عــودة الأمــريكي الـمـجـنـون!

بقلم: مصطفى حامد

 

■ سياسة “الرجل المجنون” يلجأ إليها رؤساء أمريكا؛ لتغطية أزماتهم الشخصية أو مشكلات خارجية تواجه بلادهم.

■ إسلام شعب أفغانستان وحرية بلاده، قضايا حياه أو موت. ومن يناور خارج إطارالحرية والسيادة على أساس الإسلام فهو خائن لوطنه ودينه.

■ يمشي المحتل منتفشا، لابقوته، بل بضعف من استسلم وانبطح وهو يبدي هياج المنهزم، وغباء الخائن، وخيلاء النذل.

■ شعب أفغانستان يعتبر”طالبان” حركة جهادية باسلة، تحمل كل سمات المسلمين الأفغان ومثاليتهم في الدفاع عن الدين والأرض والقيم الأفغانية الأصيلة.

■ لا سلام مع وجود الإحتلال، ولا سلام وأحذية جيوش الاحتلال تدنس أراضي المسلمين.

■ فلتخرج جيوش الاحتلال، وليرفع جميع الجيران أيديهم عن أفغانستان حتى لا تكون حربا أهلية سوف تنتشر في المنطقة.

■ “المنظمات الإرهابية” تمثل الرأسمالية الدولية المتوحشة، وهي أحد منتجاتها، ولا تمثل الإسلام في شيء.

■ اللقاء الأخير بين حكمتيار وأسامة بن لادن، بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، جمع بين التحدي الوقح من جانب حكمتيار، والشك الحذر من جانب بن لادن.

 

(إن هذه الحرب التي تتصف بمزيج من الجبن والتهور، بدأت لنيل أهداف غير معقولة، ولم تحقق لنا سوى المعاناة والكوارث ولم تأتِ بفائدة تذكر، لا للحكومة التي خططت لها، ولا للجيش الذي خاض غمارها. إن إنسحابنا من تلك البلاد لم يكن إلا هزيمة عسكرية).

لم تكن تلك الكلمات لمسؤول أمريكي استيقظ ضميره فجأة، أو استجمع بقايا شجاعته ليصرح بحقيقة يعلمها جميع أبناء شعبه، ونادراً ما ينطق بها أحد، بدافع الخوف أو الحرج. حقيقة تقول: إن أمريكا قد خسرت بالفعل حرب أفغانستان منذ عدة سنوات، وتحديداً منذ أواخر عهد بوش وبداية عهد أوباما.

بل كانت تلك الكلمات درسا مكرراً من دروس التاريخ: إمبراطورية باغية، طغت على خلق الله، فأعمى الله بصيرتها، فاعتدت على شعب أفغانستان، الذي حطم كبرياءها وأذل جبروتها فخرجت من بلاده وهي حطام دولة وبقايا امبراطورية.

فالاقتباس السابق هو لأحد قساوسة الجيش الإنجليزي في حملته على أفغانستان عام 1842. وكأنها تصف تماماً حال الولايات المتحدة الآن في هزيمتها المذلة في أفغانستان، فلا تجد طريقاً للخروج، وتستغيث بمن يساعدها على التخلص من ورطتها، ومستنقع الرمال المتحركة الذي وقعت فيه.

تحاول دول الإقليم مساعدة الأمريكي في ورطته، بطلب منه غالبا، أو بدون طلب. وتتحرك موسكو لتلتقط زمام المبادرة، وتلم شمل الجميع في مؤتمر عقد هناك، كي يمهد السبيل لانسحاب أمريكي غير مهين، فيطالب المجتمعون في بيانهم الختامي (بمكافحة الإرهاب والتطرف وتهريب المخدرات، وأكدوا استعدادهم لتعزيز التعاون مع حكومة كابول).

بالطبع لم يجرؤ المؤتمرون، فرادى أو مجتمعون، على الاقتراب من جوهر المشكلة: وهو الإحتلال، الذي هو أساس جميع مشكلات أفغانستان. لأن موسكو الداعية والمنظِمة للمؤتمر تشتبك مع واشنطن في أكثر من صراع متعدد المستويات، وعلى اتساع جغرافي يتخطى أفغانستان. فهي ومعظم المؤتمرين ينظرون إلى أفغانستان كجزء من صفقة، أو جزء من علاقة متشعبة مع الولايات المتحدة.

