أزمة البطالة في البلاد .. هل لها من مخرج؟

من المعلوم أن في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل، وهي مبتدأ التلاشي والفناء. وإذا كان العمل رسالة الأحياء فإن العاطلين موتى. وأحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه استغل أوقات الفراغ، لا بالإستفادة منها بعد أن توجد، بل ببذل الجهد الذي يستنفد كل طاقة، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده. فلا يبقى مجالٌ يشعر معه المرء أنه لا عمل له.

من قديمٍ عرف المصلحون أن بطالة الغني ذريعة إلى الفسوق:

إن الشباب والفراغ والجدهْ     مُفسدة للمرء أي مفسدة

ونضم إلى هذا أن بطالة الفقراء تضييعٌ لقدرة بشرية هائلة، وتعطيل لما أودعه الله في العضلات والأعصاب والأفئدة من طاقات مخبأة لو فُجرت لغيرت وجه البلاد.

الشعب الأفغاني الذي أنهكته الحروب يعاني اليوم من الفقر المدقع، وليس لديه من مستلزمات العيش أدنى ما يحتاج. في حين أن الموظف الحكومي العادي يتقاضى راتباً شهرياً يتراوح بين 100 دولار إلى 600 دولار، بينما يتقاضى موظفون آخرون يعملون في الحكومة رواتب شهرية بين 3000 دولار إلى 5000 دولار، وهناك مسؤلون حكوميون يتقاضون رواتب شهرية بين 6000 دولار إلى 20000 دولار أمريكي وفوق ذلك تُمنح لهم إمكانيات وفيرة أخرى مثل جواز السفر السياسي والموائد الباذخة.

يهرب الناس من البلاد ويلجؤون إلى البلاد المجاورة وحتى إلى البلاد الأروبية مع أنهم يواجهون الموت ومعضلات السفر وربما الغرق والحرق وحوادث السير؛ لأنهم سئموا الوعود البراقة التي كان مسؤولوا الحكومة الائتلافية يرفعونها في حملاتهم الانتخابية.

ففي أحدث التقارير سمعنا بهروب جماعي لصحفيين يفوق عددهم العشرين. وتعد هذه الهجرة الجماعية للصحفيين الأفغان وتركهم للبلاد هي الأولى من نوعها منذ اجتياح القوات الغربية الغازية أراضي أفغانستان قبل 14 عاماً، وهي دليل فشل الدول الغربية المتحالفة مع حكومة كابول بالالتزام بتعهداتها بتوفير المعيشة الهادئة والمستقرة للأفغان.

کان المسؤولون يعِدون أبناء الشعب بوعود وعهود زائفة حين تعهدوا بتوفير العيش الرغيد لهم وخفض نسبة البطالة وتوفير فرص عمل طويل المدى وتحسين المستوى المعيشي. وكان الرئيس الحالي أشرف غني -على سبيل المثال- يردد في دعاياته الانتخابية: “لا فرق لدي بين الأفغان، كلهم سواسية تحت رايتي كأسنان المُشط”، وقال أنه سيقرب الهوة بين قصر الرئاسة وبين المسجد، كما كان يطمئن الشعب بتوفير الأمن والعمل على المصالحة، وأنه سيوفر لمليون من الشعب الأفغاني فرصاً للعمل، وأن الحقائب الحكومية سيحيلها إلى مستحقيها، وأنه سيحكم في عهده بالضوابط وليس بالروابط، والأهم في وعوده كلها أنه وعد الشعب بإنعاش الاقتصاد الأفغاني وبحكومة عادلة وذلك لأنه صاحب مؤلف يبحث في إعادة بناء الدول المحطمة.

إن الفراغ والبطالة في أفغانستان ليدمران ألوف الكفايات والمواهب، ويخفيانها خلف ركام هائل من الاستهانة والاستكانة، كما تختفي معادن الذهب والحديد في أعماق المناجم المجهولة. ونتيجة لهذا الضياع الشنيع لقيمة العمل والوقت، ظهرت مصائب لا حصر لها على المستوى النفسي والإجتماعي والسياسي.

ولو أمعنا النظر في تلك الوعود البراقة للمسؤولين لرأينا بأن البطالة لم تنخفض بل انضم مليون من الشعب الأفغاني لقافلة العاطلين عن العمل، ولم يحصل أي تغيير في مستوى معيشة الشعب بل صار حاله من سيء إلى أسوأ، وأنه فقد نصف الرغيف الذي كانوا يسد به رمقه.

لقد اتضح للجميع بأن کل تلك الوعود والدعايات سراب محض، فمع مضي كل يوم يزداد عدد العاطلين من الشباب الذين تخرجوا من الجامعات في البلاد، وهذا العدد سيصل في وقت قريب إلى ملايين من الشباب. فإذا كان الواحد يعمل في عائلة تتكون من عشرين فرداً وفقد هذا الواحد عمله، ألا يُعد فقر وعوز 21 فرداً كارثة اجتماعية وإنسانية؟

كان يجب أن تحل هذه الكارثة حلاً جذرياً ولكنها أهملت وتصاعدت إلى أقصى مستوياتها. فبحسب جداول ومعلومات وزارة العمل والأمور الإجتماعية فإنه يوجد في البلد 12 مليونا من القادرين على العمل وأن 4 ملايين من هؤلاء لا يجدون فرصاً للعمل، وهذا يعني أن 25% من القادرين على العمل لا يعملون ولا يشتغلون.

وعدم وجود فرص للعمل أدى بثلاثة ملايين من الشباب إلى تعاطي المخدرات والحشيش، فبتنا نجد في كثير من المقاطعات -بما فيها العاصمة كابل- ملايين من مدمني المخدرات ومتعاطي الحشيش.

وليست البطالة هي الكارثة الإجتماعية الوحيدة في البلاد فإن هناك ما يقارب مليونين من الأطفال يشتغلون في أعمال شاقة، الأمر الذي يخالف القوانين البشرية. وبعد كل هذه الحقائق نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المسؤول عن كل هذه الكوارث الاجتماعية هم مسؤولوا الحكومة الائتلافية الذين يجب عليهم تلبية مطالب الشعب واحتياجاته. ففي ظل هذه الحكومة العميلة الفاشلة، يسأل المواطن الأفغاني هل لهذه الأزمة الكبرى (أزمة البطالة) من مخرج؟