داعش وحكمتيار .. مشروع واحد للفتنة (الحلقة 2)

كتب مصطفى حامد :

 

# ضمن مشروع الفتنة الأمريكي: إحضار داعش إلى لوجر، واستدعاء حكمتيار إلى كابل.

# مخيم شمشتو في بيشاور؛ وكر لمجرمي داعش ومافيا حكمتيار.

# وكر الإجرام ينتقل من “شمشتو” إلى مديرية “أزره” في لوجر، كقاعدة مشتركة لداعش ومافيا حكمتيار، بإشراف المخابرات الأمريكية والباكستانية.

# هيلوكبتر باكستانية تعطلت في “أرزه” فظهر ما بها من معدات عسكرية حديثة وأموال، وجنرالات باكستانيون.

# “زرداد” يعود إلى حكمتيار، بعد 20 عاماً سجن في بريطانيا بسبب جرائم حرب.

# القناة التلفزيونية الأمريكية CNN أول من أذاع فيلما عن داعش في “أرزه”.

# الإحتلال الأمريكي يؤسس لمؤامرة الحرب الأهلية.

# الفتنة المذهبية والفتنة العرقية، اتجاهان للفتنة التى يجهزها الإحتلال.

# حكمتيار في كابل يتحول من قاتل إلى زعيم حركة نسوية تطالب بحقوق المرأة.

 

داعش من شمشتو إلى أرزه

مخيم شمشتو على أطراف مدينة بيشاور الباكستانية أقيم لإيواء المهاجرين الفارين من جحيم الحرب في أفغانستان. وبمعرفة المخابرات الباكستانية، استوطن فيه الكثير من مسلحي حكمتيار. وكانت باكستان تستخدمهم في عمليات الاغتيال داخل بيشاور، وبشكل خاص ضد القيادات الميدانية الجهادية الذين يعارضون تدخلات وهيمنه باكستان عليهم. ومازال دور ذلك المخيم مستمرا إلى اليوم، مع زيادات تتناسب مع تطور الأوضاع في أفغانستان والعالم، ونشؤ ما يسمى بالإرهاب الدولي الذي يوصف زورا وبهتانا بالإسلامي.

مسلحي حكمتيار في مخيم شمشتو مازالوا يمارسون نفس مهنتهم القديمة في اغتيال المجاهدين الأفغان المعارضين للتدخلات الأجنبية والدول المجاورة. الآن صار مجاهدو حركة طالبان وكوادرها ممن يتواجدون أو يعبرون مدينة بيشاور هدفا مؤكدا لعمليات الاغتيال.

الزيادة الحديثة في مهام مخيم شمشتو أنه صار مركزا لمسلحي تنظيم داعش الذين يمارسون مهامهم “التفجيرية” في مناطق باكستان، ثم انتقل نشاطهم إلى أفغانستان. (بعد 2015 حين قلصت أمريكا والناتو قواتهما، استعانوا بمسلحي داعش، لأنهم الأقدر على إحداث الفتنة الدينية والعرقية. وهو ما عجز عنه الإحتلال).

ــ بوصول حكمتيار إلى كابول، زاد تواجد داعش في أفغانستان رسوخا، ونشاطها أخذ منحى جديدا. فالإحتلال الأمريكي يرعاها ويحدد سياسة عملياتها، ورئيس الدولة “أشرف غني” يراقب الشق اللوجستي، وحنيف أتمار مستشاره الأمني هو المشرف الميداني مع حكمتيار الزعيم والراعي للأنشطة العسكرية الجديدة لعصابات داعش ومجموعات المافيا من رجاله الذين توطنوا لسنوات في مخيم شمشتو في باكستان، وترعاهم الآن حكومة أشرف غني التي تخطط لإنشاء معسكر لهم يكون قاعدة ميدانية أفغانية، بدلا من شمشتو الباكستانية.

ــ المكان الذي وقع عليه الإختيار يقع في مديرية أرزه الواقعة في ولاية لوجر جنوب العاصمة كابول. وهي نفس المناطق التي شن منها حكمتيار حربه ضد حكومة رباني في التسعينات، وقصف أحياء المدينة بالمدفعية والصواريخ.

في نفس مواقع الحرب الأهلية السابقة، تتمركز مافيات حكمتيار وإخوانهم من عصابات داعش. إذن الإتجاه واضح والبرنامج القادم من السهل استنتاجه.