ولكن شعب أفغانستان فقط يرى في إسلامه وبلاده وحريته قضايا حياة أو موت، غير قابلة للمساومة أو المناورة. فإما شعب مسلم حر في بلد مستقل، وإلا فهي حياة العبيد في بلاد ينهبها الغرباء.

ومن يناور خارج مجال الحرية والسيادة على أساس الإسلام، فهو خائن لوطنه ولدينه. حيث لا يجدي اللعب بالألفاظ أو سباكة المصطلحات، واستخدامها كتعويذات سحرية تحول الخيانة إلى واقعية ومرونة، وتحول المروق من الدين إلى وسطية وانفتاح.

 

الكهل المعجزة:

بعض المعلقين وصفوا الرئيس الأمريكي (ترامب) بأنه “الكهل المعجزة”؛ ذلك لأنه يحمل الكثير من الموبقات، مع مقدار ضخم من التناقضات، أما الأخلاق فهي خارج الاعتبار. فهو بطل فضائحي لا يشق له غبار، ذو مجال يمتد من النساء وصولاً إلى الخيانة العظمى والتآمر مع روسيا أعدى أعداء وطنه.

وحتى يتخلص من الاتهامات ويثبت هيبته في الداخل والخارج، ترك ما كان يدعو إليه من سياسات العزلة والاهتمام بالداخل الأمريكي أولا، متحولاً إلى ضبع مسعور يهاجم في كل مكان، ويهدد كل إنسان. أو بالأحرى عاد مجدداً متقمصا شخصية رجل مجنون، يبتز الدنيا بتهوره وعدم معقوليته، فيضطر الجميع للتراجع أمامه، خشية منه ومن حماقاته العسكرية وربما النووية. وتلك هي السياسة التي يميل إليها رؤساء أمريكا عندما يشعرون بضعف موقفهم الشخصي أو ضعف موقف بلادهم في المجال الخارجي.

ولكن سريعاً ما تظهرحقيقته الخاوية، فهو لا يتقدم إلا حيث فراغ الإرادة وسقوط المبادئ. فهناك يتمدد ويرسي دعائم إمبراطورية ماتت منذ زمن، وبقيت واقفة وهي متكئة على ترسانة من الصواريخ النووية. ولكن الأنذال يقدمون يد العون للإمبراطوريات المحتضرة، ويفرشون لها البساط الأحمر المخضب بدم الشعوب ومستقبل أجيالها وحرمة عقائدها ودينها.

فيضعون خدودهم فوق التراب ليجعلها المستعمر موطئاً لأقدامه، ويمشي منتفخاً منتفشاً، لا بقوته ـ بل بضعف من إنبطح واستسلم مبدياً هياج المنهزم، وغباء الخائن، وخيلاء النذل.

قد يتبادر إلى الذهن هنا صور (لقيادات) كثيرة لها مثل تلك المزايا الخسيسة. لأنهم منتشرون ـ وللأسف ـ في أرجاء أوطان المسلمين وبين صفوفهم.

وصل إلى كابل مؤخراً ـ من تلك العينة المذكورة ـ كهل معجزة كان مدخراً لما ظنوا أنه طعنة قاتلة لجهاد الأفغان وصمودهم الأسطوري. إنه حكمتيار “الزعيم الأصولي المتطرف!” حسب أوصاف الثمانينات ـ جاء داعياً للسلام، متمنياً من حركة طالبان وضع السلاح والمشاركة في السلطة التي أنشأها الإحتلال الأمريكي في ظل دستور وضعه الأمريكيون، كما وضعوا للعراق المحتل دستوراً مماثلاً.

رجل السلام هذا، اشتهر في الثمانينات بأنه (طفل باكستان المدلل) ينطق بلسانها ويتحرك وفق أوامرها، ولا يحيد قيد أنمله عن مشيئتها ـ ومازال ـ لذا استحق اللقب المذكور الذي على ضوئه يمكن تفسير كل سيرته وكافة تصرفاته من وقتها وحتى الآن، مروراً بالمجازر التي ارتكبها في كابول ضد كافة فرقاء الحكومة بعرقياتهم ومذاهبهم. وهم نفس الأفراد والتيارات الحاكمة الآن (تحت ظلال الإحتلال).

