نموت وقوفاً ونحيا أسوداً

تشکّل أفغانستان معضلة تاريخية للغزاة، فبقدر مايكون غزوها في العادة سهلاً جداً، بقدر ماتكون محاولة البقاء بها أو تغيير واقعها أمراً شبه مستحيل؛ ويعود ذلك في الأساس إلى عدد من العوامل الجيوبولوليتكية من جهة، وإلى طبيعة الشعب الأفغاني من جهة أخرى، إذ يعدّ الأفغاني منذ ولادته مقاتلاً بالفطرة، وقد انعكست وعورة بلاده على شخصيته، كما فرضت عليه الغزوات المتتالية تاريخياً موقفاً مقاوماً حتى ترسخ في نفسه وذاته وأصبحت مقاومة الأجنبي المحتل سلوكاً ذاتياً، يعززه إيمانه بدينه ووثقته بنفسه.

وبقدر مايكون المحتل قاسياً وعنيفاً بقدر ما تكون المقاومة له أشد، وما يميز الأفغان في هذا المجال ليس زخم المقاومة لديهم، وإنما نَفَسها الطويل. وتواجه الولايات المتحدة هذه الحقائق اليوم على أرض الواقع في أفغانستان وهي خائفة من أن تلاقي مصير الأمم التي دخلتها ولم تخرج منها إلا منهارة أو متفككة وآخرهم الاتحاد السوفييتي.

یهتف کل أفغاني مضطهد بعدما ذاق الأمرّين من المحتلين: أيها المحتلون الغاصبون! أخرجوا من أوطاننا وديارنا واتركوها لأهلها، فلقد رأينا منكم الظلم والفقر المدقع، وشاهدنا الدمار والخراب، وأصبحت مدننا وقرانا أطلالاً وأهلها مشردين ونساءها ثكالى، فماذا بقي لنخاف منه؟

هل عندكم أشدّ من الرصاص؟ فقد فتحنا له صدورنا.

والقنابل؟ قد أعددنا أنفسنا لنأخذ دورنا.

هل عندنا أغلى من الأرواح؟ لقد بذلناها ثمناً للاستقلال.

ثمن المجد دمٌ جُدنا به                فانظروا كيف دفعنا الثمنا

كيف سقينا بدمنا جبال الهمالايا والهندكوش، وجنان قندهار ولوغر ووردك وغزني، وبطاح نيمروز وهلمند وأرجاء هرات وقندوز وبانجشير وخوست وجلال آباد و… ! فالأرض التي تُسقى بالدم لا تُنبت إلا العز والاستقلال.

ألم يقل لكم أحد: إن الدم الأفغاني حار مثل الدم الأمريكي، وإن لشهدائنا آباء وأمهات يبكون ويتألمون ثم يصبرون أو يقدمون وينتقمون، كما هو وضع الآباء في أميركا؟

فإذا كانت ثورتكم الكبرى التي تعتزون بها قد أثمرت – كما تزعمون – قوة أمريكا، فإن ثمرات ثورتنا ستجيء حين يجيء موعدها.

فاملؤوا مخازن الدبابات، واقتلوا منا المئات، واكذبوا وانشروا ما شئتم، فكل ماهو آتٍ آتٍ.

إن الهرة إذا حُبست وضويقت انقلبت لبؤة، والبركان إن سُدت فوهته كان الانفجار، والشعب إذا استذل ثار، والنار ولا العار، وللشهداء عقبى الدار.

أم غاب عنكم التاريخ؟

تعالوا معي لنقرأ ما كتبه المسيو لومارشان Le Marchand أحد ضباط جيش فرنسا ومن أعضاء الأكاديمية العسكرية في كتابه «حرب الإنكليز مع الأفغان» الذي ظهر سنة 1879 ما يأتي تعريبه ملخصاً، ونحن نقلناه من حواشي شكيب أرسلان على “كتاب حاضر العالم الإسلامي”:

«إن مبدأ علاقة إنكلترا مع أفغانستان كان في القرن التاسع عشر، وذلك عندما أرسل نابليون الأول “الجنرال غاردان” لمفاوضة العجم في عقد محالفة بينها وبين فرنسا، لأجل فتح الهند، فلما بلغ الإنكليز ذلك أسرعوا بإرسال وفد إلى كابول ليتخذوا من الأفغان ردءًا ضد العجم، وكان يومئذٍ في كابول أمير عليه لقب شاه مثل شاه الفرس فحصلت عليه ثورة، واستولى على الملك أخو الصدر الأعظم الذي كان عند ذلك الشاه وفر أخو الشاه الأفغاني إلى الهند، ملتجئاً إلى الإنكليز مستمداً نصرتهم لاسترداد ملكه، كما أن أمير الأفغان الجديد، وهو المسمى دوست محمد خان، عقد حلفاً مع الروس فكان عمله هذا كافياً لتجريد حملة إنكليزية على أفغانستان سنة 1839.

