اقتتالهم على السلطة أفقدهم الأرض

بقلم: صلاح الدين مومند

في الأونة الأخيرة تفاقمت الأزمة بين رأسي الحكومة أشرف غني ومنافسه في انتخابات الرئاســة عبدالله عبدالله -الرئيس التنفيذي- بعدما طالب الأخير، في خطابٍ ألقاه أمام مؤيديه، الرئيس غني بعدم التفرد بالسلطة حسب الاتفاق الموقع بينهما برعاية الحَكَم العدل وزير الخارجية الأميركي جون كيري.

وأيّد هذا المطلب أنصاره ومؤيدوه ومنهم يمينه وعضده حاكم ولاية بلخ والنائب الأول لحزب الجمعية الإسلامية الأفغانية عطا محمد نور الذي لم يستطع أشرف غني بكل ما أوتي من قوة عزله من منصبه منذ توليه الرئاسة. ووصف نور أشرف غني بأنه «لا يلبي طموحات الشعب الذي يريد إقالته»، كما طالب نور الرئيس غني باحترام اتفاق الشراكة مع عبدالله، واتخاذ القرارات الخاصة بالحكومة والدولة والسياسة الخارجية بالتشاور بينهما.

وهناك احتجاجات من الشعب أيضا تنبئ بالغضب وعدم الرضا عن هذه الحكومة ذات الرأسين، ولاشك أن الاحتلال أتى بهما لخدمة نفسه ولم يأتِ بهما لإحلال الأمن والاستقرار، كما أن الاحتلال لم يسوّد القانون ويكافح الفساد، بل إنه جعل الفساد يتأصل ويتفاقم في حكم عملائه، وجعل الانتهاكات الأخلاقية تنتشر، لاسيما انتهاكات حقوق الإنسان. وإن دعاياته التي كان ينادي بها من استتباب الأمن والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتوفير فرص العمل، ذهبت أدراج الرياح، حيث تحولت الديمقراطية إلى حكم جوقة من الفاسدين والمرتشين العملاء لا يستطيعون فعل شيء تجاه البلاد والعباد. ونحن جميعاً نعلم أن كل سفينة تحتاج إلى ربـّان واحد فقط كي يسيّرها ويدير أمورها للوصول بها إلى بر الأمان بقوة وإخلاص، ولو وجدت سفينة بربـّانين فسيكون هناك اختلاف بينهما في تسيير أمور هذه السفينة، لأنه سيكون لكل واحد منهما رأي مغاير عن الأخر، مما قد يقود السفينة إلى الغرق والهلاك!

من جانب آخر يقول المحللون إن كرزاي كذلك يعمل على زعزعة استقرار حكومة خلفه أشرف غني. وقالت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية: “إن اللقاءات العديدة التي يجريها كرزاي يومياً مع سماسرة السلطة وشيوخ القبائل والمسؤولين الحكوميين والزعماء الدينيين والمهنئين الذين يسترجعون معه ذكرياته القديمة في السلطة، تثبت جميعها أن كرزاي لم ولن يتوقف عن المراوغة في السياسة”.

وأضافت:”إن منتقدي كرزاي -خاصة أولئك المقربون من الرئيس غني- يتهمونه بالعمل من وراء الكواليس لزعزعة استقرار الحكومة واستغلال الأزمة التي تمر بها البلاد من أجل العودة للسلطة. ويقولون إن كرزاي يعمل بنشاط من أجل تقويض الرئيس غني والحفاظ على قطب بديل من النفوذ السياسي والمحسوبية، بل ويشجع التحركات الاحتجاجية التي تعمّ البلاد حالياً ويخشى البعض من أن يتحول ذلك لأعمال عنف”. كما تساءلت الصحيفة أيضاً عن الهدف من وراء سعي كرزاي لزيادة الضغط على الحكومة الأفغانية الحالية إذا لم يكن يهدف حقاً للعودة إلى السلطة كما يقول؟! وأشارت إلى أن إدارة الرئيس غني ربما تواجه بالفعل أزمة وجودية يمكن أن تبلغ ذروتها في أقرب وقت الشهر المقبل.

وأوضحت (نيويورك تايمز) أنه مع نهاية شهر سبتمبر ستصل الحكومة الأفغانية لنهاية المهلة المحددة للإيفاء بالتزاماتها في الاتفاق السياسي الذي تم برعاية وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بعد الكارثة الانتخابية في عام 2014م.

واستطردت الصحيفة: “أن ما تشهده أفغانستان حالياً ما هو إلا بداية لفترة أسوأ من عدم الاستقرار، فالأوضاع الأمنية في البلاد تزداد سوءاً على الرغم من زيادة الدور العسكري الأمريكي في الأعمال القتالية.، فقد تمكنت حركة طالبان من السيطرة على عدة مديريات، بل وتهدد بالاستحواذ على المزيد”.

وفي صحيفة لوس أنجلوس قال الكاتب أندرو باسيفيتش أخیراً أن حرب أفغانستان ستبلغ عامها السادس عشر قبل يوم الانتخابات الرئاسية الامريكية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وإن الرئيس الأميركي القادم سيرث هذه الحرب التي يمكن القول عنها حرفياً إنها الحرب التي لا نهاية لها.

وأورد أن الولايات المتحدة وحلفاءها لم ينجحوا في أي مجال بأفغانستان رغم “التضحيات” الكبيرة والإنفاق الذي زاد على تريليون دولار. فالحكومة الأفغانية الآن تعتمد في الإنفاق على أنشطتها بنسبة 70% على المعونات الخارجية، ولم تظهر أي قدرة على الاعتماد على نفسها، ومحاربة الفساد لم تأتِ بنتيجة، وزراعة الأفيون في ازدهار حيث بلغت نسبة مساهمة أفغانستان في الإنتاج العالمي من الهيروين 90%، وحركة طالبان أصبحت أقوى من قبل.