عاد حكمتيار مرة أخرى إلى كابول التي تعرفه منذ أن كان طالباً في كلية الهندسه، ثم قائداً “لحزب إسلامي”. ويطول الحديث عنه وعن نشاطاته في فترة القتال ضد السوفييت. ثم مجهوده في تدمير كابل بعد التحرير، وزرع شوارعها بالجثث، ومشروعه لتحويل أحياء الشيعة إلى مزارع للقمح حسب تعبيره الشهير. فهو الزعيم الأخضر (رمز حزبه هو اللون الأخضر) الذي استخدم الصواريخ لحرث الأحياء السكنية تمهيداً لمشروعه العظيم، وكان السماد هو جماجم الأطفال وأجساد الأبرياء.

ذلك هو زعيم السلام، المعادل للزعيم الشيوعي (دوستم)، منافسه أحياناً وحليفه أحياناً، في الخراب وسفك الدماء. وكلاهما الآن دعاة للسلام في ظلال الإحتلال، حيث الفتك بالشعب ومصير أجياله ومحو ديانته وإذلاله بالفقر وأجهزة القهر المسلح بأنواعها المتعددة.

الطفل المدلل، والذي أصبح وبفعل الزمن كهلاً مدللاً، أو كهلاً معجزة ، أعادته باكستان إلى كابول ليكون ممثلاً لها في الوضع القادم، الذي تسعى إليه أمريكا لستر كارثة الانسحاب الذليل. إنه وضع يراد أن تشارك فيه، وربما تشرف عليه، دول الإقليم التي اجتمعت مؤخراً في موسكو، أو على الأقل الدول الأساسية منها. وبمعنى أوضح أن توزع السلطة الجديدة في كابل بين دول الإقليم، ويكون لكل منها زعيم حزب، أو سياسي مشهور، يمثلها في قمة السلطة التنفيذية أوالتشريعية، ولكل زعيم من هؤلاء ميليشيا خاصة به أو بالحزب الذي يمثله. في مثل ذلك الوضع تكون الحرب الأهلية هي النتيجة الحتمية وسوف تنتشر في أنحاء المنطقة هذه المرة. فمن أخطر المغامرات محاولة العودة إلى فوضى حكومة المنظمات الجهادية (من 1992 إلى 1996 ) وهي مرحلة ما قبل ظهور حركة طالبان.

 

فجر أفغانستان ونهوض آسيا:

لقد تغيرت أفغانستان كثيراً بعد الإحتلال. ودرجة الوعي السياسي للشعب لم تعد كما هي، وفهمه لدول الجوار وتأثيرها الداخلي سلباً أو إيجاباً، ونظرته للاحتلال والحكم ” الديموقراطي” ونظرته للقوى والزعامات التي دخلت إلى العاصمة فوق دبابات الاحتلال (باستثناء الرئيس السابق كرزاي الذي دخل على متن مروحية أمريكية وتحت حراسة عناصر من المخابرات الأمريكية)، وفهمه لتلك الزعامات الإسلامية والوطنية التي باعت أفغانستان بثمن بخس، دولارات معدودات، قبضوها نقداً وعدّاً أمام عدسات من أحضروها ووزعوها.

وفي مقدمة كل ذلك، ينظر الشعب إلى حركة طالبان، باعتبارها حركة جهادية باسلة تحمل كل سمات المسلمين الأفغان ومثاليتهم في الدفاع المتفاني عن الدين والأرض والقيم الأفغانية الأصيلة.

ليس ذلك من قبيل الشعارات، بل أنه ترجم عملياً بقتال الشعب تحت راية الحركة، وإمدادها بالرجال والمال والعتاد والمعلومات، وكل ما تحتاجه حركة جهادية، باسلة وجذرية.

لم تغير حركة طالبان أهدافها منذ لحظة انخراطها في الجهاد ضد الاحتلال الأمريكي وحتى اللحظة. فمازالت ترى ـ عن حق ـ أن لا سلام في وجود الاحتلال، ولا سلام وأحذية جيوش الاحتلال تدنس أراضي المسلمين.

فالمطلوب من المحتل الأمريكي شيء واحد فقط، وهو الإنسحاب الكامل من أفغانستان واصطحاب عملائه معه، أو تركهم ليواجهوا القضاء العادل والعقوبات المناسبة لأفعال الخيانة.

