التحذير من ثقافة الغرب لا يعني ترك طلب العلوم

إعداد: مسلميار

 

عندما يتحدث الدعاة والمصلحون عن جزئية في الدين تدعو إلى عدم التشبه بغيرنا من أهل الملل والنحل وأنه لا بد لنا من المحافظة على ثقافتنا وهويتنا بين الأمم؛ يُتهمون من قبل العلمانيين المسيطرين على شئون البلاد بأنهم ضد الإبداع والعلم والتواصل الحضاري بين الأمم، وأنهم رجعيون وأصوليون.. إلى آخر ما في معجمهم من الاتهامات والأباطيل.

والحق أن هذا فهم غير حقيقي للعلم والثقافة، فالعلم شيء والثقافة شيء آخر، كلاهما يختلف عن صاحبه.

والمستغربون من أمتنا، المقلدون للغرب، يحلو لهم خلط الأوراق والعبث بعقول شباب الأمة عبر وسائل الإعلام، ويصورون للعامة أن العلم والثقافة وجهان لعملة واحدة، وبما أن الغرب متقدمٌ في كل المجالات والصناعات والتكنولوجيا؛ فلا بد أن نُقلدهم؛ حتى نلحق بركب الحضارة، ولا بد من مسايرة العلم والثقافة التي تتطلب منا أن نكون على خطٍ موازٍ للغرب المتقدم.

والحق أنها شبهة جدير بنا أن نعرض لها ولكن بشيء من الإيجاز يقتضيه المقام، وهذا أوان الشروع في دحضها.

من المعلوم بأنّ العلم شيءٌ والثقافة شيءٌ آخر؛ “فالعلم عالمي لا تختص به أمة دون أمة، ولا تحتكره قارة دون قارة، فيكون غيرها عالة عليها فيه؛ إنه مشاع كالهواء الذي نتنفسه، والعلم تراث إنساني، ما من أمة إلا ولها فيه جهاد وجهود ويد وأيد، وكل درجة ارتقاها العلم في أي عصر من العصور على يد أمة من الأمم في بلد من البلاد؛ إنما كان بفضل درجة أخرى قبلها، كان العلم قد وصل إليها في عصر آخر قبل ذلك العصر، وعلى يد أمة أخرى من الأمم في بلد غير ذلك البلد الذي وصل العلم فيه إلى الدرجة التي تلي تلك الدرجة.

والعلم هو مجموعة الحقائق التي توصّل إليها العقل البشري في مراحل تفكيره وتجاربه وملاحظاته المتسلسلة بتسلسل الزمن، والمحررة باجتيازات متكررة، فلا تختلف بتفاوت الأذواق ولا تتغير بتطور المصالح، فإن جدول الضرب مثلًا من المعارف الإنسانية العريقة في القدم، وسيبقى حاجة من الحاجات الأولية لطلاب علم الحساب في كل بلد وفي كل زمن، ولولا ما كان معروفًا قبل العرب والمسلمين من علم الحساب لما توصل العرب والمسلمون إلى إتحاف الإنسانية بالحقائق الأولية من قواعد علم الجبر والمقابلة، ولولا علم الجبر والمقابلة الذى توصل علماؤنا إليه قبل مئات السنين لما تقدمت في العصور الأخيرة العلوم الرياضية الأخرى التي توصلت بها الأعمال الهندسية إلى ما وصلت إليه الآن من التقدم، فالعلوم الرياضية والحقائق الهندسية من العلم العالمي المشاع بين البشر، والذي اشتركت عقول البشر في صياغته وتقدمه وارتقائه منذ العصور العريقة في القدم، ولا غضاضة على أمة في أن تطلب العلم به حيث تجده وكذا الطب وعلوم الطبيعة والفلك وكل ما تمس إليه حاجة الأمم في قوتها وأسباب عزتها وتوفير حاجتها، والمسلمون على الخصوص يُوجب عليهم دينهم أن يتعلموا ما تدعو حاجتهم في مرافقهم إلى تعلمه من العلوم التي إن لم يحترفوها تولاها عنهم الأغيار المشركون، وكان جهلهم بها من أسباب ضعفهم.

