عمل قليل وأجر عظيم

أبو محمد

 

من عجيب الأمر أنّك ترى رجلاً ما عاش ملتزماً طوال حياته، فصلاته قليلة، أو لم تكن صلاة خاشعة، أو أنه لم يكن يراعي أداءها بأوقاتها المكتوبة، ولم يسبق له أن فتح القرآن للقراءة والتلاوة، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يحوّل حاله في لحظة واحدة من حال إلى حال، حتى ليغتبط على حاله من عاش طيلة حياته ملتزماً ومؤدياً حقوق الله سبحانه وتعالى وواجباته ولم يقصر في حقوق العباد.

من هؤلاء النّفر كان شاب في مقتبل عمره لم يجاوز العشرين، جاءنا في مديرية برافشة عام 1428هـ.ق وكان اسمه “محمد” وصل إلى أرض الجهاد عند العصر، وبعد صلاة المغرب سمعنا أزيز الطائرات بدون طيار وحمحمة النّفاثات والطائرات الحربية الأخرى إلى أن مضى هزيعٌ من الليل، فبدأ الأمريكان بقصفٍ شديدٍ لم نكن نعلم ماذا يحدث. ويذكر كاتب السطور بأنه كان متكئاً على جدار مقبلاً على الجانب الذي غلب على ظنّه بأن الأمريكان سيجيئون منه لو قاموا بإنزال لجنودهم، ولم يكن يدري ماذا يجري حوله، وظنّ كل لحظة وثانية بأنّ القنبلة ستقع عليه ولكنّه لم يتحرك وإن اشتدّ القصف ونزلت القنابل على مقربة منه كالمطر، وهناك أحس بالنعاس الذي قرأه في القرآن وعرفه عن كثب، فانتظر حتى الصباح. وفي الصباح سمعتُ بأن الشاب الذي جاءنا بالأمس من ضمن الشهداء الذين قضوا نحبهم ليلة البارحة فاسترجعت وقلت سبحان الله الذي اصطفى من عباده من لم يمكث في أرض الجهاد يوماً كاملاً واصطفاه لصحبته، وحقاً إنه عمل قليل، وأجر كثير.

فقصّة هذا البطل مشابهة تماماً لقصة الأسود الراعي الذي استشهد في خيبر، وكان من حديثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجيراً لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحداً أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلمّا أسلم قال: يا رسول الله إنّي كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم ويعرضه عليه – فلما أسلم قال : يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها، فإنها سترجع إلى ربها – أو كما قال – فقال الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن .

ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط؛ فأتى به رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه. فالتفت إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين. قال ابن إسحاق: وأخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له: أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت (له) زوجتاه من الحور العين، عليه تنفضان التراب عن وجهه، وتقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من قتلك. [الإكتفاء، بما تضمّنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء، لابن سالم الكلاعي، ج1 ص: 485- 486].

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*