ومن السهل حتى على المواطن العادي أن يرى بصمات داعش واضحة في عمليات تفجير السيارة قرب السفارات الأجنبية ثم نسف المصلين، حتى ولو لم تعترف باقترافها للجريمة. فالعمليات “الإستشهادية !!” التي تقتل المصلين والمدنيين الأبرياء، هو تخصص تحتكره عصابات داعش.

ــ بوصول حكمتيار إلى كابول زاد تدفق الدواعش على مديرية أزره جنوب العاصمة. ومخابرات دول الجوار من جهتها تولت تزويد داعش بالأسلحة والمعدات المتطورة والدولارات. الإثبات المادي جاء به حادث المروحية التي هبطت إضطراريا (!!) في منطقة إزره تحديدا (!!).

 

مروحية روسية، وضباط باكستانيون، وتنظيم إرهابي:

هبطت مروحية من طرازM17 تابعة للجيش الباكستاني وعلى متنها جنرالات باكستانيون. قالت باكستان أن الهبوط كان إضطراريا، وأن الطائرة كانت في طريقها إلى جمهورية أوزبكستان بغرض الصيانة، ولكنها تعطلت وهبطت في منطقة أرزه الجبلية.

شهود عيان، مع الأخبار التى تواترت، قالوا أن ركاب الطائرة كانوا جنرالات باكستانيين.

وأن الطائرة كانت محملة بملابس عسكرية وأجهزة لا سلكية وأجهزة تحديد المواقع بالأقمار الصناعية، وكميات من الذخيرة، والدولارات.

 

أرزه: المكان والأحداث

ــ مديرية أرزه تقع في شمال ولاية لوجر، وكانت مسرحاً لنشاط حكمتيار في الحرب الأهلية لتدمير كابول (1992 ـ 1994).

ــ وفي بدايات حملتهم على أفغانستان (2001) أختار الأمريكيون مديرية أرزه كي يزرعوا فيها القائد عبد الحق لينفذ برنامجا لصالحهم. ولكن طالبان تمكنوا من إعتقاله، فحاول الجيش الأمريكي إنقاذه فأرسل القوات الخاصة المنقولة بالمروحيات، لكن طالبان تصدوا للمهاجمين وأفشلوا المحاولة.

ــ الوالي الثاني (لأمارة خراسان) التي أعلنتها داعش في أفغانستان كان هو “الشيخ حسيب” الذي قتل في غارة جوية لطائرة بدون طيار أمريكية كان من مديرية أرزة. ومن قبله قتل أيضا الوالي الأول وهو الباكستاني “حافظ سعيد”.

ــ من مديرية أرزه، كان القائد الميداني التابع لحكمتيار المدعو (زرداد فريادي) وهو من كبار المجرمين الذين آذوا شعب أفغانستان، وقد عمل مع حكمتيار في منطقة سروبي شرق كابول. والمذكور كان يمتلك حاجزا على الطريق، وكان يرعب المسافرين بواسطة رجل مجنون من رجاله أسماه (كلب زرداد).

بعد أن استولت حركة طالبان على كابول، هرب زرداد إلى لندن. ومع أنه لم يصطحب معه (الرجل الكلب) إلا أن السلطات البريطانية اعتقلته وحاكمته بإرتكاب جرائم حرب ضد المدنيين، وحكم عليه بالسجن 20 عاما. وقد أطلق سراحه مؤخرا قبل شهرين من وصول حكمتيار إلى كابول. ولإحياء الأمجاد الخالية زار (زرداد فريادي) قائده السابق حكمتيار في كابول.

وربما يظهر زراداد ـ وكلب زرداد ـ لإستكمال منظومة داعش في أزره.

 

فتن الليل المظلم: هندسة الفتنة كما يغزل خيوطها الإحتلال

لا يختلف التخطيط الأمريكي لأفغانستان عن تخطيطها لباقي بلاد المسلمين، بل وكافة البلدان. فلأجل دوام السيطرة الأمريكية على جميع الأمم، فإنها تنشر بينها الإختلافات والصراعات والحروب الداخلية والخارجية.

ولأسباب داخلية أساسا لا ترغب أمريكا أن تدفع بقواتها في حرب مكشوفة واسعة النطاق، وتفضل عن ذلك أن تخوض حروبها بدماء وأموال الآخرين. أو أن تنتصر في معاركها بلا حروب، يكفي التلويح بقواتها من بعيد، وأن تستخدم الآخرين كي يحاربوا لأجلها، فظهر مصطلح الحروب بالوكالة.

