12112198 717606468340508 5343217677031003181 n

أسباب النصر المعنوية في الجهاد

إن الحرب بين الحق والباطل قائمة إلى أن تنتهي الحياة البشرية. وإنه في كل معركة لابد من وجود منهزم ومنتصر، ولكنّ كثيراً من الناس يعزو النصر أو الهزيمة لأسباب مادية بحتة دون النظر في الأسباب الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية كالأسباب المعنوية، مثل: طاعة الله تعالى أو معصيته أو التوكل عليه أو غير ذلك.

ومن هذه المفاهيم الخاطئة: عزو النصر للقوة المادية فقط، فالجيش الذي يملك القوة الكبرى هو المنتصر دائماً، وكأنها قاعدة ثابتة لا تتغير، مع أن الله عز وجل غيّر هذه القاعدة يوم بدر ليبيّن أن النّصر أو الهزيمة بيده سبحانه.

فالنصر لا يملكه أحد من البشر، ولو كان يملك أقوى سلاح، ولكنه بامتلاكه للسلاح يمتلك سبباً من أسباب النصر لا النصر.

وإنّ هذا المفهوم هو ما يهدف القرآن الكريم إلى زرعه في النفوس ليبعث فيها ضرورة التوكل عليه سبحانه، لأن النفس البشرية تتعلق بمالك نصرها وعزتها، ولهذا نجد الكثير من الناس يلجؤون إلى بعض الدول التي تملك قوة عسكرية كبيرة ظناً منهم بأنهم بذلك يضمنون الانتصار على عدوّهم.

والنصر قد يعطيه سبحانه للمؤمنين، وقد يمنعهم منه، وكلٌ بأسبابه، وعلى المسلمين التنقيب والبحث عن هذه الأسباب بجدية، لإزالة العوائق الواقفة في طريق النصر، فللنصر أسبابه التي إن وُجدت وُجد معها، وإن انعدمت انعدم معها.

وفي هذه العجالة نسعى لعرض أسباب النصر المعنوية التي تساهم بإعادة هذا الكيان الإسلامي إلى سابق مجده وعزه، والله الموفق:

1 – الإيمان بالله تعالى

وهو الركن الأول والأهم في أسباب الانتصار، وهو الرّكن الذي من بعده ننطلق إلى التحدّث عن باقي الأركان، لأنه هو الأساس القائم عليه النّصر، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج:40.

وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد: 7.

فالشرط الأول: هو نصرة دين الله تعالى، ولا تقوم هذه النصرة إلا على الإيمان به تعالى، ولقد دعا الله عز وجل إلى الإيمان به فقال سبحانه: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. الحديد: 7. وقال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} التغابن:8.

ونهى عن الشرك وحذّر منه فقال: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا}. الإسراء: 22. وقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} النساء:36.

وجعل عاقبة الشرك الخسران المبين في الدنيا والآخرة فقال عز وجل: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.

وهذه قاعدة مُطّردة: أن الكفر يُحبط العمل ويسبب الخسران.

2 – الطاعة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام

أمر الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وجعلها الصفة المميزة للمؤمن فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} الأنفال:1.

فجعل طاعته سبحانه وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام علامة للإيمان، فلا يعتبر العاصي مؤمناً.

3 – إقامة أركان الإسلام والإيمان

قال تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. النمل: 2-3.

ففي هذه الآيات بيّن سبحانه أن الإيمان ينقسم إلى قسمين:

قسم علمي: وهو ما يسمى بأركان الإسلام كالصلاة والزكاة.

وقسم عقائدي: كالإيمان بالرسل والكتب السّماوية واليوم الآخر.

4 – الجهاد في سبيل الله تعالى

فالمؤمن حاملٌ لدعوته، يريد نشرها بكل وسائل النّشر، وقد يعيقه بعض أولياء الشيطان من الكفرة، فحينئذ لا بد من اللجوء إلى القوّة والجهاد لإزالة هذه العوائق والقيام بالدعوة بحرية تامة.

قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. الحجرات:15.

