القواسم المشتركة بين أهل الأديان السماوية

إعداد: ابو عبدالرحيم نيازي

 

التطرف مرض اجتماعي ينبع عن حب الذات وتحقيق طموحاتها على الرغم من الاصطدام بمصالح المقابل، يبدو من مظهر التفاضل وينتهي إلى نشوب الحرب والتقاتل.

هناك حقيقتان فطرعليهما الإنسان: الأولى: اختلاف الإنسان في الرغبات والميول في كل مايتصل به من عقيدة وعبادة، وتقاليد وثقافة، كل يحاول تحقيق رغباته وميوله بغض النظر عن رغبات الآخرين فيقع الخصام بين الناس.

الحقيقة الثانية: لاتخلو حياة البشر –مع هذا الإختلاف- من نقاط مشتركة يمكن أن يجتمع الناس حولها وتنبني علاقاتهم الإجتماعية عليها.

والإسلام يدعو الناس إلى التمسك بتلك القواسم المشتركة لتبني العلاقات بينهم ليعيشوا حياة سعيدة، فما هي تلك المشتركات بين أهل الأديان السماوية ؟ هذه السطور تعرضها من أوثق المراجع في الشريعة الإسلامية.

 

وفي مقدِّمة هذه القواسم :

التوحيد الكلي : ورأسه الإيمان الكلي بالله – تعالى – :

” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” [ البقرة: 62]

” قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون” [آل عمران : 64]

والمسلمون لم يأتوا بدين جديد كليّة بل هو تجديد لما اندرس من معالم التوحيد في أديان الرسل السابقين وامتداد جوهري لدعواتهم:

” شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ” [ الشورى : 13]

أى : شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى .. وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع العظيمة، والأتباع الكثيرة .

والمراد بما شرعه -سبحانه- على ألسنة هؤلاء الرسل: أصول الأديان التي لا يختلف فيها دين عن دين، أو شريعة عن شريعة، كإخلاص العبادة لله -تعالى- والإِيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، والتحلي بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف.

أما ما يتعلق بفروع الشرائع، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير لهم، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل في الأصول الثابتة في جميع الأديان، وإنما يختلف باختلاف الظروف والأحوال. الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 3759)

” ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ” [ النحل : 123]

والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي أمره الله -تعالى- باتباعها في عقيدته وعبادته ومعاملاته، وهي شريعة الإِسلام، التي عبر عنها آنفا بالصراط المستقيم في قوله تعالى: { اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

والمراد باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم له في ذلك: الاقتداء به في التوحيد وفي أصول الدين، الثابتة في كل الشرائع، لا الفروع الشرعية التي تختلف من شريعة إلى أخرى، بحسب المصالح التي يريدها الله تعالى لعباده. الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 2581)

 

ووجه القرآن خطابه إلى اليهود للالتزام بالملة الإبراهمية :

” قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون. قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين” [آل عمران:93-95]

تضمنت الآية كذلك أمراً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحداهم بالتوراة ويبكتهم بما نطقت به، وذلك بقوله – تعالى – في الآية الكريمة { قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

فكأنه – سبحانه – يقول لهم: ما دمتم – يا معشر اليهود – قد زعمتم أن ما حرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا، وإنما هو تحريم قديم على الأمم قبلكم، فها هي ذي التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن كنتم صادقين في مدعاكم .

والتعبير بـ “إن” يشير إلى عدم صدقهم، لأنها تدل على الشك في الشرط. الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 675)

كما وجَّه خطابه إلى اليهود والنصارى معاً ليتخلصوا من غلوائهم في حصر الحق في أديانهم الخاصة، رغم ما شابها من الانحراف والشرك، داعياً إلى اعتناق الملة الإبراهيمية الحنيفية السمحة :

” وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. ” [ البقرة : 135]

ومعنى الآية الكريمة : وقالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق. وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم -يا محمد- ليس الهدى في اتباع ملتكم، بل الحق في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، فاتبعوا أنتم – يا معشر أهل الكتاب – ما اتبعناه لتكونوا حقاً سالكين ملة إبراهيم الذي لا تنازعون في هداه . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 215)