مشروعها الضخم منذ عقود هو تفتيت بلاد المسلمين من أجل تسهيل إبتلاعها. وفي العديد من بلاد المسلمين نشهد الصراعات الداخلية بل والحروب بين مكونات البلد الواحد على أساس المذاهب الدينية أو العرقيات المتعددة أو بين أتباع الديانات المختلفة داخل الوطن الواحد.

وهكذا يسهل إبتلاع الجميع، بلا حروب أو بأقل قدر منها.

ــ عندما أسس وزير خارجية أمريكا (جون كيري) حكومة من العملاء كي يدير بهم أفغانستان (عام 2014) كان هدف بلاده هو إيجاد مراكز قوى تعمل على تفتيت تماسك الشعب وإشعال الصراعات المسلحة بين مكوناته العرقية، وعلى الأخص بين أكبر مجموعتين وهم البشتون والطاجيك.

على رأس واجبات رجال الحكم أن يجهزوا الأجواء ويوفروا الذرائع، ويختلقوا الأحداث التي تحرض على الفتنة الداخلية أو تشعلها. وفيما يلي عدد من النماذج التي وقعت مؤخرا والتي توضح مجهودات رجال الدولة في مهمتهم الموكلة إليهم من المحتلين. وهكذا تتحرك الفتنة بخطواتها القاتلة على أرض أفغانستان.

 

الفتنة تتحرك (الطاجيك/البشتون):

فيما يلي مثال على الإستنجاد بالفتن التاريخية من أجل إشعال فتن حالية. أو بعبارة أخرى إيقاظ الفتن النائمة حتى لوكانت راقدة في أعماق التاريخ.

ــ في الأول من سبتمبر الماضي (2016) قام أفراد من تحالف الشمال بإخراج رفات (الأمير حبيب الله كلكاني) المشهور تاريخيا بإسم (باتشا سقا) ـ إبن السقا ـ وهو من قومية الطاجيك.

الذي -في أجواء الإضطرابات التي إجتاحت البلاد- إستولى على العاصمة كابول بعدد محدود من أعوانه، وأعلن نفسه ملكا على البلاد بدلا من ملكها أمان الله “من قومية البشتون”. واستمر حبيب الله ملكا حتى شهر أكتوبر 1929. ولكن القائد العسكري (نادرشاه) وبمساعدة القبائل البشتونية تمكن من القبض عليه وإعدامه مع عدد من أعوانه بما فيهم شقيقه. وأصبح نادر شاه ملكا، وأورث حكمه لإبنه ظاهر شاه آخر ملوك أفغانستان.

تلك القصة هي جزء من التاريخ، حيث إنتهت الملكية من أفغانستان ولا سبيل لعودتها مرة أخرى. ولكن نبش قبور التاريخ بهدف إيقاظ الفتن، هو من الأعمال المعتادة للمستعمرين وأعوانهم.

تحالف الشمال يعتبر “حبيب الله” بطلا من أبطال الطاجيك لهذا شرعوا بنقل رفاته، ومعه رفات 20 من أصحابه لكي يُدفن في أحد التلال التاريخية المشهورة في قلب العاصمة. القوميون من الباشتون كان لهم رأي مخالف فهم يرون في حبيب الله سارقا وباغيا على الملك الشرعي أمان الله.

تصاعدت المشكلة إلى درجة إطلاق النار فسقط قتلى وجرحى من الجانبين ـوهذا هو المطلوبـ حتى تدخلت القوات الحكومية وسيطرت على الموقف.

على أي حال فإن ظلام الليل كان خير عون لتحالف الشمال كي يدفنوا رفات حبيب الله حيث أرادوا له. فتوقفت الفتنة عند هذا الحد. ولكن إلى حين.

 

دوستم يفرض الفتنة بالدم (أوزبك/بشتون):

في أعقاب تشكيل (جون كيري) لحكومة أفغانستان، ذهب عبد الرشيد دوستم ـ أحد أعمدة النظام الحاكم ـ كي يقوم بمهمة تطهير عرقي ضد “البشتون” في ولاية فارياب (شمال غرب)، مدعيا تطهير المنطقة من مسلحي طالبان. إمتدت عاصفة التطهير العرقي ضد البشتون في العديد من ولايات الشمال وطالت ولايات جوزجان، وبلخ، وسربل، ومناطق شمالية عديدة.

