ترامب على خطى أسلافه!

صلاح الدين (مومند)

 

إن الأمريكيين يعترفون أن أطول حرب في تاريخهم لم يُكتب لها النجاح، وكل الخطط والاستراتيجيات أتت وتأتي بالفشل. فقد كانت الخطة الأولى عام 2001م تحسب أن 25 ألف من القوات تكفي لكبح جماح المقاومة المسلحة واستتباب الأمن والاستقرار وإرساء الديمقراطية الغربية في أفغانستان؛ ولكن تلك الخطة فشلت أيما فشل. واحتاج المعتدون لزيادة عدد القوات فأرسلوا مئة ألف جندي أمريكي بالإضافة إلى عشرة آلاف من قوات الحلف الأطلسي إلى أفغانستان، كما أنفقوا أموالاً ضخمة مع بدء عام 2014م، بما يعادل ثلاثين مليار دولار لإعادة الأمن وتعمير البلاد، بالإضافة إلى سبعة ونصف مليار دولار لمكافحة المخدرات.

وسحبت الولايات المتحدة بعض قواتها في العام 2014م، وخفضت عدد الضربات الجوية التي کانت تنف‍‍ذها ضد المجاهدين في عموم البلد، وأعلن المحتلون في نهاية العام 2014م عن إنهاء المهمة القتالية في أفغانستان، وتعهدوا رسمياً بأن القوات الأجنبية لن تقاتل بعد اليوم في أفغانستان وستبدأ حملة جديدة وهي المساعدة والدعم، ولكن المحللين والخبراء للشؤون السياسية شككوا آنذاك في نية المحتلين معتبرين المرحلة المقبلة التي أعلنوا عنها باسم الدعم والمساعدات أنها مرحلة جديدة لإراقة دماء المظلومين من الشعب. وكما قالوا “الكاذب يضيع له صدق كثير”.

وكانت النتيجة أن هُدّمت بيوت الأفغان الآمنين، وقتِل من قتِل، ومن بقي منهم أصبح 3 من كل 5 أفغان أميون لا يقرأون ولا يكتبون. واحتلت أفغانستان المرتبة 169 من بين 176 في مؤشر الفساد العالمي، وزادت نسبة إنتاج الأفيون ضعف ما كانت عليه، وراح ضحية الحرب عشرات الآلاف من الافغان وثلاثة آلاف من المحتلين إلى أن جاء دور ترامب الجديد وتعهد بمزيد من الدمار والخراب وهو يعتقد أنه سيربح هذه الحرب ونحن علي يقين أن هذا لن يحدث ولن تنتصر أمريكا في هذه الحرب الطويلة في تاريخها.

إن موقف ترامب من احتلال أفغانستان عام 2011م غير موقفه اليوم، إذ كتب في (تويتر) آنذاك: “إن الولايات المتحدة تخسر الأرواح وتضيع الوقت”، واصفاً استراتيجية سلفه أوباما بأنها خسارة ويجب إعادة الجنود الأمريكيين إلى بلادهم. وفي عام 2012م قال ترامب إنه سيسحب جميع الجنود الأمريكيين من أفغانستان. لكنه بعد مدة غير موقفه تجاه أفغانستان، وأيد بقاء 9800 جندي أمريكي في أفغانستان، وقال إن بقاء الولايات المتحدة في أفغانستان مهم. وهكذا اليوم غير رأيه إلى عكس آرائه السابقة تماماً، إذ أمر بنشر مزيد من القوى في أفغانستان، وتعهد أن ينتصر هو في هذه الحرب. وهذا محال.

يعلم ترامب أنه يخالف تعهداته السابقة والتي كان ينادي بها في حملته الإنتخابية: “أمريكا أولا”، وأن يحوّل كافة سياساته تجاه الاقتصاد والداخل الأمريكي. لكن هاهو اليوم على الرغم من التجربة المريرة التي مرت بها القوات الغازية في بلادنا؛ يسعى ترامب لتكرارها.