إن بلورة هذا الأساس في الميدان التربوي من شأنه أن يضيّق هوّة الخلاف الحضاري بين الناشئة من أبناء المنتدى الحضاري، من مختلف الأديان والملل، ويقلّل من احتمالات نشوب الحروب و عمليات الاقتتال بينهم، بسبب الدين أو الجنس أو غيرهما من أوجه الخلاف. وهنا يجب على المناهج الدراسية التركيز على جوانب الاشتراك الكلي مع الآخر، والابتعاد عن مواضع النزاع، على أن ذلك لا يمنع من دراستها في الأطر الأكاديمية الخاصة. والتربية الإسلامية إذ تسعى فلسفتها لتجسيد ذلك فإن تاريخها قد مارس التعامل مع الآخر عملياً، من منطلق القواسم المشتركة، سواء في عهد النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلّم – أم في عهد خلفائه الراشدين أم في بعض الحقب المضيئة في تاريخ التربية الإسلامية. والمحصّلة أن حدث تعايش فعلي في ظل الحضارة الإسلامية بين فرقاء الأديان والنحل الكتابية وغير الكتابية- قياساً على الكتابية-، وما ذلك إلا مخرجات عملية لفلسفة التربية الإسلامية، القائمة على أساس التآخي والتعايش بين الجنس الإنساني، بحسبانهم مؤمنين بمعتقدات كلّية مشتركة. وأيّما حرب نشأت في ظل الاحتكام الفعلي إلى فلسفة التربية الإسلامية وتوجيهاتها فليس مبدؤها من تعاليم التربية الإسلامية، بل من الآخر المعتدي حقيقة أو حكماً. وهذا الأخير هو ما يسميه فقهاء الشريعة بدرء الحرابة، أي البدء بالعدوان أو حتى التخطيط له، جرياً على ماعُرف في المصطلح العسكري المعاصر بالحروب الاستباقية. وباستقراء كل الغزوات والمعارك في تاريخ الإسلام في العهد النبوي والراشدي -وهما المعيار الأساس لأية حقبة تالية- لا نلفي ابتدأ حرباً شُنّت من قبل المسلمين إلا وفق الدوافع المشار إليها آنفاً. بحوث مؤتمر الحوار بالشارقة – (ج 4 / ص 15)

 

سادساً: إنصاف الآخر والموضوعية في الحكم عليه :

إن فلسفة التربية الإسلامية إذ تنطلق في دعوتها للآخر للإيمان بدين الإسلام فإنها لا تجرِّده من صفات إيجابية كائنة فيه، بل تعترف له بذلك وتخاطبه بما فيه من تلك الصفات :

“ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون” [ الأعراف : 159]

أي: ومن قوم موسى جماعة عظيمة يهدون الناس بالحق الذى جاءهم به من عند الله، وبالحق – أيضاً – يسيرون في أحكامهم فلا يجورون، ولا يرتشون، وإنما يعدلون في كل شئونهم .

والمراد بهم أناس كانوا على خير وصلاح في عهد موسى – عليه السلام، مخالفين لأولئك السفهاء من قومه . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 1708)

“وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب” [ آل عمران : 199]. ” ليسوا سواء من أهل الكتاب، أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين” [ آل عمران: 113-115]

بين الله – سبحانه – أن أهل الكتاب ليسوا سواء . بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار.

أي: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب } وهم اليهود والنصارى لفريقاً { يُؤْمِنُ بالله } إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما { أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن بحقيقة ” ما أنزل إليهم ” من التوراة والإنجيل ولا يزالون مع هذا الإيمان العميق { خَاشِعِينَ للَّهِ } أى خاضعين له – سبحانه – خائفين من عقابه، طالبين لرضاه { لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً } أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق دينهم في نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة .

فأنت ترى أنه – سبحانه – قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 834)

لم يفرِّق القرآن الكريم بين المؤمن بدين الإسلام وغيره من أهل الأديان، إذا ما اقترف أي منهم عملاً سيئاً، إذ تأبى سنّة الله العادلة محاباة المسلم على سواه ما دام الجُرم واحداً:

” ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ” [ الفساد: 123]

والمعنى : ليس ما وعدا لله به من الثواب أو إدخال الجنة، أو ليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانكم – أيها المسلمون – أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإِيمان الصادق، وبالعمل الصالح، وبالسعى والجد في طاعة الله، فقد اقتضت سنة الله – تعالى – أن من يعمل خيرا يجد خيرا، و { مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ } أي: من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إذا تاب، أو تفضل الله عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 1079)

وحين ذمَّ الله اليهود فليس ذلك لجنسهم وسلالتهم أو دينهم أو نحو ذلك من الاعتبارات الضيّقة المحدودة، إذ سبق أن أثنى عليهم حين كانوا أهلاً لذلك، أو حين ابتلاهم بذلك الفضل فلم يرتقوا إلى مستواه :

“يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين” [البقرة:47]. وإنما مردّ ذلك لسلوكهم في الكفر بآيات الله وقتل النبيين بغير الحق وعصيانهم وعدوانهم ليس أكثر :

” وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون” [ البقرة:61].

وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه، وحق عليهم غضب الله .

ثم بين الله – تعالى – السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله :

{ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ } إلخ أي : إن الكفر بآيات الله قد تأصل فيهم، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة، فليس غريباً على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 103)

وحين زعم غلاة اليهود والنصارى أن الجنة حكر عليهم وحدهم ردَّ الله عليهم بقوله-جل وعلا – :

“وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” [ البقرة : 111-112]

وأعقب ذلك بأن أبان أن كل زعم يحوي احتكار الحق المطلق، ويصم الآخرين بالباطل المحض؛ إن هو إلا شنشنة جهلة المشركين ومن على شاكلتهم، وذلك وحده دليل بطلان دعوى احتكار الجنة إذ اختلافهم تضادّي لا لقاء معه:

“وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون” [ البقرة: 113].

وفي موطن آخر يبين الله – تعالى – أن اللعنة التي حاقت باليهود الذين وصفوا يد الله -سبحانه- بالغلول إنما كانت بسبب مقولتهم تلك، لا لأي اعتبار غير سلوكي:

” وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدنّ كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا…… ” [المائدة:64]

قال ابن عباس : قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس : يا محمد إن ربك بخيل لا ينفق . فأنزل الله هذه الآية .

وقد أضاف – سبحانه – المقالة إلى اليهود جميعا، لأنهم لم ينكروا على القائل ما قاله ورضوا به .

وقال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه . فقد كانت لهم أموال فلما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قل ما لهم، فقالوا ما قالوا .

وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً } قالوا : إن إله محمد بخيل .

وقوله – تعالى – حكاية عنهم : { وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } إخبار من الهل عن جراءة اليهود عليه – سبحانه – وسوء أدبهم معه، وتوبيخ لهم على جحودهم نعمه التي لا تحصى .

وأرادوا بقولهم : { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } : أنه – سبحانه – بخيل عليهم، ممسك خيره عنهم، مانع فضله عن أن يصل إلهم، حابس عطاءه عن الاتساع لهم، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 1313)

وقوله : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا } دعاء عليهم بالشح المرير والبخل الشنيع بأن يخلق – سبحانه – فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله، وحكم عليهم بالطرد من رحمة الله – تعالى – بسبب سوء أدبهم معه – سبحانه – وجحودهم لنعمه .

وهذه الجملة تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم، وأساءوا الأدب مع خالقهم ورازقهم، فقالوا في شأنه ما هو منزه عنه – { وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً }

وقوله : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } معطوف على مقدر يقتضيه المقام، وتكذيب لهم فيما قالوه من باطل .

والمعنى : كلا – أيها اليهود – ليس الأمر كما زعمتم من قول باطل، بل هو – سبحانه – الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه .

فبسط اليد هنا كناية عن الجواد والفضل والإِنعام منه – سبحانه – على خلقه .

وعبر بالمثنى فقال : { بَلْ يَدَاهُ } للإِشارة إلى كثرة الفيض والإِنعام، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء أعطى بكلتا يديه .

قال ابن كثير قوله : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي : بل هو الواسع الفضل . الذي ما يخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له . كما قال : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } والآيات في هذا كثيرة . الوسيط لسيد طنطاوي – (ج 1 / ص 1314)

ويلفت نظر الباحث في حديث القرآن الكريم عن الآخر التزام الموضوعية بدقة متناهية

، حيث يلحظ عدم التعميم، والتشديد على التخصيص بذكر ألفاظ (كثير) أو (مِنْ ) أو ( فريق) أو (طائفة) أو نحو ذلك مما يفيد عدم استغراق جميع أفراد جنسهم . وهذا التحديد والتخصيص لم يأت عفواً إذ لو كان الآخر غير ذي دلالة لاكتفي بالتعميم والإطلاق من قبيل القاعدة الأصولية الصحيحة “النادر لا حكم له “، ولكن لما كان لذلك مدلوله كان التأكيد بتلك الألفاظ مسوَّغاً شرعاً وواقعاً. وعلى سبيل المثال تأمل قوله – سبحانه – :

” ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم …… ” [ البقرة: 109].

” ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون ” [ المائدة : 80-81].

” قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون” [ المائدة : 59]

” ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ” [ آل عمران : 110]

تأمل في تخصيص القرآن بلفظ ( مِن ) :

” ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإنهم إلا يظنون ” [ البقرة: 78]

” ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً…. ” [ آل عمران: 75]

“ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون…” [ آل عمران : 113 – 115]

” وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم… ” [آل عمران:199]

” ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ” [ الأعراف:159 ].

وكذا التخصيص بـ ( فريق):

” ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون” [ آل عمران:23]

” يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ” [ آل عمران: 100]. أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ” [ البقرة:75]

” وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب…” [ آل عمران : 78]

” أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ” [ البقرة :100-101]

وكذا التخصيص بـ ( طائفة ):

” ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون…… ……وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ” [ آل عمران: 69-72]

إنَّ هذه النصوص لتمثِّل التجسيد الفعلي لتوجيهات قرآنية عديدة تأمر بالعدل مع الآخر حتى مع وجود بُغض أو كراهية له، فلا ينبغي أن يؤثر ذلك على مبدأ العدل إذ هو قيمة مطلقة:

” يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ” [ المائدة : 8 ].

” وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ” [ الأنعام : 52]

ولقد جسَّد النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – هذا المنهج مع الآخر في سيرته، ومن ذلك:

قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – لأصحابه – حين رأي ما يصيبهم من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكان من الله ومن عمه أبى طالب – : ” لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عند أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه  ” الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء – (ج 1 / ص 182)

لقد قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ذلك قبل أن يسلم النجاشي، ناهيك عن مدحه لأهل الحبشة حين وصفهم بأهل الصدق، وهم غير مسلمين بطبيعة الحال.

وهاهو ذا – عليه الصلاة والسلام – يخاطب ملوك العالم وحكامه بأوصافهم وألقابهم المعروفة عند أممهم وأقوامهم بما فيها من معاني التشريف والعظمة:

وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس :

( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدي… الرحيق الختوم ـ صفي الرحمن المباركفوري – (ج 1 / ص 316)

وفي رواية أخرى عن ابن عباس -كذلك- أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يدفعه إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى قيصر … ” (12)

وفي رواية ثالثة من ابن عباس -أيضاً- أن أبا سفيان أخبره من فِيْه إلى فِيْه قال فقرأه (أي هرقل) فإذا فيه ” بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم …. ” (13)

ويغيّر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – حُكم الغِيْلَة، (14) الذي كان شائعاً في البيئة العربية، مستنداً في ذلك إلى فعل الروم وفارس حيث ثبت أنّه لا يضر أولادهم كما تروي ذلك عائشة – رضي الله عنها – فتقول ” حضرت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في أناس وهو يقول : ” لقد هممتُ أن أنهي عن الغِيْلَة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يُغِيْلُون أولادهم فلا يضّر أولادهم ذلك شيئاً ” (15).

وكل ما تقدّم من نصوص يعني -من زاوية فلسفة التربية الإسلامية- ضرورة التنشئة على قيم الموضوعية في الحكم على الأفراد والجماعات والظواهر، حتى لو لم تكن موافقة لمشارب الناشئ المسلم ومعتقداته، والابتعاد عن الأحادية المعرفية، ومنهج التعميم وإرسال الأحكام بلا رويّة أو ضوابط.وهاتان الآفتان يمثلان- في حقيقة الأمر- المعضلة المنهجية الأبرز في كثير من المواقف وأوجه النزاع، وإذا تمكّن الناشئ المسلم من التحرّر من الوقوع فيهما، يكون بذلك قد امتثّل لتوجيهات القرآن الكريم الواردة بهذا الخصوص على خير وجه. كما أن المتضمنات العملية لتلك التوجيهات حث المتعلمين على الإفادة من الآخر في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية – بوجه خاص- وكل مالا يتعارض مع معتقداته وقيمه الأصلية على نحو أعمّ.

إن من شأن التربية على تلك المعاني أن تنزع كثيراً من الفوارق الناشئة من تصوّر استعلائي موهوم، يدفع الناشئ المسلم إلى الاعتقاد بمنحه امتيازات على غيره من بني جنسه، مع أن ذلك يتعارض- في حقيقة الأمر- ونصوص القرآن الكريم وصحيح السنّة المطهرة، علاوة على تعارضه مع سنن الله الكونية والشرعية. بحوث مؤتمر الحوار بالشارقة – (ج 4 / ص 20).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*