دونالد ترامب وحرب بلاده على أفغانستان

سيف الله الهروي

 

حشد جورج بوش العالم الصليبي للحرب على أفغانستان، وأعلنها حربا صليبية، واحتلّ هذا البلد المسلم على أساس دعوى لا علاقة لأي مواطن من الشعب الأفغاني بها، ثم انتهى عهد رئاسته تاركاً وراءه ميراثاً ثقيلاً وملفاً معقّداً للرئيس الذي أتى بعده. والآن في الأيام القادمة سيرث دونالد ترامب أثقالَ كلٍّ من الجورج بوش وباراك أوباما بعد أن مضت 15 سنة على هذه الحرب التي لم تجنِ الولايات المتحدة منها إلا خسائر في الأرواح والأموال، لتكون أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، والخسائر التي تتكبّدها في هذه الحرب قد وصلت -حسب إحصائياتهم- إلى أكثر من تريليون دولار! والحصاد لم يكن أكثر من دماء العزّل من الشعب الأفغاني وتدمير القرى والمزارع، وتمادي العصبة المفسدة المجرمة في البلاد في مفاسدها وجرائمها؛ لذلك كان يقتضي العقل والمنطق أن يبادرعقلاء وخبراء الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنهاء هذه الحرب بأي صورة ممكنة في أسرع وقت ممكن.

أتى الرئيس أوباما بشعار التغيير، فعلّق الكثيرون الأمل أن يحدث تغيير في السياسة الحربية للولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء حروبها، لكن إبّان رئاسته لم يحدث شيء مما كان يُرجى، فاستمرت القوات الأمريكية في حربها على الشعب الأفغاني واعتقال الأبرياء، واستمرّت طائراتها في قصف المنازل السكنية في أنحاء مختلفة من مناطق أفغانستان. والآن انتقلت الرئاسة إلى دونالد ترامب الذي اشتهر بالعداء ضدّ المسلمين، وإطلاق هتافات عنصرية. السؤال الذي يطرح نفسه هل الرئيس الجديد لأمريكا أيضا يفكر في استمرار الحرب علی أفغانستان؟ وهل يُرجى أن يحدث تغيير في السياسة الحربية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في عهده أم لا؟

في الظاهر، لا يبدو أمل في الأفق بحدوث تغيير في السياسة الأمريكية بعد قدوم الرئيس الجديد تجاه أفغانستان. في الظاهر قد يعمد الرئيس الأمريكي الجديد كغيره إلى إبقاء أفغانستان تحت احتلالهم بشكل دائم، واستمرار اضطهاد هذا الشعب العظيم، وإجباره على القبول بالحكومة الفاسدة المفروضة عليه، وأن تستمر الطائرات في القصف من السماء، وأن تواصل القوات العميلة المدعومة باعتقال الأبرياء على الأرض، وأن توصف المقاومة الشعبية الواسعة المسلحة ضد الاحتلال في أفغانستان بـ (البغي الجزئي) الذي يديره عدد قليل لا يحظى بدعم شعبي. وفي الظاهر سوف يقدم جنرالات الحرب -كما هو الحال سابقاً- للرئيس الأمريكي الجديد أيضاً مجموعة من التقارير الملفقة حول أفغانستان، مثلما فعلوا مع الرئيسين الأمريكيين السابقين، وسيصرون على استمرار الحرب واحتلال أفغانستان، ففي استمرار الحرب منافع لهم ومغانم وترقيات كبيرة. وفي الظاهر سوف يجهّز الخبراء تقارير وتحليلات حول أفغانستان يقدمونها للرئيس الجديد كما قدموها لغيره، ويلقّنونه تكرار شعار الحرب على الإرهاب والتطرف، ويعتبرونه لصالح الولايات المتحدة، دون أن يعكسوا أدنى صور الحقائق الموجودة على أرض الواقع، وبذلك يبقى الرئيس الثالث أيضاً متورطاً في المستنقع الذي ورثه من سلفه أوباما. لكن الحقائق على الأرض، أو الحقائق الكامنة التي قد تغيب عن عقولنا وخبراتنا قد تفرض أحياناً ما لا يذهب إليه الخيال والبال. ففي أفغانستان بعد كل هذه السنوات لم تزل المقاومة المسلحة تتصدى للاحتلال وتحاربه وتكلفه الخسائر في الأرواح والأموال، وذلك من غير أن تتلقى أي دعم مالي، أو عسكري، أو إعلامي بشكل رسمي من أية دولة من دول المنطقة، ولا شك أن هذه المقاومة قادرة على مواصلة الحرب التي تكلف الأمريكيين خسائر كبيرة، وهي خسائر تزداد سنوياً. ولا يخفى أن الكثير من الحكومات شاركت الولايات المتحدة في احتلال أفغانستان سابقاً، وحاولت كسر المقاومة المشروعة عسكرياً، وسياسياً، وإعلامياً، لكن رغم تفوقهم في كافة المجالات لم يحققوا شيئاً في على العسكري، والكثير من هذه الحكومات أيقنت بأنها ليست في حرب مع مجموعة بسيطة من الثائرين كما يُروّج له إعلاميا، بل مع شعب وثقافة وحضارة ومع مقاومة مشروعة دينية ووطنية، لذلك استسلمت للحقائق وسحبت جنودها تدريجياً بعد مفاوضات مع الإمارة الإسلامية.