أما دول الجوار، فدورها الإيجابي مطلوب في إطار أمن وحرية وسلامة أفغانستان والإقليم المحيط بها وتنميتة اقتصادياً. أما التدخل السلبي وخلق زعامات عميلة، وقادة ميليشيات إجرامية، وإمدادهم بالمال والسلاح والدعم الدعائي والسياسي، فليس من معنى لذلك سوى دمار الجميع. فلن تكون الآثار السلبية هذه المرة محصورة في حدود أفغانستان. لأن مخطط الحروب الأهلية والفتن الدينية والعرقية هو برنامج اليهوديه الدولية، ومن معهم من ضباع السلاح والنفط والمخدرات والمياه، وجميعها كنوز لا حدود لها في أفغانستان وما حولها من الدول. وما يحدث في المنطقة العربية عظة وعبرة لمن يعتبر.

اختصاراً: على جميع الطامعين والواهمين أن ينسحبوا من أفغانستان، فلا مكان بعد الآن للاحتلال أو مناطق النفوذ أو الميلشيات المدارة من الخارج، أو أن تعيد دول الجوار استخدام أوراقها المحروقة من زعامات فارغة عفى عليها الزمن وانتهت صلاحياتها وأنقضى وقتها. على أمريكا ودول الناتو أن تنسحب، وعلى دول الجوار جميعاً أن ترفع يدها عن أفغانستان، وأن تفتح معها صفحة جديدة من التعامل العادل والمتكافئ. والتعاون مع حركة طالبان في طرد المحتل الأجنبي، وتحديداً التواجد العسكري لأمريكا وحلف “الناتو” وطردهم خارج كل المنطقة. وذلك حل ضروري لأفغانستان وإقليمها الآسيوي، ولكل أقليم آخر يمر بظروف مشابهة خاصة في بلاد العرب.

فلا مجال لجيوش أجنبية تزرع نفسها في المنطقة لإخضاعها والسطو المسلح على ثرواتها، وتدمير حياة الشعوب وتقسيم الدول وإشعال نيران الفتن فيما بينها.

فذلك الإقليم من آسيا يحتوي على عدد من أهم شعوب ودول القارة. وهم قادرون على إعادة تنظيم أمورهم بما يجعلهم كتلة عظمى تقود العالم نحو الخير والسلام.

وقادرون على استحداث مؤسسات إقليمية كفؤة في مجالات الإقتصاد والسياسة والأمن. مثل سوق مشترك وبنك آسيوي يعتمد أسس جديدة في التبادلات الإقتصادية والتنمية، ومجلس أمن يشرف على الأمن الإقليمي وحل النزاعات سلمياً، والحفاظ الجماعي على سلامة الإقليم من التهديدات والغزوات الخارجية، وكبح لعبة “الإرهاب” الذي هو الوجه الآخر للرأسمالية المتوحشة، التي تستثمر فيه وبسببه مئات المليارات من الدولارات في صناعات أمنية، ونشاطات إبتزاز وترويع حول العالم.

تلك المنظمات “الإرهابية” تمثل الرأسمالية الدولية المتوحشة وهي أحد منتجاتها، ولا تمثل الإسلام بأي شكل، بل هي تعمل على تحطيمه، لتمكين الإستعمار الجديد من إذلال المسلمين وتقسيم أوطانهم وإشعال الحروب فيما بينهم، واحتلال بلاد المسلمين مرة أخرى بالجيوش والبنوك والشركات. فتلك التنظيمات تمثل الإسلام بنفس الدرجة التي تمثل بها دول الغرب والرأسمال اليهودي المتوحش قيم العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية “!”. فكلاهما يسير على عكس الإسم الذي يحمله، ويناقض المبادئ التي يدعي تمثيلها.

 

متحف الشمع في كابل:

بوصول حكمتيار إلى كابول، اكتملت مجموعة التماثيل في متحف الشمع الذي هو حكومة كابول. فالرجال الذين يشغلون المناصب العليا في الحكومة وهيئات التشريع لا وظيفة لهم في حقيقة الأمر، لأن صلاحيات الحل والعقد تقع في يد الإحتلال الأمريكي حصرياً. أما أصحاب المناصب العليا بألقابهم المتورمة فلا مجال لهم في عملية إتخاذ القرار، ناهيك عن التخطيط للمستقبل. فالحكومة الأكثر فساداً في العالم لا وظيفة لأفرادها سوى ممارسة الفساد، بحيث لم يعد في البلاد أي نشاط لا يصاحبه فساد مالي واستغلال نفوذ وكسب غير مشروع. فالإحتلال هو أكبر أعمال الفساد، لذا لا يمكن أن تنتج عنه حكومة على غير تلك الشاكلة. حتى أن جنرالات جيش الاحتلال ورجال السياسة هناك وكبار الموظفين جميعهم غارقون في الفساد.

