ramadan2

شهر الانتصارات!

عرفان بلخي

 

لقد أظلنا شهر مبارك، اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، شهر نزلت فيه آيات القرآن الكريم، شهر الانتصارات، شهر ارتفعت فيه رايات المسلمين عالية خفاقة، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، فما أعظمه من شهر! فهو شهر الفتوحات التي أكرم الله سبحانه وتعالى بها عباده المؤمنين الصادقين في كل معركة خاضوها قديماً وحديثاً، منذ عصر النبوة وإلى عصرنا الحاضر، ومن خلال تصفحنا كتب السيرة والتاريخ فإننا نلاحظ أنه ما مِنْ معركة من المعارك، وما من غزوة من الغزوات خاضها المسلمون في هذا الشهر المبارك، إلا ونصرهم الله على أعدائهم، ولعل في هذا بياناً لقيمة هذا الشهر ومنزلته العظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

إن من عظمة هذا الشهر الكريم أنه ليس شهر الصيام والتهذيب والتأديب وقراءة القرآن فحسب، بل هو شهر الانتصارات وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض، حيث كانت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، على موعد مع الفتوحات والانتصارات في هذا الشهر الكريم،. ففي هذا الشهر المبارك وقعت أهم أحداث التاريخ الإسلامي الظافر وأروع الانتصارات. ومن صفحات الماضي الزاخر بالأمجاد ومن الذكريات الإسلامية الخالدة في هذا الشهر المبارك، ما وقع فيه من النصر المؤزر للمسلمين في كثير من الغزوات والمعارك التي خاضوها على مر التاريخ .

نعم نحن في شهر رمضان العظيم، شهر تجدد الذكريات وعهود الطهر والصفا، الشهر الذي فيه العطاء والرحمة والرأفة والحنان، فيه العفة والنقاء، شهر المواساة والطاعات بانواعها، له في نفوس الصالحين بهجة وفي قلوب المتعبدين فرحة وحسبه من فضائله أن اوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

يقول احد العلماء: “إن في هذا الشهر المبارك تتجلى نفوس أهل الايمان بالانقياد لأوامر الله وهجر الرغبات و الشهوات، ولا شك أن في النفوس تكون دوافع الشهوة، وفي الصدور دوافع الغضب والانتقام، وفي دروب العمر خطوب ومشقات ولا دافع لذلك إلا بالصبر والمصابرة، وإن هذا هو شهر الصبر والمصابرة والصيام والرحمة والانعام.

ومن جانب آخر يشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في شهر رمضان كانت تُكلَّل بالفوز والانتصار، من هنا حرص الرسول الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – أن تكون أغلبُ غزواته في شهر رمضان؛ تقربًا إلى الله – عزَّ وجلَّ – وإرشادًا للمسلمين إلى سبيل الاسـتعداد لاحتمال الشـدائد في الجهاد، وهنا تجتمع – لدى المجاهد الصائم – مجاهـدةُ النفس ومجاهدةُ الأعداء.

وللمسلمين في غزوة بدر التأسي فقد وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة والتي سميت غزوة بدر الكبرى، التي أطلق عليها القرآن الكريم “يوم الفرقان”، وهي أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، حيث كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين تسعمائة وخمسين رجلاً، وكان مع المشركين سبعمائة بعير ومائة فرس، بينما لم يكن مع المسلمين سوى سبعين بعيراً وفرسين، ولكن كانت معهم القوة الإلهية، والمعية الربانية التي لا تغلبها أية قوة في الأرض مهما كانت، فكان النصر للمسلمين، و مكَّن الله لسيوف المسلمين من رقاب أعدائهم، فخرَّ الواحد منهم تلو الآخر صريعاً مُجندلاً. ويوم بدر هو اليوم الأغر في جبين التاريخ الإسلامي العريق، حيث كان فرقاناً ميّز الحق وأظهره، وأخزى الباطل وحزبه”.

يقول سيد قطب رحمه الله: “لقد كانت غزوة بدر – التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده – فرقاناً. فرقاناً بين الحق والباطل – كما يقول المفسرون إجمالاً – وفرقاناً بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيراً، كانت فرقاناً بين الحق والباطل فعلاً، ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء، الحق الذي يتمثل في تفرد الله – سبحانه – بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله: سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك؛ والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك، ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء! فهذا هو الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان!

لقد كانت فرقاناً بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد، كانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير، فرقاناً بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية؛ وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات.

وكانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك، فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، وللشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات؛ وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره ولا متسلط سواه ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة”.

كذلك وقعت غزوة تبوك: في شهر رمضان من السنة التاسعة من الهجرة و كانت آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففر الروم وولى المشركون رعباً.

وكان فتح الأندلس في شهر رمضان من سنة 93 هجرية. انتصر المسلمون بقيادة القائد طارق بن زياد وأقاموا الحكم الإسلامي فيها وبنوا حضارة عريقة.

وحدثت موقعة عين جالوت في شهر رمضان من سنة 658 هجرية. حيث هب الجيش الإسلامي لملاقاة جحافل التتار الذين كانوا قد انصبوا إنصباب السيل المدمر يُخربون ويُدمرون. وانتهت الموقعة بتمزيق جموع التتار وهزيمتهم شرَّ هزيمة وهناك غزوات أخرى قد كتب الله فيها النصر لعباده المؤمنين.

أراد الله للعصبة المسلمة بهذه الانتصارات أن تصبح أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة وسلطان، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها. فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد، إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي. ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله؛ ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة؛ ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد، وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان.

لكن – مع الأسف – رمضاننا هذه الأيام لا نصيب له مما فات؛ لأن سلطان الإسلام لم يعد موجوداً. فرمضان المسلمين الآن يأتي والأمة تنزف في مواطن كثيرة، فهذا جرح فلسطين الغائر، وذاك جرح سوريا نازف، وجرح في كشمير، وفي العراق واليمن وليبيا وفي الفلبين، وفي بورما… وما يبرح أن ينزف جرح جديد حتى يلحق به جرح أخر. ففي رمضان كان غزو بلادنا أفغانستان من قبل أمريكا ولما ظهرت بعض الأصوات لتقول لأمريكا بأن رمضان قادم ويجب أن نراعي حرمته فلا نغزو المسلمين، قال بوش متبجحاً إن المسلمين كانوا يخوضون المعارك في شهر رمضان ــ وصدق وهو كذوب ـــ فقام المعتدي المجرم بوش ومن بعده اوباما واليوم ترامب قاموا خلال ستة عشر سنة بالقتل والتدمير وتفتيت أجساد الأطفال والنساء والشيوخ، وجربوا عليهم أنواع القنابل العنقودية والفراغية والذكية والغبية والتقليدية وأم القنابل وأسماء ما سمعنا بها من قبل.

لكن الله لهم بالمرصاد، فسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين، وجعله لهم حقا، فضلاً وكرماً. وأكده لهم في الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكا ولا ريبا حيث قال: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). القائل هو الله القوي العزيز الجبار المتكبر، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.

يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد، وسنته التي لا تتخلف، وناموسه الذي يحكم الوجود لاشك ان الله تعالى لا يخلف الميعاد. وقد آن اوان نصره وستسقط أمريكا كما سقط غيرها من إمبراطوريات، وستطوى صفحتها من وجه المعمورة، بإذن الله.

والله ولي المؤمنين. صدق الله العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*