لا تدخلن على الأسود عرينها!

صلاح الدين مومند

لقد دمعت عيون ترامب الصغيرة لما رأى هزيمة أمريكا وخيبة أحلامها في أفغانستان، وجلس غراب الشؤم على منكبه، ورجع حاملاً لواءه خاوي الوفاض إلى داره.

هنيئا لك يا ترامب اتباعك لاخوتك الغزاة المعتدين مثل هولاكو والتتار والمغول وروسيا شبراً بشبر وذراعاً بذراع، الغزاة المعتدين الذين جنوا على أنفسهم وانهزمت جيوشهم الجرارة وحفروا قبورهم بأيديهم في مقبرة الامبراطوريات، ومن نجى منهم رجعوا وهم على مشارف الهلاك كقوم عاد الذين أصابهم الله بالقحط والجدب ومع ذلك أصروا على كفرهم وظنوا أن بإمكانهم رفع البلاء الذي أحاط بهم إذ هم أرسلوا وافدهم إلى الأرض المباركة ليدعو لهم. فماذا كانت النتيجة؟ ذهب هذا الوافد ليمكث شهراً يشرب الخمر، أرأيت إلى هذا الوافد الذي يلهو ويستمتع بشهواته وبعد شهر دعا ربه دعاء البطرين، وخيَّره الله بين أنواع السُحب فأختار سحابة فيها عذاب، فدمره الله ودمَّر قومه. لقد كان وافد عاد مشؤوماً.

وهاهي إدارة ترامب الآن بدأت مراجعة خطتها فيما يتعلق بالأزمة الأفغانية بعد 16 عام من الحرب الغاشمة، وانقسم فريقه للأمن القومي بشأن قضية إرسال مزيد من القوات أو سحب الجنود المتواجدين في بلادنا.

وقال له قادة الجيش مراراً أن الأزمة الأفغانية وصلت إلى “طريق مسدود”. وقد رأى بأم عينيه أن توتراً شديداً خيّم على الاجتماع، حين قال أنه يتحتم على وزير الدفاع “جيمس ماتيس” ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال “جوزيف دانفورد” دراسة إقالة الجنرال “جون نيكولسون” قائد القوات الأمريكية في أفغانستان؛ لأنه لم يتمكن من تحويل مسار الحرب نحو الانتصار، كما رصدت وكالات الأنباء قوله للمسؤولين “نحن لا ننتصر في أفغانستان”.

وها هو ريتشارد بلاك -السيناتور الأمريكي الشهير- يكتب في مقال له: “لقد حان وقت أن نضع نقطة النهاية للمعركة التي بداناها في مقبرة الامبراطوريات؛ لأننا قد دخلنا في مستنقع الهلاك”.

الحق أن السيناتور أفاق من سكرته، وعرف أن أمريكا قد خسرت هذه المعركة بكل معاني الهزيمة، ولا يمكن لها الانتصار فيها. ثم أضاف: “لقد خسرنا المعركة من أول يوم لها”.

ولقد سجلت أمريكا تاريخاً حالكاً في حربها الطويلة، حيث جعلت أكثر من ألفين وثلاثمئة من جنود جيشها غمداً لسيوف المجاهدين، وأكثر من عشرين ألفاً آخرين من الجرحى والمعوقين، وهي وصمة عار لجبين أمريكا الظالمة. ويقال: من زرع الظلم يحصد الخسران.

ولله درالشاعر حيث قال:

 

لا تدخلن على الأسود عرينها *** وتقول من في الموت قد ألقاني؟

لاتطرقن على المصائب بابها *** وتقول من ذا بالخطوب رماني؟

 

لقد أذاق الله أمريكا طعم الخوف والهزيمة والرعب، ولن تستطيع ترقيع هذا الخرق الواسع، رغم زعمها أنها أقوى قوة عالمية، وأنها شرطية العالم بأكمله.

ليعلم ترامب ومن على شاكلته أنه لا يمكن السيطرة على الأفغان عن طريق القوة والبطش؛ إن الشعب الأفغاني معروف بمقاومته لكل الغزاة الذين غزوا أرضه قديماً وحديثاً، فمن الإسكندر المقدوني الذي استولى على رقعة كبيرة من العالم إلى أن وصل إلى كابل فقاومه الأفغان مقاومة مستميتة دفاعاً عن حرمهم حتى هرب. ومن تلك اللحظة وحتى الآن أصبحت بلادنا قلعةً منيعةً حصينةً من قلاع الإسلام، وقاومت جميع الغزاة المعتدين على أرضها؛ فهزم الأفغانُ الإنجليز ثلاث مرات في معارك فاصلة، ثم سوَّلتْ لروسيا نفسها أن تصل إلى المياه الدافئة في الخليج العربي؛ فاختارت أن تمر على قلب الشعب الأفغاني؛ ولكنها هُزمَت وانسحبت عام 1989 من القرن الميلادي الماضي.