ومن المشهور أن 80% من أموال المعونات التي تدعي أمريكا وباقي دول الإحتلال، أو المباركين له، أنها تصب لتنمية أفغانستان وخدمة شعبها فإن الحقائق المشهورة دولياً تشير إلى أن 80% من تلك المعونات تعود إلى الجيوب الأمريكية بشتى الطرق والحيل.

يعلم الإحتلال أن رحيله حتمي، ومنذ سنوات وهو يبحث عن مخرج وطريقة مناسبة لا تؤدي إلى إنهيار الإمبراطورية الأمريكية كما حدث للسوفييت بعد هزيمتهم وانسحابهم من أفغانستان. والجزء العربي من الإمبراطورية يشكل الهم الأكبر والقيمة الأعظم للأمريكيين، بنفس قيمة أوروبا الشرقية للسوفييت سابقاً. ومازالت عملية إعادة صياغة بلاد العرب مستمرة حتى اليوم، وفقا لمتطلبات سلامة إسرائيل وإنطلاق مشروعها إلى ما وراء بلاد العرب، وصوب وسط آسيا تحديداً. وعلى أفغانستان أن تنتظر إتمام تعقيدات تلك المهمة الخطيرة التي قد يدمرها تماماً إنسحاب أمريكي من أفغانستان قبل الوقت المناسب.

فإذا وقع ذلك المحظور (الإنسحاب قبل إنجاز المهمة العربية) فماذا سيقول العالم؟ وما هي ردات فعل الشعوب المغلوبة على أمرها؟ قد يتكرر الإنهيار على نطاق أوسع وأعمق. فأمريكا مخلخلة داخلياً، ومكانتها مهددة خارجيا ًمن منافسين أقوياء في آسيا. إذن وضع الإحتلال كله مؤقت، سواء انتهى بانهيار صريح أو بانسحاب “محترم” ذو غطاء إقليمي. أمريكا يهمها إستمرار مصالحها، سواء بقت أو إنسحبت، مع تأمين تلك المصالح بواسطة عملاء جدد أو عملاء قدماء.

اللجوء إلى العملاء القدامى خاصة من مخضرمي الحقبة السوفيتية من أمثال حكمتيار وصديقه اللدود سياف، لا يعنى سوى الإفلاس وعدم العثور على عملاء جدد مقنعين ليتبعهم الشعب.

فالحديث عن السلام لا معنى له إلا إذا اشتركت فيه أطراف القتال الدائر على الأرض. فالحرب في أفغانستان دائرة بين المعتدي الأمريكي وبين شعب أفغانستان ممثلاً في حركة طالبان. فهم الذين يملكون قرار الحرب، لذا يمكنهم الحديث عن السلام وتقرير شأنه. وهم قرروا منذ البداية أن السلام يعنى الإسلام مع الحرية والإستقلال. بينما وجود المحتل لا يعني سوى شيء واحد وهو الحرب. والأفغان لها. .جهاداً في سبيل الله.

 

صراع فوق رمال متحركة:

وضع نظام كابل غير مستقر، تبعاً لوضعية دولة الإحتلال التي تبحث عن مخرج للهروب الآمن مع ضمان مصالحها في نفس الوقت “!”. بينما يوجد على قمة النظام في كابل رئيسان، في واحدة من الإبداعات الأمريكية في عالم سياسة المستعمرات. فهناك الرئيس “أشرف غني” رجل البنك الدولي، وإلى جانبه الرئيس التنفيذي (!) عبدالله عبدالله، طفل الإستعمار المدلل. والصراع بين الرئيسين ظاهر أحياناً ومختفي أحياناً، ومستمر دائماً. وذلك يضيف المزيد من التعقيد على نظام مليء بالثقوب.