ــ استغرق ذلك شهرا من المذابح المتواصلة. وقال الناجون من المجازر أن مليشيات دوستم المسماة (جلم جم) إقترفت تلك الجرائم بإسناد عسكري من قوات الجيش ومروحياته.

ــ إستغاث أهالي المنطقة، وسافر شيوخهم إلى كابول ليشكوا فظاعات نائب رئيس الجمهورية إلى المسؤولين ونواب البرلمان والإعلام، وشرحوا لهم ما حدث من حرق للبيوت والمزارع وطرد السكان خارج مناطقهم.

ولكن لم يتحرك أحد ضد دوستم الرهيب، الذي  ظل يكرر القول بأن ما قام به كان موجها فقط ضد طالبان المتواجدين في المناطق البشتونية.

ذلك التغاضي عن جرائم كبيرة وبشعة، فهم منه الجميع أنها تتم بتوجيه من الإحتلال، لتسعير نيران الفتنة بين قومية “الأوزبك ” وبين “البشتون” المقيمين في الشمال.

ــ قوات طالبان في الشمال، إستمعت إلى شكاوى المظلومين فاستجابوا لهم واستردوا حقوقهم على الفور. فطردوا قوات دوستم من كل المناطق التي دخلتها وألحقوا بها هزائم كبيرة.

أما دوستم نفسه فقد نصبوا له كمينا ـ وكان يتنقل داخل مدرعة مصفحة ـ فجروها وقتلوا سبعة من حراسه، وأصيب هو بجراج.

ــ دوستم نائب الرئيس المهزوم أفرغ جام غضبه على غريمه حنيف إتمار ـ المستشار الأمني للرئيس أشرف غني، متهما إياه بالوقوف وراء الكارثة التي حاقت به.

 

الفتنة تتحرك (الهزارة/البشتون):

تحركت الفتنة إلى ساحة أخرى، وانتقل دور”البطولة” إلى نائب رئيس الأركان السابق ونائب الوزارة الداخلية حاليا الجنرال “علي مراد” وهو شيعي، حتى تكتسب الفتنة بعدا مذهبيا إضافة إلى بعدها العرقي.

ــ تصرف الجنرال بأسلوب عسكري بحت، فقام بشن هجوم واسع النطاق على مناطق البشتون في ولاية (بغلان) وبالتحديد في مديرية (دندغورى) ومنطقة شهاب الدين.

فقتل مئات من السكان وأحرقت منازلهم ومزارعهم، إلى باقي المظاهر الوحشية في مثل تلك المجازر. فتساوى الجنرال (علي مراد) الشيعي من عرقية الهزارة مع الجنرال (عبد الرشيد دوستم) السني من عرقية الأوزبك.

كارثة أخرى أتت في الإتجاه المعاكس، وإن كانت الشبهة تحيط بنفس الذين إرتكبوا المجزرة الأولى. حيث قتل 19 من عمال أحد المناجم في ولاية بغلان، وجميعهم من الشيعة الهزارة. إرتكب الجريمة مسلحون مجهولون، ولم يصدر أحد بيانا يتبنى فيه العملية ـ وبالتحديد من داعش المتخصصه في قتل الشيعة والصوفية ـ ولما كان مسرح الجريمة يقع بالكامل في قبضة الحكومة وجيشها، فالإستنتاج الوحيد هو أن الفاعل هو قوات الجيش نفسها. ولعل الذي  قتل البشتون (السنة) قام برد الفعل المفترض فقتل الهزارة (الشيعة) حتى يتم تفسير الجريمة على أنها إنتقام معاكس من جانب البشتون.

وهكذا تعمل هندسة الفتنة كما يرسمها الإحتلال.

 

وحدة القتلة: (حكمتيار، داعش، الإحتلال)

في الموقع الإلكتروني لجريدته المسماة “شهادت”، أعلن حكتيار في شهر يونيو 2015 أنه يطلب من مسلحيه داخل أفغانستان أن يقاتلوا إلى جانب مسلحي داعش في حال حدوث قتال بينهم وبين طالبان “!!”.

وهكذا شهد الزعيم الأصولي على نفسه، بالإصطفاف كاملا مع الإحتلال. وبأن الفواصل بين مسلحيه ومسلحي داعش هي فواصل وهمية. وأن قواته هي داعش وأن داعش هي جزء من قواته. ولكن أين هي قوات حكمتيار التي يتحدث عنها؟.

