بمناسبة اليوم العالمي للسلام

کتبه الأستاذ خلیل وصیل

 

“ميرويس” طفل أفغاني يبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة، قتل والده وشقيقه الأكبر في قصف أمريكي، يتجول على المساجد يصلي مع الجماعة ثم يتجه مسرعا نحو بوابة المسجد حاملا المساويك والمسابيح ليبيعها على المصلين، حيث هو المعيل الوحيد لأسرته؛ أمه وإخوانه الصغار وأخواته الصغيرات.

قبل أيام خاطبه أحد المصلين وقال له: يا ولدي، ألا تذهب إلى المدرسة؟ لماذا لا تواصل دراستك؟ ألا تدري أن اليوم هو يوم السلام العالمي؟ قامت الأمم المتحدة بتخصيص هذا اليوم في السنة للاحتفال بالسلام ويُدعى اليوم العالمي للسلام، والذي يصادف يوم 21 من شهر أيلول من كل عام، وذلك من أجل تعزيز مفهوم السلام بين شعوب العالم، فعلينا أن نحتفل بهذا اليوم ونؤجل نشاطاتنا الأخرى إلى أيام أخر.

سكت ميرويس ملياً وقال بعد زفرة طويلة: يا عم، نحن كشعب مضطهد يجب علينا أن نسعى إلى تحقيق السلام؛ لأننا نعاني من ويلات الحروب منذ عقود، وطالت مأساتنا وعلينا أن نعمل سويا لإرساء الأمن في بلدنا المنكوب.

ولن تزدهر حياتنا ولن تتطور بلادنا ولن نصل إلى الراحة النفسية ولن نشعر بالأمان والاستقرار؛ ما لم ننعم بالحرية والسلام الحقيقي.

ولكن ماذا سنجني من الاحتفالات المصطنعة والشعارات الفارغة، وطائرات هؤلاء المحتفلين تقصفنا ليل نهار، وصواريخهم وقنابلهم تهطل علينا هطول الأمطار؟

ماذا ستحقق لنا الاحتفالات ونحن مشردون مقهورون؟ ومحرومون من حق التعليم ومن ضروريات الحياة الأساسية؟

قاطعه الشيخ وقال له: ولكنهم يقولون أن المجاهدين هم من تسببوا بإخلال الأمن في المنطقة؟

– كذبوا يا عم، كنا نعيش بأمن وسلام حتى جاء القتلة السفاكون بمباركة ودعم من أدعياء السلام، فاحتلوا بلادنا ونهبوا أمننا وسلبوا كرامتنا ونغصوا عيشنا ونكدوا حياتنا ونشروا الفوضى والفتن في أرضنا، تخريبًا وتدميرا، و تقتيلا وتشريدا.

مهلا أدعياء السلام! لا توجهوا أصابع الإتهام نحو المستضعفين فهم ليسوا بأعداء للسلام، ولكنكم أنتم من نهبتهم كرامتهم وسلبتم حريتهم، فهم يناضلون لاستعادة الحرية.

يا عم، لقد أصموا آذاننا بشعارات السلام والأمن والحرية، وفتكوا بنا بأسلحتهم الهدامة ودمروا منازلنا وقتلوا آباءنا وأمهاتنا وأقاربنا وشيوخنا وأطفالنا ونساءنا. إنهم يسفهون عقولنا ويتلاعبون بحياتنا.

يا عم، إنهم يحتفلون بالسلام ولكن السلام يلعنهم ويفضح عوارهم، ويقول: تباً للعالم المخادع، وسحقاً للعالم المنافق، أنا لا أتحقق بالاحتفالات ولا أولد في المؤتمرات الدولية بل بالقضاء على مسببات الحرب وعواملها.

قال له الشيخ: ولكن ألا ينبغي أن نتظاهر بالفرح والسرور لندخل البهجة والحبور على وجوه أطفالنا؟

يا عم، ما لنا وللإحتفال بالسلام وأطفال الأفغان والشام وفلسطين وبورما يذبحون ويقتلون تحت مرأى ومسمع من أدعياء السلام الذين اختاروا الصمت المطبق والسكوت المخزي.

لا ينبغي لنا أن نحتفل بيوم السلام، لأننا نرى أطفالهم يعيشون بسلام وأطفالنا يتفحمون بنيران قصف طائراتهم.

سأله الشيخ وقال: متى سنحتفل بيوم السلام؟

أجابه ميرويس وقال يا عم، سنحتفل بالسلام عندما ترحل قوات الاحتلال من بلادنا. سنحتفل به عندما لا نسمع أزيز الطائرات وضجيج الدبابات ودوي القنابل وصفير الصواريخ. سيتحقق السلام عندما لا نرى طائرات الاحتلال تحلق في سماءنا.

قال له الشيخ فماذا يجب علينا كشعب محتل مقهور؟

– كشعب محتل ومقهور يجب أن نقاتل ونقاوم ونصمد لنخلق الظروف الملائمة للسلام ونستعيد حريتنا ونعيش بأمن وسلام.

التفت ميرويس نحو المصلين وخاطبهم قائلا: نحن بأمس الحاجة إلى السلام، نحن نعشق السلام، ولكن لن يسود السلام في العالم ولن يستتب الأمن في بلادنا حتى تخرج جيوش الاحتلال من بلادنا، لأن السلام لا ينفصل عن الحريه، فلا يمكن لأحد أن ينعم بالسلام مالم يكن حراً.

سأله الشيخ: ولكن ألا يجب علينا أن نقوم بحلّ جميع المشاكل والنزاعات بعيداً عن العنف، وبالطرق السلمية كالمناقشات والمحاورات، وأن ننبذ الصراعات والنزاعات ونتجنب الحروب والاضطرابات؟

ابتسم ميرويس، وقال بكل جرأة ووضوح: لقد علمتمونا يا عم، أن ما أخذ بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة.

اقترب الشيخ واحتضن ميرويس وقبّل رأسه وقال: بكم ننهض، وبكم نتحرر من أغلال العبودية وبراثن الإحتلال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*