هذا النوع من المعارف الإنسانية هو العلم وهو واحد في كل أمة، وهو اليوم سبيل القوة في الحرب والسلم وهو الذي ينبغي للمسلمين أن يكون فيهم دائمًا العدد الكافي من العاملين به، ليتولوا مرافق بلادهم بأنفسهم ويحققوا أسباب قوتهم الصناعية والحربية والاقتصادية بأيديهم، وإذا لم يتحقق ذلك إلا بإرسال البعثات إلى البلاد التي تفوقت فيه، فعليهم أن يوالوا إرسالها إلى أن يتوافر عندهم من أبنائهم رجالٌ أكفاء لسد هذه الحاجة على قدرها.

أما الثقافة فشيء آخر، فالثقافة في كل أمةٍ لها لون خاص، مستمدة من مألوفها ومن ذوقها ومن مواريثها الدينية والأدبية والعلمية ومن ظروفها الجغرافية وحاجتها الاجتماعية وتصوراتها عن الكون والحياة الإنسانية، وثمَّ عوامل أخرى تتحكم في ثقافة كل أمة، ولذا؛ نرى الثقافة الفرنسية مثلًا تختلف عن الثقافة الألمانية، بل نرى الثقافة البريطانية تختلف عن الثقافة الأمريكية مع اتحادهما في اللغة والأدب، والصينيون واليابانيون يشتركون في الكثير من المقومات، وكانوا بين الحربين العالميتين في حاجة إلى عنصر قوي يستعينون به لمقاومة الاستعمار المحيط بهم من كل جانب، ومع ذلك فإن اختلاف الثقافتين حال دون هذه الأهداف المشتركة، بل أنشب الحرب بينهما سنين طويلة قبل الحرب العالمية الثانية وفي خلالها.

ولو لم تكن الثقافة من الفوارق الجوهرية بين الأمم، لكان من المعقول أن تتعاون الصين واليابان وتتحد وجهتهما، ولتكونت منهما حينئذ قوة رهيبة لعلها تكتسح الأمم، وذلك ما كان يُنذر به إمبراطور ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، ويُسميه الخطر الأصفر.

إن تاريخ الأمة من عناصر ثقافتها، وآداب الأمة من صميم ثقافتها، وأخلاق الأمة في كل عصر من عصورها حلقة من سلسلة الأخلاق التي هي من ميراث الماضي، وقد يكون في ميراث الأمة من أخلاق ماضيها الكثير من الخير والكثير مما ينافيه، فعليها أن تُصلح بخيرها ما ينافيه من الأخلاق التي تحتاج إلى إصلاح، فإذا حاولت الأمة أن تتنكر لتراثها الأخلاقي بتطعيمه بأخلاق أجنبية عنها، أضاعت نفسها وفقدت أصالتها وصارت تنافي الأصالة ويحتقرها الأُصلاء من أصحاب تلك الأخلاق الأجنبية”. [منهج الثقافة الإسلامية للشيخ محب الدين الخطيب بتصرف].

يقول الأمير شكيب أرسلان: (إن الإفرنجي هو الإفرنجي، ما تغير شيء من طبعه، فهو اليوم كما كان عندما زحف إلينا من ثمانمائة سنة، بما فيه من الظمأ إلى الدماء، والقرَم إلى اللحم، وإن هذه المدنية التي يتدرّع بدعواها إن هي إلا غطاء سطحي لما هو كامن في طبعه، متهيئ للظهور لأدنى حادث.

فالمدنية العصرية لم تزد الإفرنجي إلا تفنناً في آلات القتل، وفصاحة في التمويه وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وبالجملة فالذي ازددناه منه هو الرثاء لا غير).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*