فمن المعروف أن المسلحين الذين اتبعوا حكمتيار قد تفرقوا في إتجاهات شتى بعد فراره من كابول عند دخول حركة طالبان إلى العاصمة عام 1996، فلم يعد لهم كيان واحد يجمعهم.

وعند حدوث العدوان الأمريكي على أفغانستان واحتلالها، فإن عددا ممن إنتسبوا إلى حزب حكمتيار سابقا إنضموا إلى حركة طالبان يقاتلون في صفوفهم. أما الجزء الأكبر فقد عملوا كميلشيات لدى الحكومة تحت إسم (الأربكية). وهي تشكيلات مسلحة جمعت سقط متاع المجتمع الأفغاني من اللصوص والقتلة ومطاريد القبائل.

وكما استهدف مجاهدو حركة طالبان قوات الإحتلال وقوات الجيش العميل، فإنهم إستهدفوا أيضا مرتزقة “الأربكية”. فغضب حكتيار وادعى أن حركة طالبان تقاتل ضد قواته ومجاهديه.

إذن “الأربكية” المجرمون المرتزقة، و”الدواعش” السفاحون، جميعهم من قوات حكمتيار.

وفي هذا تفسير لما يحدث في معسكر “شمشتو” في باكستان من تجاور الفريقين ضمن معسكر واحد وتوجههم إلى إغتيال قيادات طالبان، ومذابح للمدنيين الباكستانيين أنفسهم، وإرسالهم في مهمات مماثلة داخل أفغانستان، حتى وصل بهم المطاف إلى مديرية “أزرة ” في لوجار.

ــ في التوقيت الملائم قرر الإحتلال أن ينضم حكمتيار بشخصه ومباشرة إلى نظام كابول، بعد أن كان تعاونه مخفيا أو عبر كبار كوادر حزبه السابقين الذين إلتحقوا بالنظام الجديد وكانوا حلقة إتصال وتنسيق غير معلن مع الإحتلال، وإن كانت آثار التنسيق واضحة ولا تحتاج إلى تفسير.

ــ عاد “الأصولي” التائه كي يعمل عند الإحتلال داعية للسلام وترك السلاح، داعيا طالبان إلى وقف مقاومتها للمحتلين والإعتراف بالإحتلال كأمر يجب على الجميع أن يتعايشوا معه.

ــ في الحقيقة فإن إلتحاق حكمتيار جاء لتعزيز خطة الإحتلال لإشعال حرب أهلية في أفغانستان تشغل الشعب بنفسه، وتأخذه بعيدا عن قتال المحتلين، وتشغل الطوائف العرقية والدينية بقتال بعضهم بعضا، وإحراق وطنهم بأيديهم. والأهم حماية المحتلين. وذلك ما حدث في العراق تماما.

ــ الحرب الأهلية التي يخطط لها الإحتلال الأمريكى، تتحرك بقوة أصحاب المناصب العليا في نظام كابول، من سياسيين وعسكريين. فالحكومة التي أسسها (جون كيري) وضع لها رأسان متعاديان، كل منهما يمثل عرقية مختلفة، وكل منهما يعزز مواقعه داخل النظام، وداخل البلد بواسطة عصابات مسلحة، وتشكيلات مدنية إرتزاقية، إستعدادا لساعة الإنفجار التي سوف يعطي الإحتلال إشارتها عندما يرى أن الظروف صارت مناسبة.

ــ حكمتيار أعتبر إضافة هامة للجناح البشتوني في نظام كابول، وتعزيزا لموقع “الرئيس” أشرف غني البشتوني في مقابل “الرئيس” الآخر عبد الله عبد الله الطاجيكي.

أشرف غني ينتهز كل فرصة لتعزيز جناحه البشتوني بالتخلص من ممثلي الطاجيك والأزوبك بأي ذريعة كانت، حقيقية أو مزيفة.

فقد استغنى عن مستشاره (أحمد ضياء مسعود) شقيق أحمد شاه مسعود ـ الطاجيكي، في مقابل إرتفاع نجم حنيف أتمار ـ الشيوعي ـ كمستشار أمني “للرئيس”.

ــ ثم كانت فرصة سانحة أمام أشرف غني كي يكبل نشاط الوحش الكاسر (عبدالرشيد دوستم) نائب الرئيس، صاحب أخطر ميليشيات إجرامية تعمل في البلاد منذ الإحتلال السوفيتي وتعمل حاليا لصالح الاحتلال الأمريكي. الفرصة أتيحت لأشرف غني كي يكبل دوستم مؤقتا بفرض الإقامة الجبرية عليه بعد جريمة فضائحيه إرتكبها دوستم بحق مساعده السابق أحمد إيشجي بالإعتداء عليه جنسيا واحتجازه عاريا لمدة أسبوع.

