مؤامرةٌ أحبطتها صيحاتُ التكبير

بقلم: سيف الله الهروي

ممّا لا شكّ فيه أن القوى الاستعمارية الاستكبارية في العالم لا تريد أبداً الاستقرار والاستقلال للشعوب والبلاد الإسلامية، فما إن يشعروا بنهوض أو تقدم في بلد، حتى يبدأون بالتخطيط لزعزعة أمنه، ولإشعال نيران الأزمات السياسية فيه بتدخّلاتهم العابثة ومؤامراتهم البغيضة وبالانقلابات العسكرية التي يدعمونها.

احتلّت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان ثمّ احتلت العراق بذريعة مكافحة الإرهاب، وكان المغفّلون والبسطاء في العالم الإسلامي مغترّين مخدوعين بهتافاتهم الكاذبة وشعاراتهم المزيّفة من الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، زاعمين بأن هذا الحشد العسكري الأمريكي إنما هو ضدّ جماعة خاصة، أو ضدّ رئيس معيّن دون غيرهم!

ثمّ لمّا ثارت الشعوب الإسلامية ضد الطغاة والمستبدّين في السنوات الأخيرة في كثير من البلاد العربية، فوجئ الجميع بالتصرفات المتناقضة للولايات المتحدة الأمريكية مع هذه الثورات، حيث وقفت في أبشع خطوة وأشنعها بحانب الطغاة المستبدين، ودعمتهم ضدّ أبسط مطالب الشعوب!

لكنّ الذي أثار دهشة العالم واستغرابهم جميعاً في هذه الأيام هو قيام الولايات المتحدة بالتخطيط لزعزعة الأمن في “تركيا” التي تعتبر حليفة من أبرز حلفاء الأمريكان منذ عقود، من خلال الانقلاب العسكري الذي فشل.

فالإنقلاب العسكري الأخير الذي فشل في تركيا مستحيل أن يجري إلاّ بالضوء الأخضر من البيت الأبيض، وهو نموذجٌ في الحقيقة – إضافة إلى إثارة ملفّ الانفصاليين في شرق تركيا – للتلاعبات الأمريكية بشأن زعزعة الأمن في تركيا وإدخال هذا البلد في أزمة سياسية تُوقف عجلات الرقي والتقدم الاقتصادي فيه، وتجعله عرضة للتلاعبات الأجنبية والعواصف الأمنية.

من تتبّع التاريخ المعاصر لتركيا وجد أنّ هذا البلد حقق في ظلّ حزب إسلامي يحكمه (بغضّ النظر عن تصرفاته وسياساته)، من النموّ الاقتصادي والنفوذ السياسي في العالمين العربي والإسلامي ما لم يُحققه خلال عقود من سيطرة العلمانيين والعسكريين، وهذا ممّا لا يعجب حلفائه المتغطرسين من الدول الصليبية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن وقوف تركيا بجانب الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقهم أحياناً خلال السنوات الأخيرة أثار قلق المنظّمات الصهيونية في العالم.

ومن جانب جرّب الشعب التركي المسلم عبر تاريخ صحوته الإسلامية عدّة انقلابات عسكرية، وتعلّم منها دروسا كثيرة نفعته في إفشال الانقلاب الأخير، من أهمّها إعداد وتحصين الشعب وتوعيتهم فكرياً وعقدياً لمواجهة الأيادي الأثيمة الخائنة التي تريد تدمير البلد من الداخل.

لقد اندهش العالم كيف نزل الشعب التركي المسلم الغيور إلى الشوارع، وكيف لبّوا نداء رئيسهم في منتصف الليل، وكيف رفعوا صيحات التكبير! وكيف تعالتْ أصوات وهتافات التكبير من المآذن ومكبّرات المساجد! وفي الحقيقة هذه الصيحات هي التي أفشلت الانقلاب الأخير، وهذه الصيحات هي التي أحبطت هذه المؤامرة، ونفخت في الشعب غيرة الوقوف ضد خونة الدين والوطن، وأثمرت لهم انتصاراً أبهر العالم كله.

يجب أن نعترف بصراحة أنّ النصر الإلهي والغیرة الدينية للشعب التركي أنقذا هذا البلد من مصير مجهول، ومن مؤامرة بغيضة، ومن انهيار أمني، ومن أزمة لا تحمد عقباها. واليوم أصبح واضحاً كالشمس في رابعة النهار لهذا الشعب وللشعوب الإسلامية كلّها أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تسعى بقوّة لتدمير وتخريب البلاد الإسلامية بغضّ النظر عمّن يحكمها؛ كما أصبح واضحاً للجميع أن القوة الإيمانية لدى الشعوب الإسلامية أقوى سلاح، وهو السلاح الذي لن يقابله سلاح آخر، وأنّ أيّ شعب تسلّح بهذا السلاح واتّحد، لن تقهره الدبابات ولا الصواريخ، فكيف إذا اتحد العالم الإسلامي كله؟

ففي الإنقلاب الفاشل الأخير في تركيا درسٌ لجميع الحكومات والشعوب الإسلامية أيضا بأن قوّة الشعوب الإيمانية أقوى من الجيوش الصليبية المحتلّة وعملائها، وأنّ الشعوب الإسلامية إذا اتحدت على وعي لن تغلبها قوّة عسكرية في العالم.

ويتحتّم الواجب الأساسي على قادة تركيا في هذه الظروف الصعبة أن يتعلّموا من هذه الحادثة دروساً تتقدم بهم إلى الأمام، وأن يتعلّموا دروس الوعي والحذر وإعداد القوة، وأن يُقدّروا مطالب شعبهم المؤمن المتدين الذي هو أهمّ سلاح موجود عندهم ويهتمّوا بهم وبمطالبهم الدينية، وأن يستخدموه في الدفاع عن دين الله وشريعته، وأن ينتهوا عن كثير من تصرفاتهم وسياساتهم التي تُغاير الدين والإيمان وتعاليم الشرع المبين. وليجعلوا نصب أعينهم قول الله تعالى: “وإن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم”.