من هو الإرهابي؟

أبو عبدالله

 

مع مرور كل يوم يفتضح الأمريكان والمحتلون أكثر فأكثر باعترافات عقلائهم ونبلائهم الذين لايهتمّون بأقوالهم أصلاً، اقرؤوا هذه الفقرة ثم تفكّروا هنيهة:

“أنا موجود هنا في أميركا، لأن بعض المتعصبين الدينيين الأصوليين من انجلترا، جاءوا إلى هنا وبدأوا بإبادة السكان المحليين، ثم جاء بعدهم من تولى إبادة من تبقى منهم، لم يكن الأمر شأناً صغيراً، لقد أبادوا الملايين، وعندما كنت صبياً، كنت ورفاقي نلعب لعبة رعاة البقر (الكاوبويز)، كنا نحن (الكاوبويز)، وكنا نقتل الهنود الحمر، لم تكن لدينا أي فكرة أخرى تستهجن هذا الأمر”.

بهذه الكلمات الموجزة يفتتح المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي كتابه “القوة والإرهاب جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية”، الذي صدرت ترجمته العربية عن دار الفكر بدمشق عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق. يتضمن الكتاب مقابلات وأحاديث أدلى بها نعوم تشومسكي لعدد من الكتاب والمحررين الصحفيين حول موقفه الرافض لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية وتدخلها في شؤون الدول الأخرى، كاشفًا عن دوافع الإرهاب المستترة بأقنعة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ونزع أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من الشعارات التي تسوقها الولايات المتحددة لتبرر تسلطها وهمينتها وممارستها للعنف والقتل والإرهاب بصورة ممنهجة.

في هذا الكتاب يفكك تشومسكي مصطلح الحرب على الإرهاب، واصفًا إياه بالعودة إلى البربرية الحديثة، موضحًا أننا لا نستطيع مخاطبة إرهاب الضعفاء ضد الأقوياء دون مواجهة “الإرهاب الشديد، إلى حد لا يوصف، الذي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء”، وفي هذا السياق يرصد تشومسكي مدى الدمار والإرهاب الذي مارسته الولايات المتحدة على مدار العقود الماضية، وآثاره المدمرة على عشرات الدول ومئات الملايين من البشر، منذ بدء استراتيجية الحرب على الإرهاب التي تم ترويجها بقوة في بداية الثمانينات في الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ريغان، كمدخل رئيسي لتبرير التدخلات والحروب التي تقودها الولايات المتحدة في مناطق مثل أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

يكشف الكتاب أيضًا عن مدى هيمنة الإعلام الأمريكي والغربي وقدرتهم على تقديم سرديات تاريخية مضللة، فضلًا عن إلهاء شعوب العالم بأمور وقضايا كثيرة تافهة، بينما تدمر دول بأكملها ويُقتل مئات الملايين من البشر دون أن ينتبه أحد، وعندما يحاول بعض أبناء تلك الدول مواجهة الإرهاب الأمريكي يضخم الإعلام من جرائمهم التي لا يوجد أدنى وجه مقارنة بينها وبين الجرائم الأكثر بشاعة التي ترتبكها الولايات المتحدة والتي يتم تجاهلها.

رغم محاولات الولايات المتحدة تغيير صورة سياستها الخارجية في فترة حكم باراك أوباما، بالإعلان عن سحب القوات الأمريكية من العراق ثم من أفغانستان، وعن ضرورة الاعتماد على أساليب بديلة غير استخدام القوة العسكرية، إلا أن الصحفي الأمريكي جيمي سكاهيل يكشف في كتابه “الحروب القذرة” مدى كذب هذه الشعارات والسياسات، فالصحفي الأمريكي جيريمي سكاهيل، الذي جاب العالم ليتتبع العمليات الأمريكية تحت إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب في أفغانستان واليمن ومالي والصومال، والتي وصفها سكاهيل بأنها تحولت من حرب على الإرهاب إلى حرب للإرهاب ساحتها العالم بأكمله، وأن ما تمارسه إدارة أوباما هو ذاته ما مارسته إدارة بوش، فقط اختلفت الأسماء والوجوه.

