهي محجبة قالت: “إن شعوري بحرمتي قد ازداد بعد ارتداء الحجاب، فلقد كانت تعابير وجهي، سخطي، فرحي، حزني، يراها الآخرون ولا استطيع أن أخفيها، أما الآن بعد ارتداء الحجاب فأنا أرى كل الناس من وراء حجابي ولا أحد يراني”.
إن كثيراً من النساء المسلمات يلتزمن الحجاب طواعية، بل مصرات على ارتداء الحجاب، كما فعلت “مروة قاوقجي” إيماناً منها بالحجاب، فجعلت تتحدى به أكبر دولة علمانية في حينها لتدخل مستترة إلى مبنى البرلمان التركي وتعلن للجميع تمسكها واعتزازها بالحجاب الإسلامي، والتي جازفت بفقدان هويتها الوطنية نتيجة رفضها التخلي عنه. وفي بلادنا خلع الشعب الأبي والعلماء العاملون أمان الله خان وحرموه عرش آبائه؛ لأنه سمح لعقيلته أن تخرج سافرة، ولمنعه ارتداء الحجاب في البلد.

هذا وقد أعلنت الإمارة الإسلامية مراراً أنها تعترف بحقوق النساء التي منحتهن إياها الشريعة الإسلامية، وتعتبر المرأة المسلمة بمثابة أم معظمة أو أخت كريمة أو زوجة حبيبة وعزيزة، فينبغي أن لا يتسرب الشك والريبة إلى نفس المرأة الأفغانية في أن الإمارة الإسلامية تعتزم اغتصاب حقوقهن أو نهب رتبتهن أو هتك حرمتهن أو حرمانهن من العمل والتعليم، وكانت الإمارة الإسلامية إبان حكمها قد صانتها من الإهانة وضياع حقوقها الشرعية، وهناك أمثلة لاتعد ولاتحصى.
لقد أًسست الإمارة الإسلامية لبسط الأمن والاستقرار وإصلاح ما أفسده الآخرون في البلاد، فهي لا تريد إهراق الدماء أو إحراق الأرض أو إهدار الممتلكات أو هتك الحرمات، فمنذ اليوم الأول لنشأتها سعت إلى توحيد أراضي البلاد، والقضاء على الفساد بكل أنواعه، وجمع الأسلحة وحصرها في يد الحكومة الإسلامية، والقضاء على طبقة المجرمين وأمراء الحرب، وإنشاء المحاكم وإيجاد نظام إداري لا يشوبه فساد في العاصمة والولايات، والقضاء على زراعة المخدرات بشكل تام، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ونشر العدل والأمن في كافة أرجاء البلاد، وخفض نسبة الفقر والبطالة بقدر الاستطاعة، وإيجاد المراكز الخيرية، وتأسيس المدارس والمساجد والمستشفيات والمراكز الدينية والتعلمية.

إنَّ كثيراً من وسائل الإعلام الغربية تحاول قدر الإمكان إخفاء هذه الحقائق، وتعميتها وتعتيمها على الناس، وخلق حالة من الغبش والضبابيَّة، وتلفيق الأكاذيب والترهات على حركة طالبان والامارة الإسلامية؛ لأنَّهم يعلمون أنَّه لو ظهرت الحقائق، على مرأى ومسمع من هذا العالم، لشهدوا للحركة الإسلامية وللألوية البيضاء الخفاقة رمز الإسلام والسلام بالفضل واليمن والبركة. فعلى سبيل المثال، أجرت مجموعة من النساء الأفغانيات مباحثات غير مسبوقة مع وفد الإمارة الإسلامية في العاصمة النرويجية أوسلو مؤخراُ، وقالت النساء الأفغانيات إنهن ركَّزن على ضرورة حماية حقوق المرأة في أي اتفاق مستقبلي. وقبل ذلك تمخّض مؤتمر باغواش الذي انعقد الشهر الماضي في قطر عن نتائج إيجابية كثيرة من أهمها أن وجهة نظر الكثيرين من المشاركين فيه تغيرت تجاه حركة طالبان الإسلامية، ومن ضمن هؤلاء السيدة ملالي شينواري التي قالت إن وجهة نظرها تغيرت تماماً حيال حركة طالبان. وأضافت: “كنت أعتقد أن أعضاء طالبان لن يتحدثوا معنا أو إلينا ولكن الأمر كان عكس ذلك، فقد تحدثوا معنا وتباحثنا حول قضية حقوق المرأة”.

وقبل الجميع، تشهد ايفون ريدلي (مريم) -التي كانت أسيرة عند الإمارة الإسلامية- أن المعاملة التي لاقتها من طالبان أجبرتها على مطالعة الإسلام، وقد أراد الله أن يشرح صدرها للإسلام، فآمنت بعدما أدركت أن طالبان ليسوا كما وصفهم الإعلام الجائر، فتقول: لقد قضيت 10 أيام بين أناس وُصِفوا بالقسوة والظلم، ولكنهم لم يكونوا أبداً كذلك، إن حبهم وإخلاصهم لبعضهم البعض أثر فيّ كثيراً، لقد كانوا في غاية الإحترام والإنسانية. ومن الأمور الغريبة التي لم تجد لها ريدلي تفسيراً، هو أن المحققين الأفغان كانوا يتحاشون النظر إلى عينيها، وكانوا ينظرون إلى السقف أو إلى الأرض عندما يوجهون إليها الأسئلة، عبر مترجم لم يكمل العشرين عاماً من العمر، ولم تفهم سبباً لذلك، إلا بعد أن اعتنقت الإسلام. وتعرب عن اعتقادها أن المحققين كانوا يتحدثون الإنجليزية، ولكنهم أحضروا المترجم، حتى يعطوا لأنفسهم مساحة أكبر من الوقت.
وتقول: «لقد تأثرت خصوصاً بالقرآن والأحاديث النبوية وكلما تعرفت على الإسلام، تيقّنت أني أكتشف دنياً جديدة، لقد بدأت بالإحساس أن شعوراً جديداً كان يمنعني من الوقوف في مكاني، بدأت بالشعور تدريجياً أن الإيمان يسكن قلبي، شعرت أن الله سبحانه وتعالى كان يزرع الإسلام في كل روحي، وينقيني من دنس الحضارة التي نشأت فيها.
لقد بدأت طمأنينة رائعة في السكون في روحي. لقد كانت هذه الطمأنينة طمأنينة إلهية، حينها أيقنت أن الوقت لإعلاني الإسلام قد حان، فنطقت بكلمة الشهادة وأصبحت مسلمة. لقد أيقنت أن الله قد أوصلني إلى هدايته، ومن حينها وأنا أتلذذ بطعم الإيمان. إن الإيمان بالله، هو أجمل شعور ممكن أن يعيشه الإنسان في هذه الدنيا.  