فجعل سبحانه الجهاد في سبيله من كمال الإيمان، بحيث لو ترك لكان الإيمان ناقصاً، كما جعل من شروط تحقق النصر الجهاد، فكيف لقوم أن ينتصروا إن لم يجاهدوا؟ {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}. التوبة: 14.

5 – التوكل على الله تعالى

أمر تعالى بالتوكل عليه، وبيّن أنه من صفات المؤمنين فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. آل عمران: 122. ولكن أصبح التوكّل عليه في عصرنا يعني عدم العمل من المسلمين؛ بدعوى التوكل على الله سبحانه وتعالى. وهذا مفهوم خاطئ إذ التوكل لا ينافي العمل، بل المطلوب العمل من المؤمنين، والتوكل عليه سبحانه في توفيقهم، وإصلاح أمورهم. قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. التوبة: 105. وقد أمر به سبحانه في محكم آياته ولا يأمر سبحانه بالتضاد.

وهذا مفهوم أيضاً من قوله عليه الصلاة والسلام ( اعقلها وتوكل) رواه الترمذي، أي اعمل أولاً ثم توكل على الله تعالى.

6 – الخوف من الله تعالى

من صفات المؤمنين الخوف من الله تعالى ومن عذابه؛ لأنهم لا يأمنون من جانبه، فهم في حالة خوف دائم، يدفعهم إلى الاستزادة من الطاعة له، ولا يحبط همهم ولا يقنطهم، وإنّما يدفعهم إلى الأمام، فالخائف يعمل على إرضاء من يخافه، ولا يكسل ولايقنط. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }. الأنفال: 2-3.

7 – الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

لقد جعل الله تعالى ميزة هذه الأمة أنها لا تدع الفساد ينتشر فيها، بل تهبُّ مسرعة للقضاء عليه. قال سبحانه مادحاً لها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. آل عمران: 110.

كما بيّن تعالى أن من صفات المؤمنين نساءً ورجالاً الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة:71.

8 – التّوبة إلى الله تعالى

خلق الله عز وجل الإنسان، وأوجد فيه الخطأ، ولا ضرر معه ما بقي يتبعه بالاستغفار.

قال عليه الصلاة والسلام: “كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون”. أخرجه الترمذي وابن ماجة.

فالمؤمن يجب أن يكون في حالة مراقبة تامّة لأحواله وأفعاله، وإذا ما راقبها ووجدها تخطئ، فعندئذ يسرع بالتوبة إلى الله تعالى نادماً على ما صدر منه في لحظة غفلة منه، وقد مدحهم الله تعالى بهذه الصفة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. التوبة: 111-112.

9 – الإخلاص

بعث الله عزّ وجل أنبياءه موحدين عابدين، وأمرهم بالإخلاص، ونهاهم عن الشرك به فقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}. الزمر:2. وقال:{ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}. الرعد:36. وقال: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}. الحج:26. وكما أمر به الأنبياء، أمر به المؤمنين فقال:{ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. الأعراف:29. وقال: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. غافر:14.

وكثيرة هي الآيات التي تأمر بالإخلاص له سبحانه، وخاصّة في مجال الجهاد، فقد بيّن تعالى أنّ من صفات المؤمنين القتال في سبيله وحده، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}. النساء:76.

وقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}.المائدة: 54.

10 – الطاعة للقيادة المؤمنة

أمر تعالى بطاعة أولي الأمر من المسلمين؛ لأنهم يقومون مقام الأنبياء في تحمل المسؤوليات، فكان من الواجب أن يمنحوا حقّ الطاعة قال سبحانه:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}. النساء:59.

والمراد بأولي الأمر أمراء السرايا والعلماء.( زاد المسير لابن الجوزي، ج1، ص116).

11 – ذكر الله تعالى

أمر الله عز وجلّ المؤمنين بذكره في كثير من الآيات. فقال سبحانه:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}. الأحزاب:41. وحث عليه في مواطن القتال فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. الأنفال:45.

هذه عدة أسباب لجلب النصر في الجهاد، وهي تلعب دوراً كبيراً في إحراز النصر؛ لذلك يلزمنا أن نجتهد بكل إخلاص لتحقيق هذه الأسباب.