ويروي سكاهيل قصصًا تستحق الاهتمام حول الحرب في أفغانستان؛ ففي حين تبث وسائل الإعلام قصصًا للجنود الأمريكيين وهم يجلسون مع شيوخ القبائل الأفغانية؛ يروي سكاهيل قصصًا مرعبة حول المداهمات الليلية التي تقوم بها القوات الأمريكية لمجرد الاشتباه، كقصة قتل القوات الأمريكية لعائلة أفغانية مكونة من 5 أفراد منهم امرأتين حوامل لمجرد بلاغ من الشرطة الأفغانية بشأن إيوائها لإرهابيين قبل أن تنكشف حقيقة الأمر فتقوم القوات الأمريكية بانتزاع طلقات الرصاص من أجساد الضحايا وتصوير الأمر وتصديره للإعلام باعتباره قضية من قضايا الشرف.

ويروي سكاهيل كذلك قصصًا كثيرة من اليمن أبرزها قصة قتل الأمريكي أنور العولقي أحد أهم المطلوبين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر الذي قُتِلَ بقصف أمريكي في اليمن، ويُجري سكاهيل مقابلة مع عائلة العولقي التي تحكي قصة تحوله من التعاطف الشديد مع الضحايا الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر إلى معاد للإدارة الأمريكية بعدما رأى الإرهاب الذي تنشره الولايات المتحدة حول العالم.

ولا يكتفي سكاهيل بذلك بل يعمد إلى التحقيق في مقتل عبدالرحمن العولقي، ابن أنور، وعمره 16 عامًا، بعد أسابيع فقط من اغتيال والده، ويتساءل عما إذا كان حقًّا من قبيل المصادفة أن نجل أنور قُتِلَ بعد أسابيع من مصرع والده؟ خاصة بعد أن شاهد الأفلام المنزلية الخاصة بعبد الرحمن، الذي رآه سكاهيل مشابهًا لقرنائه الأمريكيين، ليخرج بافتراض أن عبدالرحمن قد قُتِلَ بسبب ما قد يصبح عليه في يوم من الأيام. فرق الاغتيالات حول العالم أحد أهم الملفات التي تناولها سكاهيل في كتابه، التي كان عددها لا يتجاوز 5 آلاف في عهد بوش، ولكن في عهد أوباما أصبحت 25 ألفًا تعمل في مختلف دول العالم على قائمة مطولة تضم مواطنين أمريكيين، وكانت العمليات تتم بموافقة شخصية من أوباما قبل أن يوكل الأمر إلى سي آي إيه بعد توسع القائمة بشكل كبير، كما حكى عن الجنرال الأمريكي، جون برانون، العقل المدبر لبرنامج القصف باستخدام الطائرات دون طيار، الذي يعقد اجتماعًا في البيت الأبيض كل ثلاثاء في اجتماع يطلق عليه «ثلاثاء الإرهاب» يتم من خلاله تقرير من يعيش ومن يموت على كوب الأرض عبر كتابة أسماء المستهدفين على كرات البيسبول فى لعبة أشبه ما تكون بلعبة الموت. الكتاب صدر في الولايات المتحدة في أبريل من العام 2013 في 55 فصلاً إضافة إلى المقدمة والخاتمة، وتم تحويله إلى فيلم وثائقي تمت ترجمته للعربية.

هذا وعدد ضحايا الحرب الأمريكية القذرة بعد ١١ سبتمبرعلى أفغانستان وباكستان والعراق وصل إلى أكثر من مليون مدني! مقابل 3000 قتلوا في 11 من سبتمبر! فقولوا من الإرهابي وعلى من يصدق الإرهاب بمعناه؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*