ــ إذن توقيت وصول حكمتيار إلى كابول كان مناسبا تماما. والعديد من المنافسين الكبار من العرقيات الأخرى قد أزيحو أو تجمد نشاطهم ولو مؤقتا.

والأهم أن وصول حكمتيار إلى العاصمة كان في نفس توقيت (الإثنين، 24 أبريل 2017) وصول وزير الدفاع الأمريكي (جيمس ميتس). ولم يظهر حتى الآن ما ترتب على هذا التزامن، وهل تمت أي لقاءات مباشرة بينهما أم لا؟

بوصول حكمتيار إلى كابول إنفجرت الخلافات بينه وبين عدد من أتباعه القدماء، متهمين إياه بالإستسلام للمحتلين الأمريكان والإنضمام إلى حكومة عميلة لهم.

ومعلوم أن حكمتيار منذ سطوع نجمه كزعيم في الثمانينات ـ وربما قبل ذلك ـ كان يلجأ إلى إغتيال معارضيه ناهيك عن المنشقين عن حركته. وكان شعاره في ذلك قوله لمن حوله (من شذ، شذ في النار) وتفسيره لذلك هو إغتيال المعارضين والمنشقين عنه.

أول ضحايا شعاره هذا، من المعترضين على الإنضمام إلى نظام كابول، كان سكرتيره حاجي فريد الذي عارض الإنضمام إلى حكومة كابول، فوجدوه مقتولا داخل بيته في بيشاور.

 

من قاتل إلى زعيم نسوي:

أما حكتيار فقد بدأ حياة جديدة في مسيرته النضالية بعد وصوله إلى كابول. وكان من الطبيعي أن يعلن ولاءه للنظام وللرئيس “غني” وحكومته التى إعتبرها أمل البلاد في الخلاص والإنقاذ (من المجاهدين طبعا وليس الإحتلال). مواصلا الهجوم على حركة طالبان واصفا مجاهديها بأنهم (سفهاء يقاتلون شعبهم) وكأن الإحتلال وميليشيات “الأربكية” وداعش هم شعب الله المختار.

ــ حكمتيار أظهر وجها جديدا يتناسب مع التحضر ومتلائما مع الإحتلال. فالشخص الدموي ضيق الأفق ـ تحول إلى “جنتل مان” أوروبي، حريص على حقوق النساء، فيعقد لهن جلسات خاصة، معلنا لهن تأييده لحقوقهن السياسية ومشاركتهن في حكم البلد.

وتدشينا لهذا التحول التاريخي لشخصيتة، من قاتل بالجملة وبالقطاعي، إلى شخصية لطيفة مؤيدة لحقوق المرأة، اصطحب الزعيم معه زوجته وإبنتاه لحضور أول حفل أقيم لإستقباله في القصر الجمهوري بعد وصوله من بيشاور.

حكمتيار ـ الدموي ضيق الأفق ـ يدشن عهده الجديد وتطوره النهائي، كنصير للمرأة، بل أيضا معترفاً بجميلها المباشر عليه. إذ نشرت صحف كابول منذ عامين أن إبنتاه توسطتا لدى السفارة الأمريكية في كابول من أجل عودة والدهما الأصولي إلى مثواه النضالي الأخير كعميل لمن إستعمروا بلاده.

فنزل الستار على الفصل النهائي من مسيرة ما قيل عنه يوما: “زعيم أصولي مجاهد ضد السوفييت”.

 

الجهاد على بصيرة:

حكمتيار الداعشي الأمريكي، نصير المرأه ونصير الإحتلال، دخل بقدميه وبكامل إرادته وبواسطة أقرب الناس إليه، دخل إلى دوامة الفساد السياسي والمالي والأخلاقي المغموس بدماء الشعب الأفغاني.

يدرك ذلك الشعب حقيقة ما يجري، وأبعاد ما يخطط له المحتل. فقد إكتوى بهذه النيران سابقا لذا نراه أشد إلتحاما بمجاهديه، عارفا قدرهم، مجاهدا إلى جانبهم على بصيرة. لأنهم أبنائه الذين يعيشون معه في نفس الظروف ويعانون نفس الآلام ولهم نفس الأحلام في إقامة حياة حرة كريمة تحت ظلال عدل الإسلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*