الأخطر من كل ذلك سيكون الصراع بين حكمتيار من جانب وجميع أعمدة النظام من جانب آخر، خاصة مع سياف رفيقه اللدود في رحلة “الكفاح”. ومعروف أن حكمتيار كان طرفاً أساسياً في الحرب الأهلية بين المنظمات في كابل (1992 ــ 1996)، وأنه انضم إلى حكومة رباني في كابل خوفاً من حركة طالبان التى اقتحمت العاصمة، وعندها فرّ جميع القادة إلى نهر جيحون لعبوره إلى طاجيكستان، كان حكمتيار متشككاً في نواياهم تجاهه، وأدعى أنهم كانوا يخططون لقتله، فغادر إلى إيران.

حكمتيار (وإن كان متأخراً جداً) عاد الآن إلى وكر هؤلاء القادة في كابل، فبأي ضمانات سيبقى بينهم بدون أن يخشى على حياته؟، بل وبدون أن يخشى الآخرون على حياتهم من مؤامراته التي أدمن عليها طوال حياته السياسية، فقتل المئات من خصومه، بل وأصدقائه، غيلة؟.

 

(قد ننشر في وقت لاحق صدام حكمتيار مع أسامة بن لادن في آخر لقاء بينهما بعد أحداث 11 سبتمبر، والإجتياح الأمريكي لأفغانستان، وكيف كان مليئاً بالتحدي والتهديد الوقح من جانب حكمتيار، والشك الحريص والمهذب من جانب بن لادن).

 

– صبغة الله مجددي ـ زعيم تنظيم جهادي سابق وأحد أعمدة نظام كابل حالياً ـ اتهم حكمتيار باغتيال نجله في بيشاور عقاباً للأب على مواقفه السياسية!

– “برهان الدين رباني” الذي أغتاله المجاهدون عقاباً على مساندته للإحتلال الأمريكي، كان هو وتنظيمه المسمى (الجمعية الإسلامية) هم العدو الأساسي لحكمتيار وتنظيمه المسمى (الحزب الإسلامي) طوال الحرب ضد السوفييت. فالاشتباكات الدامية بين الطرفين كادت أن تطغى خلال فترات معينة على الحرب ضد السوفييت أو الشيوعيين.

ــ أما الصراع بين حكمتيار وسياف فكان أشد مرارة، وكان لدوافع شخصية وسياسية في آن واحد. فالكراهية والشكوك تغطي تلك العلاقة العدائية على الدوام.

فمنذ هروب سياف من كابل، بعد خروجه من السجن في الأيام الأولى للإحتلال السوفيتي، وحكمتيار يشكك في قصته كلها، متهما إياه بعلاقة مع الشيوعيين عن طريق ابن خالته “حفيظ الله أمين” ثاني رئيس جمهورية شيوعي في تاريخ أفغانستان، رغم أن دخول سياف إلى السجن في عهد “محمد داوود” كان بسبب اتهامه بعلاقة مع الأمريكيين. وقد قبِض عليه وهو على وشك السفر جواً إلى الولايات المتحدة في بعثة دراسية ضمن برنامج (للتدريب القضائي!).

ــ لم يكتفِ حكمتيار بذلك التشكيك، بل ادعى سرا لبعض العرب المقربين منه أن سياف له جذور يهودية من سلالة هؤلاء اليهود الذين فروا من إيران إلى أفغانستان هرباً من اضطهاد الدولة الصفوية لهم. والطريف أن شائعات أخرى اتهمت حكمتيار بنفس الإتهام، وكان مصدرها زملاء له من القيادات الأصوليه العليا.

ــ القتال بين أتباع الزعيمين سياف وحكمتيار اندلع في عدة مناسبات داخل أفغانستان، خاصة في ولاية ميدان وردك. و كلاهما كان يستخدم ضباطاً شيوعيين فروا من الجيش وانضموا إلى صفوف (المجاهدين)، فكان لهؤلاء الضباط دخل كبير في تصعيد الاشتباكات واستمرارها لفترات طويلة، وسقوط أعداد كبيرة من المجاهدين ما بين قتيل وجريح.

■ والسؤال الآن هو: على أي صورة سوف يستأنف الزعيمان علاقاتهما التاريخية في سفك الدماء؟ وما تأثير ذلك على نظام كابل المتهاوي؟

قد لا يطول إنتظار الإجابة عن هذا السؤال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*