والعجب كل العجب الذي أبهرالعقول أن عميلي الاحتلال: أشرف غني وعبدالله، رحبا بقرار ترامب الأخير، وقالوا نوافق ما صرّح به ترامب، ولا نطلب منه أي برهان. وهذا لا يدل إلا على حماقتهم وخيانتهم لبني جلدتهم. وقد خرجت بعض الخنافس من العملاء في قندهار تؤيد استراتيجية فرعون العصر بكل ما فيها وما عليها، وقالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم.

وهكذا قد مضى أكثر من ثلث قرن ونحن نخوض في الحروب التي لاهوادة فيها. وإن الأعداء كانوا جهالاً بهذا الشعب؛ فالروس وحلفائهم والأمريكيون وحلفائهم اعتقدوا أنهم قادرون على التدخل في شؤون بلادنا وإرساء الديمقراطية على زعمهم وتشكيل حكومة موالية لهم على نحو ودي، ثم الخروج في غضون عام أو شهور، ولكنهم وقعوا في مستنقع حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وكنا في هذه الحقبة نناطحهم وذلك قد كتب علينا. كما تمثل يوماً أحد الخطباء في هذا الشأن بشعر الحافظ الشيرازي فقال: (ګرتونه مي پسندي تغيير ده قضا را) یعنی فان لم تقبل فقم بتغييرالقدر!.

مضت عشرات الأعوام ومئات الشهور وقد ذقنا مرارة الحرب وسجالها، وهاهم تورطوا واحداً تلو الأخر بغزو بلدنا، وعاد التراب مجدداً ليشرب دماء الغزاة والمعتدين، ففي هذا البلد هزم البريطانيون وكانت الهزيمة مؤشراً على انهيار امبراطوريتهم . وفي هذا البلد هزم الروس وكانت الهزيمة سبباً من أسباب إنهيار النظام السوفيتي. واليوم جاء دور انصهار الغطرسة الأمريكية وذوبان جليدها.

 

إن المسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية أصابهم العمى والعمه من عسكريين ودبلوماسيين لأنهم كانوا يدركون جيداً تاريخ هذاالبلد؛ ففي أواخر عام 2001م قال الجنرال (توميفرانكس) قائد القيادة المركزية الأمريكية، مخاطـباً الوزير (دونالد رامسفيلد): «لقد اتفقنا على أن لاننسحب من البلاد مع وجود تشكيلات كبيرة من القوات التقليدية، ونحن لا نريد تكرار أخطاء السوفييت… هذه المنطقة احتضنت ثقافة الأبطال المحاربين الفخورين بصد الجيوش الغازية لأكثر من 2000 سنة». لكن رغم ذلك لم يتعظوا، ووقعوا في هوّة تترامى بهم أرجاؤها!

ولقد بشَّر الكثير من مفكري أمريكا بسقوط هذه الدولة، وعدم بقائها على ظهر البسيطة، ومن ذلك ما قاله توماس شيتوم وهو من قدماء المحاربين في فيتنام وصاحب كتاب الحرب الأهلية الثانية: (أمريكا ولدت في الدماء، ورضعت الدماء، وأتخمت دماء، وتعملقت على الدماء، ولسوف تغرق في الدماء).

لقد شهدت بلادنا على مدار آلاف الأعوام الماضية، عدداً لا يحصى من الغزاة، بدءا من جنكيز خان إلى تيمور لنك إلى سلالات المغول، ما ترك علامات لا تمحى إلى اليوم. وفي ولاية «زابل»، توجد آثار القلعة التي بناها الإسكندر الأكبر، وفي ولايتي هيرات وغور، نرى المآذن القديمة التي بناها ملوك الفرس. أما في كابول، فتوجد المقبرة البريطانية التي تضم قبور الجنود الذين قتلوا في الحربين الأنجلو-أفغانية في القرن الـ19، وهي تذكرنا بالتجربة الاستعمارية المشؤومة لبريطانيا. وبحلول الوقت الذي انسحبت فيه القوات السوفيتية عام 1989، كانوا قد بنوا مجمعات سكنية ومصانع وجامعات ومسارح مازالت تستخدم حتى اليوم. وسنرى غداً آثار الغزاة الأمريكيين وقد انسحبوا تماما منهزمين مخذولين باذن الله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*