لكن لنفرض -جدلاً- أن حركة الجهاد والمجاهدين انكسرت شوكتهم، وتعثّرت خطواتهم، وأُخمدت حركتهم نهائياً، كما حدث مع حركة الجهاد في ليبيا بعد استشهاد زعيمها الأمير عمر المختار رحمه الله وسائر القادة والأمراء، حيث أعلن موسليني بعدها بأن الحضارة الحقيقية هي ما تخلقها إيطاليا على الشاطئ الرابع ويقصد سواحل ليبيا، وأخذ الايطاليون يقسّمون ممتلكات الشعب المسلم على بعضهم البعض، وعملوا على القضاء على الأخلاق الإسلامية، والقضاء على التعليم الديني، وأغلقوا الكتاتيب ودور العلم الوطنية، وأكثروا من إقامة المراقص ودور الدعارة، ومنعوا الليبيين من أداء فريضة الحج، وازداد امتهانهم للدين الإسلامي بدرجة شنيعة …. لكن ماذا حدث بعد ذلك!؟ لقد انتقم رب المجاهدين للمجاهدين، لقد انتقم الله للمجاهدين من الطليان بقدرته وحكمته النافذة التي لا يعلمها كثير من عباده، فبعد أن اطمأن الطليان في ليبيا جاءت الحرب العالمية الثانية قدراً من الله، وتسليطاً من الله لظالم على ظالم {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون}، ونصراً من الله لعباده المؤمنين المستضعفين المضطهدين المستيئسين {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذّبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين}.

ودخلت إيطاليا الحرب بقيادة زعيمها موسوليني طمعاً في الغنائم، وكانت توقن أن الأرض قد دانت لحليفتها ألمانيا فأخلف الله ظنّها، وأدّى الأمر إلى زوالها نهائياً من الوجود كامبراطورية لها مستعمرات واسعة، واندحرت إيطاليا باندحار ألمانيا في شمال إفريقيا، ولم تغرب شمس اليوم السابع من شهر أبريل عام 1943م حتى كانت جيوش إيطاليا قد أخلت القطر الطرابلسي بأجمعه.

وهكذا في أفغانستان إن استمرت القوات الأمريكية في حربها على الجهاد والمجاهدين، وإن كثفت من عدد جنودها، وإن قضت على الحركة الجهادية حسب زعمها، لن يأمنوا من انتقام الله الذي يغيب عن عقولنا وخيالاتنا.

وإذا إراد الله الانتقام فسوف تخرج قواتهم من هذا البلد مخذولة مندحرة كما خرجت قوات الطليان من ليبيا بعد أن كانت صاحبة مستعمرات في أنحاء العالم تخافه دول الشرق والغرب.

وما ذلك على الله بعزيز.