فبعد أن قامت الولايات المتحدة رسميّا بانفاق ما يزيد عن 650 مليار دولار في حربها ضدّ حركة طالبان، هذا إضافة إلى 150 مليار دولار ساهمت بها دول أخرى حليفة، تبقى أفغانستان فوضى عارمة. فالرشاوي والمحسوبيّة متفشية كالوباء، ومئات الملايين من الدولارات قد انتُزعت من المساعدات المخصصة للشعب والبلد لجيوب المسؤولين الفاسدين.

ومن ناحية أخرى أعلنت الأمم المتحدة أن بعثة مشتركة تضم مسؤولين رفيعي المستوى من المنظمة الدولية ومنظمة التعاون الإسلامي قامت بزيارة أفغانستان أخيراً بهدف تقييم الاحتياجات الإنسانية في البلد الذي يعاني من الصراع. وأضافت الأمم المتحدة -في بيانها- أن المدنيين في أفغانستان لا يزالون يتحمّلون العبء الأكبر للنزاع الذي نمى واتسع نطاقه، والذي يؤثر على حياة ما يصل إلى 6.3 مليون أفغاني على الأقل، لافتة إلى أن ما يصل إلى 210 آلاف من الأفغان قد نزحوا حديثاً داخل البلاد وذلك خلال العام الجاري فقط 2016م.

وأكدت المنظمة أن نحو ثلث سكان أفغانستان في حاجة إلى المساعدات الإنسانية وأن الوضع يزداد سوءاً عاماً بعد عام، مشيرة إلى تزايد الخسائر في صفوف المدنيين، حيث سجل تقرير الأمم المتحدة في منتصف العام الجاري أن عدد الضحايا من المدنيين الأفغان بلغ 5166 قتيلاً وهو الأكبر منذ عام 2009م وثلثهم من الأطفال، بينما بلغ إجمالي عدد الإصابات في صفوف المدنيين منذ عام 2009م نحو 63.934 مدنياً.

وعلى الصعيد نفسه، صرح مسؤول في حلف شمال الأطلسي أن قوات الأمن الأفغانية تتكبد خسائر كبيرة بسبب هجمات حركة طالبان مشيراً إلى أن حصيلة قتلى وجرحى الجيش من الجنود في 2015م أسوأ من أرقام العام الماضي. وتقدر السلطات الأفغانية عدد القتلى من رجال الشرطة والجنود بخمسة آلاف في 2015م، وعدد الجرحى بـ 15 ألفاً.

وقال البريجادير جنرال تشارلز كليفلاند الناطق باسم عملية الحلف الأطلسي «الدعم الثابت» أن «ما نعرفه هو أن وتيرة الخسائر الأفغانية هذه السنة أكبر». وأضاف: «نحن قلقون من هذه الخسائر الكبيرة ». وذكرالحلف في رسالة إلكترونية أن الخسائر سجلت ارتفاعاً بنسبة حوالي عشرين في المئة هذه السنة، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.

هذا ويتزامن ذلك مع تقهقر القوات الحكومية أمام هجمات قوات الإمارة الإسلامية في مناطق عديدة. والتقاريرالإعلامية ترصد الالتحاق المتزايد من قبل الفارين من الجيش بصفوف الإمارة الإسلامية بكل ما يحملونه من أسلحة وعتاد ومعلومات أخرى، بل وبعضهم ينفذ عمليات لصالح الجهاد في معسكرات الجيش، وكثيراً ما يفتحون النار على الجنود الأمريكيين قبل الفرار. وإذا كان بعض من الجنود والضباط لم يستهويهم القتال في صفوف الإمارة الإسلامية فإنهم يبيعونها أسلحتهم وكل ما يملكون من عتاد. يقول جندي تخلى عن خدمة الاحتلال وباع للحركة بندقيته، الكلاشينكوف، وسترته الواقية من الرصاص: “أعرف الكثيرين باعوا أسلحتهم، الكل يفعل ذلك حتى بعض الضباط”. وأضاف: “البعض باعوا سيارات دفع رباعي واحتياطات من الوقود، وتذهب أعداد كبيرة من هؤلاء الجنود للانضمام إلى صفوف الإمارة الإسلامية أسبوعياً”.

وقد سقطت مديريات بأكملها مؤخراً بأيدي المجاهدين في ولايات مختلفة مثل هلمند جنوب البلاد، وفي ننجرهار شمال شرق البلاد، وفي جنوب شرق البلاد قال حاكم مديرية جاني خيل بمحافظة بكتيا التي سقطت في أيدي المقاومة الإسلامية: “إن مقاتلي طالبان اجتاحوا منطقة في شرق البلاد وأوقعوا عشرات من أفراد الجيش والشرطة ما بين قتيل وجريح، وإن قتالاً عنيفاً دار خلال الليل في يوم 27 أغسطس، فانسحبت قوات الأمن على إثره من المنطقة”. وأضاف: «طوقت طالبان منطقتنا لما يقرب من خمسة أيام. وهاجم مئات منهم نقاط تفتيشنا ليلاً”. وفي قندوز شمال البلاد سقطت مديريات خان اباد، وقلعة زال، وخواجه غار. وفي بغلان دهنه غوري حيث اضطرت قوات الإمارة الإسلامية القوات العميلة إلى التراجع للعواصم الإقليمية، وذكر مسؤولون أن المقاومين يسيطرون على الأقاليم بهجمات دراماتيكية، ولا يُستبعد أن يصلوا إلى العاصمة كابول يوماً ما.

ولهذا نقول: اقتتالهم على السلطة أفقدهم الأرض فعلاً!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*