الافتتاحية: قبر جديد تحفره أفغانستان للاحتلال!

يعيش المحتلون في أفغانستان حياةً لا يُحسدون عليها من “الخوف” و”اللا أمن”، فلا يكاد أحدهم يتحسس رقبته صباحاً حتى يكون مسجّى في نعشه مساءاً بهجوم يشنّه الرجال المتلفّعون بالبسالة والإباء. وما مَثَل الاحتلال في أفغانستان إلا كغريق مشرف على الهلاك وهو يعاند ويكابر ويقول للمسعفين حوله “أنا بخير”!.

إن مسارعة الاحتلال إلى “تقليص” عدد جنوده في أفغانستان عام 2014م ما هي إلا محاولة من سلسلة محاولاته العابثة لتقليل حجم الخسائر اليومية التي كبّدها إياه أبطال الشعب الأفغاني المجاهد، وذلك بإبقاء جنود الاحتلال الأجنبي بعيدين عن سعير القتال الملتهب، وقصر تواجدهم في القواعد الكبيرة والمراكز الأمنية شديدة التحصين، والزّج بالمغفّلين والحمقى من الأفغان إلى خطوط القتال الأولى ضد المجاهدين من أبناء شعبهم. لكن يقظة المجاهدين -بعد فضل الله تعالى- أنست المحتلين وساوس الشيطان، فبعد أن كان المحتلّون يتجشمون عناء نقل جثث قتلاهم بالمروحيات من ميادين المعارك؛ صارت جثث قتلاهم تتناثر بينهم بالمجان في قلب قواعدهم الأمنية وداخل مراكزهم المحصّنة.

نعم؛ لقد كسر المجاهدون الأحزمة الأمنية ووصلوا إلى عمق تواجد المحتلين، فلا القواعد الحصينة حفظت ماء وجوههم الشوهاء، ولا “التقليص العددي” الكاذب أنجى جنودهم من الموت، وليس عنّا ببعيد قتلى العملية الاستشهادية على المحتلين في ولاية بروان، وعملية استهداف سفارة المحتلين الإيطاليين في كابل.

هاقد مضى أكثر من 14 عاماً منذ أن اعتدى الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه على شعبنا في أفغانستان، فمالذي حقّقه هذا الاحتلال الهمجي البربري الدموي؟

إن الجيش المحلّي الذي أسّسه الاحتلال وأنفق ملايين الدولارات على تسليحه وتجهيزه؛ بات جنوده اليوم يسارعون إما للالتحاق بمآسد المجاهدين المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ومعهم أسلحتهم التي سلّمها الاحتلال لهم، تائبين من خيانة دينهم وإخوانهم وأرضهم، أو للانقضاض على فرائسهم المحتلّة وقتل الجنود الغربيين من داخل صفوفهم، حتى بات من المعتاد أن نسمع عن مقتل جندي أجنبي على يد رفيقه الأفغاني؛ وهو ما دعى المحتلّين إلى تجريد الجنود الأفغان من الأسلحة عند اجتماعهم بهم أو تدريبهم بأسلحة بلاستيكية غير حقيقية.

أما البقيّة الباقية من الجيش الأفغاني المتهالك فهي من فئة الفاسدين والمنبوذين أصلاً من المجتمع الأفغاني، والتي لا تقوى على الصمود أمام ضربات المجاهدين، ولا أدلّ على ذلك من تزلزلهم أمام هجمات المجاهدين المتواصلة في ولاية هلمند، وفرارهم كالأرانب المذعورة طالبين العون والمدد من سادتهم الأجانب، الأمر الذي سارع بتلبيته الأسياد خشية وقوع الولاية تحت سيطرة المجاهدين بشكل كامل على غرار سيطرتهم على ولاية قندز قبل بضعة أشهر.

لقد مارس المحتلون بحق الشعب الأفغاني -على مدى ربع قرن- أبشع أنواع الظلم وأحط الممارسات وأوضع الأساليب طمعاً في تطويعه وتدجينه، لكن المجازر لم تفتّ في عضده، ولم تشترِ الدولارات ذمّته، ولم يخضع طوال سنين الاحتلال العجاف ولم يذل ولم يعطِ الدنية في دينه. فهل يظن الأمريكان الأغبياء الأجلاف أن هذا الشعب سيسلّم لهم قياده، بعد هذا كله، وقد بذل ما بذل من دمائه ودماء أبنائه ولم يعد هنالك ما يخاف منه أو يخاف عليه؟!

إن العقلية الغربية المتعجرفة التي بدأت حربها على هذا البلد الإسلامي الفقير لتقف اليوم عاجزة عن تفسير سبب الانتصار الذي حقّقه أبناء هذا الشعب المجاهد على قوى أكثر من 49 دولة صليبية معتدية، وهو ما يصفه د.أكرم حجازي بقوله: “لعل أعجب ما في الأفغان أن الناظر إليهم يحسبهم بدائيين وهم يصارعون أعظم القوى المدججة بالعلم والتكنولوجيا، وما أن يبدأ النِزال حتى يكتشف الخصم أن عقولهم أشد تطوراً وتعقيداً وفتكاً مما لديه من أسلحة. فما العمل مع هكذا أناس؟”.

لكن صدق الإيمان بالله تعالى والتوكّل عليه يفعل الأعاجيب في دنيا البشر، خاصة إذا ما خالط نفوساً نقيّة لم تلوّثها ثقافة الغرب الكافر يوماً كحال الشعب الأفغاني.

وما من خيار آخر أمام الاحتلال الأمريكي اليوم سوى تدارك خطأه والنجاة بنفسه بتعجيل خطى خروجه من أرض الأفغان، أو فالقبر الجديد الذي تعدّه مقبرة الغزاة بات في شوق شديد لهم.