نبذة وجيزة عن المعركة بين الحق والباطل في خاشرود

بقلم: مصعب (مراسل الصمود من الخنادق)

 

المعركة بين الحق والباطل مستمرة منذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. ومنذ ذلك العهد وأعداء الإسلام يمكرون ليلاً ونهاراً للقضاء على الإسلام، بتشويه عقيدته، والإفساد في بلاده، والإستيلاء على معاشه. ولن تضع هذه الحرب أوزارها حتى يُقاتل آخر هذه الأمة الدجال، مصداقاً لما أمر به الله سبحانه وتعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) بأن نقاتلهم حتى لا تبقى للكفر شوكة، وثانياً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)، وثالثاً لما تقتضيه الظروف والأوضاع. ومعلوم أن أهل الحق كانوا أقل في عددهم وعدتهم في معظم المعارك والغزوات، وكذلك حالنا اليوم.

ونحن نعيش زمان الهفوة بعد الغفوة والنهوض بعد الرقود كما كان في عهد النبي عليه السلام، نرى أن عجلة كيد اليهود الذين سيطروا بها على العالم كالأخطبوط، وقفت في أرض افغانستان، وردها المجاهدون ردا عنيفا، بعدما أخمد اليهود نور الخلافة العثمانية وشتتوا بلاد المسلمين. وأما حال المسلمين في أفغانستان، فلا يخفى على أحد. لكنهم وقفوا أمام السيل الذي عجزت بلدان العالم عن أن يصدوه، وعندهم من القوة ما لا يُحصى من الجيوش والدبابات والطائرات والقنابل الذرية والكيمياوية.

فما وجدنا لسانا يستنكر غزو أفغانستان، ولو واحداً. حتى اهتزت قلوب المؤمنين في العالم وبلغت الحناجر، ولكن الأمير ملا محمد عمر رحمه الله قال قوله التاريخي، وقرأ: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، ثم رغّب المسلمين في الثبات وانتظار الظفر. فثبت المجاهدون بإيمانهم الراسخ وعقيدتهم المتينة، وصمدوا صمود الجبال الراسيات، حتى أصبحت أرضنا مهد الجهاد والمجاهدين في جميع العالم، يحثون إليها السير ليعيدوا للأمة مجدها. وهانحن اليوم نرى المسلمين في كل الأقطار قد رفعوا رايات الجهاد ضد القوات الطاغية، بعدما أخذوا درسا ساميا من أرضنا عن المعركة بين الحق والباطل.

فانظر أيها القارئ، كم البون الشاسع بين ماديات جند الرحمن وجند الشيطان. وانظر لحقيقة ما يجري في زماننا في العالم الإسلامي عامة وأفغانستان خاصة، فإن أردنا معرفة حقيقة هذه المعارك فعلينا بالكتاب والسنة، وانظر إلى ما يقول الله تعالى: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) حيث يأمرنا ربنا بالإيمان الصادق. فهذه الدبابات والقنابل والحوامات والطائرات والجيوش الهائلة والمؤامرات الطائلة والعالم كله لا يعدل عند الله جناح بعوضة، فكيف ينهزم جيشه تعالى إذا تمسك بكتابه؟

ويشهد التاريخ أن انتصار الحق على الباطل في كل زمان كان خارجاً عن مقاييس البشرية والتقديرات الإنسانية، وذلك لأن الله تعالى قادر على كل شيء وقدرته خارجة عن عقل البشر، ومن سنته أنه تعالى ينصر عباده المؤمنين بالملائكة في كل زمان كما نصر الأنبياء والمرسلين والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، قال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم…) وأيضا: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم).

فمن أراد فهم وإدراك حقيقة المعارك الإسلامية وانتصار المسلمين فيها، فعليه أن ينظر إليها بمنظار الكتاب والسنة، لأنها معارك دينية قدسية، فلا تفهم إلا بالعلوم الشرعية، ومن حاول فهم هذه الحقيقة بغير هذا فقد يضل ويُضل. وعلى المسلمين في كل زمان أن يطّلعوا على الأحداث بمنظار الكتاب والسنة، لا بمنظار التقديرات المادية، لأن التقديرات المادية من قبل البشر، والبشر خطاؤون، أما العلوم الشرعية فهي علوم سماوية لا تخطئ. وقد رأينا تبايناً واسعاً بين الحق وبين دعوات الرجال المادية الذين درسوها وقضوا حياتهم فيها، حينما أخطأوا عندما سئلوا عن هجوم أمريكا على أفغانستان ومصير هذه الحرب.

