arhmunnas

الافتتاحية: لا تهن ولا تحزن يا شعب أفغانستان العظيم

لم يدع الاحتلال الأمريكي باباً لإخضاع الشعب الأفغاني إلا طرقه، ولا مكيدة لخلخلة صف المجاهدين إلا نسجها، ولا مكراً لتحويل موقفه في أفغانستان من الهزيمة إلى النصر إلا مكره. لكنه في كل مرة لم يجد سوى الخيبة والخسران والحسرة. حتى أن المراقب لسياسات الاحتلال الأمريكي في أفغانستان ليخال أن هذا الاحتلال يتطلّب الماء من السراب. فسبحان الله الذي أذل بالأفغان رأس الطغيان وراعية الإرهاب في العالم؛ أمريكا.

 

قبل أسابيع قليلة، اعترف وزير الدفاع الأمريكي (جيم ماتيس) أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ أن بلاده لا تنتصر في أفغانستان في الوقت الراهن.

تبِع هذا الاعتراف، أنباء عن عزم الولايات المتحدة وحلف الناتو إرسال المزيد من القوات المحتلة إلى أفغانستان، لدعم القوات الحكومية الأفغانية وتدريبها، حسب وصفهم.

وما لا يجب أن يغيب عن الأذهان، هو أن الاحتلال خفض من تواجده في أفغانستان عام 2014م أصلاً لأجل تقليص خسائره الروحية والمادية، بعد أن كان جنوده صيداً سهلاً تتخطفهم أيدي المجاهدين بطول البلاد وعرضها. ثم دفع بجنود الحكومة الأفغانية العميلة، بعد ذلك، إلى ميادين المعارك ليقاتلوا المجاهدين بالنيابة عنه، فيسقط القتلى والجرحى من جنود الحكومة العميلة، بدلاً عن جنوده. واكتفى هو بعمليات التدريب والقصف الجوي والمداهمات الليلية، وغيرها من العمليات التي لا تتطلب مواجهات مباشرة مع المجاهدين؛ حرصاً على أرواح جنوده.

لكن الذي لم يخطر لقادة الاحتلال على بال، هو أنّ من الجيش والشرطة الأفغانية من هو مجاهد أساساً، يتحيّن الفرص للنيل من غاصبي البلاد ولصوص الأوطان. بل حتى من لم يكن منهم مجاهداً من مجاهدي الإمارة الإسلامية، فإن نبذ الأفغان للمحتلين الأجانب والغزاة صفة متأصلة في نفوسهم، وعلامة عُرفوا بها طبعاً لا تطبعاً.

 

فلا تهن ولا تحزن يا شعب أفغانستان العظيم، مهما زاد عديد جنودهم، فهم حتماً -كسابقيهم من الطغاة- إلى زوال واندحار وفناء. إن هذا الكون تُسيّره مشيئة الله عز وجل، لا مشيئتهم. وتتحكم فيه قدرة الله عز وجل، لا قدرة جنودهم.

وفي الحقيقة ماهم إلا كمن يصارع ناموس الكون فلا يزداد إلا ضعفاً واضمحلالاً، ولا يزداد قدر الله إلا مضاءً ونفاذاً. وقدر الله أن تكون أفغانستان قاصمة ظهورهم ومقبرتهم ومصنع أكفانهم إن شاء الله القوي العزيز.

إن الأعوام الستة عشر من عمر العدوان الأمريكي على أفغانستان، برهان على هذه الحقيقة التي يتهرب من مواجهتها والتسليم بها رؤوس الاحتلال وقادته. ولو كان لهم من الأمر شيء لجعلوا الكون يدور في فلكهم هم، وفي مدار سياساتهم هم.

وتحضرنا هنا قصة الملك الظلوم، الطاغية التي تصف حال هذا الاحتلال المجرم، والتي يحكيها الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- فيقول: “أما سمعتم قصة الملك الذي طغى وبغى وشَنَق وخنق، حتى خَلعت خشيةُ بطشه القلوبَ وقطعت الألسنة، فجاءه رجل صالح من رعيّته بمسمار عظيم أعدّه وحمله إليه على أربعة جمال حتى بلغ به باب القصر، فأطلّ الملك فرآه فقال متعجباً: ما هذا؟ قال: هذا يا مولاي مسمار لتسمّر به الفلك، فلا يدور بالمُلْك عنك إلى غيرك ويبقى لك أبداً.

وما سُمّر الفلك ولا دام المُلْك، وأودى الدهرُ بجبروته وسلطانه فلم يعد يحسّ به أحد أو يدري بأنه كان له يوماً وجود. ذهب كما ذهب من قبله فرعون وهامان والنمرود، وهلك كما هلكت عادٌ وثمود، وقد كانوا جبابرةَ الأرض وكانوا مَرَدَة البشر، ومشى في الطريق الذي مشى فيه الطغاة جميعاً، إلى جهنم. فأين هو اليوم؟ وأين فرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى}؟ وأين النمرود الذي ضَرّم النار على إبراهيم؟

فلا تجزعوا إن استأسد فيكم ثعلب أو استنسر بُغاث؛ لقد ذهبوا جميعاً، جرفهم سيل الزمان، أفيبقى من بعدهم فلان (ممن لا أسمّي) وفلان؟ أيودي السيلُ بالفِيَلة الكبار والآساد وتَثْبت له القطط والخرفان؟”.

نعم، لا تجزع أيها الشعب الأبيّ، ولا تهن ولا تحزن، فما هؤلاء المحتلين إلا هباءة من الهباءات الخبيثة التي ابتُليَت بها أفغانستان، وستذروها رياح الجهاد والمقاومة عما قريب بإذن الله العزيز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*