ولقد أوضح الخطاب الأخير للإمارة الإسلامية هذه الحقيقة لترامب، حيث جاء فيه: “إن مقاومة شعبنا الدينية والوطنية ليست حرباً غير مشروعة أو بالوكالة، بل نابعة عن عقيدة صافية وإرادة شعبية، وإن دوائركم الاستخباراتية تعترف بأن مجاهدينا لا يدعمون من قبل أي دولة، ولم يعثروا على أية أدلة أو شواهد تجاه ذلك. وإن شعبنا بعد تعرضه لغزوات متتالية اعتاد كيف يقف ضد المحتلين لفترات طويلة بروح عالية وتجهيزات وأسلحة بسيطة، ويرغمونهم في النهاية بالخروج من البلد”.

ونقرأ في فقرات أخري من الخطاب :”يعلم الجميع الآن أن السبب الرئيسي في حرب أفغانستان هو الاحتلال الأجنبي، ولأجل ذلك اندلعت نيران الحرب هنا، وكل جهة تستفيد لصالحها من هذه الأجواء الحربية، ولو لم تكن الحرب هنا لاستطاعت حكومة محكمة ومسئولة أن تسيطر على الاضطرابات والتصرفات اللا مسئولة، وأثبتت لكم تجاربكم في الشرق الأوسط أن إشعال نار الحرب ليس لصالح أي شخص من سكان هذا العالم.

وتعلمنا التجارب السابقة أن إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان لا يعني سوى انهيار أكثر في المجال العسكري والاقتصادي لأمريكا، لذا فالأفضل أن تختاروا إستراتيجية إخراج الجنود الأمريكيين بدلاً من إرسال مزيد من القوات، ولا شك أن هذه الإستراتيجية ستنجي بأرواح هؤلاء الجنود من جهة، ومن جهة أخرى ستجبر أخطاء المسئولين الأمريكيين السابقين، وتضع نقطة النهاية لإرثهم الحربي”.

وفي الختام جاء فيه: “أظهرت تجارب سابقة أن إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان لن ينتج عنه إلا مزيد من الدمار للجيش الأميركي وللقدرات الاقتصادية الأميركية فاسمعوا بآذان صاغية بأنكم لم تنتصروا في حرب أفغانستان بجنودكم وجنود حلف الناتو المدربين، ولا بالتكنولوجيا المتطورة، ولا بالاقتصاد القوي، ولا بالجنرالات العسكريين المخضرمين، ولا بالاستراتيجيات المتتابعة المختلفة، فهيهات أن ينتصر فيها قتلة مأجورون ومرتزقة، أو شركات أمنية سيئة السمعة، أو عملاء بلا ضمائروالجميع يفهمون الآن أن الدافع الرئيسي للحرب في أفغانستان هو احتلال أجنبي، ليس لدى الأفغان نوايا سيئة حيال الأميركيين أو أي دولة أخرى في العالم لكن إن انتهك أي طرف مقدساتهم فهم أقوياء بارعون في ضرب المعتدين وهزيمتهم”.

هذا والحق يقال، أن شعبنا الأبي جاهد العدو الغاشم مدة ليست بالقصيرة، وقد أثمر جهاده، ولا يمر يوم إلا وشفق النصر يتجدد في الأفق القريب، وقد أذل الله الجبابرة المعتدين الذين ظنوا أن احتلال بلادنا لقمة سائغة، وظنوا أن الحكم سوف يستتب لهم في غضون أشهر وأسابيع، ولكن خاب ظنهم حيث طال انتظارهم إلى أكثر من عقد ونصف، دون أن يستطيعوا تثبيت حكمهم النحس بشكل تام حتى في شبر واحد من هذه الأراضي الطاهرة المخضبة بدماء الشهداء الابرار، ولن يستطيعوا في المستقبل باذن الله.

ولقد أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة وسلطان. وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها. فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد. إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي. ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد. وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*