وكان قد سبق الحملة إلى كابول السائح الإنكليزي المشهور برنس Burnes لیقاوم فیها دسائس الضابط فيكوفيتش الروسي فلما رجع برنس إلى الهند أقنع ” اللورد أوكلاند” بوجوب الزحف وإعادة الشاه القديم شجاع الملك، ولكن ما أعيد الشاه المذكور حتى وجد الإنكليز حاجة ماسة إلى تعزيزه بجيش عظيم، لما كان قد انتشر في البلاد من الفوضى؛ وظهر من عدوان الأهالي للإنكليز.

وفي سنة 1841 شبت نار الثورة في كابول، وقتل فيها المعتمد البريطاني، وعدد من ضباط الإنكليز، ثم اضطر القائد الإنكليزي بالنظر إلى تحرج موقعه، إلى طلب الأمان على نفسه وعلى جنده، على أن يخرج من البلاد بدون توقف لا يلوي على شيء، وهكذا خرج في أشد زمهرير الشتاء، وكان ما كان من الملحمة المشهورة التي استأصل فيها الأفغان 16 ألف أو 17 الف جندي إنكليزي ليس منهم سوى 4 إلى 5 آلاف مقاتل، وذلك في كمين نصبوه لهم في « خورد کابول» فلم ينج سوى الطبيب العسكري “بريدون Bridun الذي فر إلى جلال آباد ليخبر قومه بالفادحة العظمى.

ثم إن الأفغان تقدموا وحصروا جلال آباد التي كانت فيها حامية إنكليزية، فقاومتهم زهاء شهرين إلى أن زحف “الجنرال بولوك” من الهند فأنقذها. ثم بعد مدة زحف الإنكليز بحملة عظيمة على كابول ونسفوا قلاعها، ودار الملك وأخذوا بثارهم عما سبق (قال): وقد أردنا الإشارة إلى هاتين الحملتين اللتين تقدمتا للإنكليز في أفغانستان لما لهما من العلاقة بالحرب الحاضرة (أي سنة 1878 إلى سنة 1880) كما أنه لا يخلو من الفائدة معرفة ما يعترض جيشاً أروبياً يريد التوغل في تلك الديار من العقبات الصعاب وما يستجلب النظر من كون كتائب العساكر الأفغانية التي كان الإنكليز قد كتبوها واستخدموها وظنوها أصبحت من جملة جيشهم قد انقلبت عليهم وكانت أشد أعدائهم وطأة في تلك الحرب». انتهی

أيها المحتلون الغاصبون مالكم لا تفقهون؟ أم أنكم تتجاهلون ولا تجهلون؟ افهموا شيئاً واحداً يكفيكم عن أشياء وهو شيء هام وفي غاية الأهمية ألا وهو أن الشعب لا يريدكم؛ بل الشعب المؤمن الباذل السخي البطل، الذي بذل الغالي والنفيس، إنما يريد المجاهدين، يريد رجالاً يحكمون بشرع الله، يريدون دولة مسلمة وإمارة إسلامية كي تصون دينهم وإسلامهم وشرائعهم من كيد الكائدين وانتحال المبطلين.

لا يريدكم فإنكم أفسدتم الشبان بالملاهي والمغريات عبر الفضائيات والقنوات التي دشنتموها في بلاد الإسلام، قنوات الدعارة ومواقع المجون والفساد التي أبادت الحياء والعفاف، ونفّرت البنات من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات حتى بتن يهربن من بيوتهن إلى ما لا يعرفن تبعاته.

وأبعدتم الشباب من المساجد والذكر والصلاة، وأفسدتم خلقهم بالمجون والبرامج الخلاعية، ووفرتم الأفيون والمخدرات حتى أن أكثر من 3 ملايين شخصاً باتوا يتعاطون المخدرات.

إن اللجوء إلى هذه السفينة الغارقة، سفينة الغرب المحطمة، يغرقنا مع الغارقين، فعلينا أن نهجر تبعية الغرب في التفكير، والتعليم، والتربية، ونضع مناهجها ومخططاتها بحرية حسب مايملي علينا الإسلام، وتفرضه علينا النتائج والمشاهدات التي لامراء فيها. فهذا أمر بات الشعب يدركه شيئاً فشيئاً ويمقت الاحتلال.