السيدة ريدلي، تحدثت عن حياتها بعد اعتناقها الإسلام، في مقر صحيفة الشرق الأوسط في لندن وقالت: “إن «النور» الذي كان يشع من وجه رجل دين التقته في جلال اباد، أيام الأسر، والذي جاء إليها في الزانزانة يتحدث عن الإسلام الحنيف كانت «الشرارة» التي جعلتها تهتم بالدين، وأضافت أن الرجل كان يتحدث ببساطة عن الدين الحنيف، ووعدته أن تقرأ القرآن الكريم، إذا ما أفرجت عنها حركة طالبان وأمنت حياتها». وأضافت: “إن حركة طالبان الأصولية كانوا أكثر رأفة ورحمة بها في أيام الأسر، مشيرة إلى أن الملا عمر بنفسه، عندما عرف أنهم يحتجزون صحافية في جلال اباد، أمر بترحيلها إلى سجون النساء في العاصمة كابل، قبل أن يأمر بالإفراج عنها وترحيلها إلى خارج حدود أفغانستان».
وتضيف ريدلي: «عندما عدت إلى لندن سالمة، أيقنت تماماً بأن طالبان حافظت على كلمتها ووعدها بإطلاق سراحي، خاصة عندما بدأت الحرب ضد طالبان، لم يكن يصدق أحد من زملائي أو أهلي بأن يراني حية ترزق. حافظت طالبان على وعدها فشعرت بأنه يجب أن أكون أنا أيضا عند عهدي معهم، فبدأت بقراءة القرآن، ولقد أهداني رجل الدين الذي التقيته في جلال اباد، ترجمة رائعة لمعاني القرآن الكريم ترجمة عبد الله يوسف علي، وشرعت فوراً في تتبع آيات القرآن الكريم التي تتناول أوضاع المرأة في الإسلام، لأنني كنت أتعطش لمعرفة حقيقة ما يزعم من أن الإسلام لا يفي بحقوق المرأة، وللحق لم أجد صدى لذلك بين دفتي القرآن الكريم، فهناك سورة خاصة تحمل اسم سورة «النساء» تتعلق بحقوق المرأة في الإسلام، وما وجدته غير ما سمعته بل هو تأكيد أن الإسلام حفظ لها نفس تلك الحقوق التي كفلها للرجل مثل حقها في التعليم وحقها كمرأة متزوجة، ونصيبها في الميراث وغير ذلك من الحقوق الأخرى. وهناك أيضاً سورة «مريم» التي تتحدث عن براءة السيدة مريم مما نُسب إليها، وتتحدث السورة عن قصة ميلاد المسيح عليه السلام. لقد عرفت أن أول من اعتنق الإسلام امرأة وهي السيدة خديجة زوجة الرسول الكريم، وأن أول شهيدة في الإسلام أيضاً امرأة وهي السيدة سمية زوجة ياسر «ام عمار»، التي ارتبط اسمها بقول الرسول الكريم «صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة». وتقول: «عرفت أيضاً أن الله سبحانه وتعالى جعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وأطلعت على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام عندما جاءه رجل يسأل: من أحق الناس بحسن صحبتي، فذكر الأم ثلاث مرات ثم جاء الأب أخيراً، وعرفت أيضاً أن الإسلام ليس دين عنف وتطرف، بل يكفل حقوق العدالة والجوار، بعد أن أوصى النبي بحقوق الجار». وتتساءل: «كيف لا يحسن المسلم تعامله مع زوجته، إذا كان الرسول الكريم قد أوصى الرجال خيراً بالنساء، وهو يلقي آخر خطبة له في حجة الوداع، بقوله: استوصوا بالنساء خيراً. والتي أوضح فيها جلياً بأنه لا فرق بين النساء والرجال. لذلك ينبغي على الرجل المسلم أن يعطي المثال الحسن للزوج الصالح. ولكن ليس معنى ذلك أن كل الرجال المسلمين أزواج صالحون، أو أن كل النساء المسلمات زوجات صالحات».

فبعد كل هذه الشواهد والتحفيزات من قبل امرأة غربية، هل تبقت لدى الأخت الأفغانية المسلمة أية شكوك في أن تكون حقوقها في ظل الإمارة الإسلامية مهدرة وضائعة؟ أم سيكون جدالها القشة التي تقصم ظهر البعير.
 يقول صاحب الظلال رحمه الله: “فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك.. إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئاً من هذا والله يقول: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن). يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات. أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق! وحين يقول الله قولاً، ويقول خلق من خلقه قولاً، فالقول لله – سبحانه – وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد”!. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.