 

والآن نبذة عن أحوال ما نعالجه على خط النار:

اليوم يوم الخامس عشر خلون من شعبان سنة ١٤٣٨هـ.ق، وأنا جالس في خط النار في غرغري بمديرية خاشرود في ولاية نيمروز، ولها وزن كبير في أفغانستان؛ لذا نجد أن العدو جمع من جنوده وصنع من الثكنات ما لا يعد ولا يحصى.

ونحن على مسافة ٩٠٠ متر من أعدائنا، ومن جانب آخر أقرب من هذا إلى ٧٠٠ متر تقريباً، ثم تبدأ خنادقنا وتصل إلى بعد ٣٠٠ متر تقريباً. وهذا أول وآخر حدهم ثم تبدأ مركز المديرية، فتألبوا هنا بخيلهم ورجلهم.

وفي بعض الأحيان حاولوا أن يصدوا المجاهدين ويضطروهم إلى التقهقر، ولكن دون جدوى، حيث يُصابوا في كل مرة بخسائر فادحة. وحدث قبل أشهر أن حاولوا اقتحام خط النار بموكب عظيم من الدبابات والجنود، ولكن الله ردهم بفئة قليلة، حيث عدد المجاهدين بالنسبة لهم أقل من عدد أصحاب بدر أمام الكفار، فبعون الله وقوة الإيمان، وبراعة الفنون الحربية ومهارة الخبرة القتالية، صد المجاهدون عدوهم وأوصلوهم إلى جحورهم بعد أن قتلوا منهم كثير، فقلت:

 

نحن أسود قد شبنا *** في طاحون الأقدار

ديدننا قتل الأعداء *** هاقد عدنا للثأر

 

فلا تنظر إلى قوة العدو، لأنهم جبناء، بل انظر إلى جرأة المجاهدين وشجاعة المرابطين ونصر الله الذي يرافقهم، فإنه لا قوة أمام قوة الله، ولا جند أمام جند الله سبحانه و تعالى. والله المستعان.

والآن نجدهم كامنين في حصونهم، حتى لا يجرؤ أحد منهم على أن يرفع رأسه، فإذا فعل، وجد جائزة من الرصاص الذي ينقر رأسه بسلاح القناص المجاهد إسماعيل الأسد الذي يبقى مترصداً للفريسة مع أصحابه، وقد اصطاد أحدهم قبل أيام، فما كان في وسعهم إلا أن يقذفوا الهاون عشوائياً بقذائف لم تضرنا إلا أنها أيقظت نائمينا. فقلت:

 

قمنا في الخط الناري *** نردي رأس الفجار

بالرشاش البراق *** والصاروخ الجزار

في المرصاد نلبث *** بالقناص الشرار

 

أمّا المجاهدون الذين معنا، فإنك إن أتيتنا أيها القارئ! فستقف حائراً من شجاعتهم وبسالتهم، وستجدهم يمرحون ويتهلّلون وهم في حضن الموت، وتجدهم منتظرين لأمر الأمير حتى ينقضّوا على أعدائهم. وأمّا أوصافهم: فأخلاقهم تشفي القلوب، ومجالستهم تزيل الهمّ، ومصاحبتهم تنشؤ المروءة. قلوبهم صافية، وعن الحقد والبغض نائية، يستصفحون عند كل فراق، ليس في قلوبهم للدنيا نصيب، والشهادة لهم المطلوب الفريد، ثيابهم بالية، ولكن صاحبها بحر الغيرة والعزة، روحهم تتقلب ألماً على ما ألمّ بالأمة فآثروا الموت على الذلة، وأكثر ما يأكلون من الخبز البائت ما لا يؤكل إلا بالثريد. فبهذه الشيم العالية والخصال النفيسة والصبر الممدود والثبات المحمود قاموا يدافعون عن بيضة الإسلام وأهله، فجزاهم الله عنا وعن المسلمين خير ما يجزي به عباده الصالحين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*