اسلك سبيل الحق ولا تستوحش من قلة سالكيه

أبوغلام الله

 

صار الجهاد غريباً في هذا الزمان والمجاهد أغرب الغرباء، ربما يجد نفسه غريباً في كثيرٍ من المواطن، بينما أصدقاؤه الذين لم يسلكوا دربه يعيشون في بذخ العيش والرفاهية، ويتسابقون في بناء ناطحات السحاب، ويتلذذون fما طاب لهم من لذيذ الدنيا ونعيمها، ولا ينكّد صفو عيشهم شيء، لا همّ لهم إلا دنياهم الفانية، ويكأنهم خلقوا ليتلذذوا بلذائذ لا حدّ لها ولا حصر.

أمّا المجاهد الذي يريد أن يسترجع سالف مجد المسلمين، يتحرى الفضائل ومعالي الأمور على الإطلاق لا للذة ولا لثروة ولا لاستشعار نخوة ولا لغرض الاستعلاء على البرية وعلى خلق الله، لكنه يتحرى إعلاء كلمة الله بأن تكون عالية خفّاقة على العالم، فهو يواجه الصعوبات والمشاكل ويحس بأنّ طرق العلى قليلة الإيناس، فإذا عظم المطلوب وكان الهدف والغاية عالية وشريفة؛ قل من يساعدك ويستمر معك في المسير إليه، فلذلك طرق العلى قليلة الإيناس، يعني: أنها تكون موحشة لقلة السالكين.

يقول الشاعر:

أهم بشيء والليالي كأنها *** تطاردني عن كونها وأطارد

فريد عن الخلان في كل بلدة *** إذا عظم المطلوب قل المساعد

 

عن ابن جدعان قال: (سمع عمر رجلاً يقول: اللهم اجعلني من الأقلين.

فقال: يا عبد الله! وما الأقلون؟ قال: سمعت الله يقول: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]، وذكر آيات أخر، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر).

وقال سفيان بن عيينة: اسلكوا سبل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهلها.

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقال سليمان الداراني: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي، أي: لو كل من على ظهر الأرض شكوا في الحق ولم يؤمنوا به أو لم يعملوا له ما شككت فيه وحدي، ولبثت أنا وحدي على هذا الحق.

وقال بعض الصالحين: انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب.

فعالي الهمة يترقى في مدارج الكمال بحيث يصير لا يأبه بقلة السالكين ووحشة الطريق؛ لأنه يحصل مع كل مرتبة يرتقي إليها من الأنس بالله ما يزيل هذه الوحشة، وإلا انقطع به السبيل.

قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: “إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد، ولا في ضجيجهم بلبيك، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان”.اهـ [الدرر السنية – جزء الجهاد ص238].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في “الكافية الشافية”:

لا توحشنك غربة بين الورى *** فالناس كالأموات في الجبّان

أوَما علمت بأن أهل السنة الـ *** غرباء حقاً عند كل زمان

قل لي متى سلم الرسول وصحبه *** والتابعون لهم على الإحسان

من جاهل ومعاند ومنافق *** ومحارب بالبغي والطغيان

وتظن أنك وارث لهم وما *** ذقت الأذى في نصرة الرحمن

كلاّ ولا جاهدت حق جهاده *** في الله لا بيدٍ ولا بلسان

منتك والله المحال النفس فاسـ *** ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان

لو كنت وارثه لآذاك الألى *** ورثوا عداه بسائر الألوان

 

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “من عرف الشرعَ كما ينبغي، وعلم حالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحوال الصحابة، وأكابر العلماء، علم أنَّ أكثرَ الناس على غير الجادَّة، وإنما يمشون مع العادة!”.اهـ [صيد الخاطر ص195].

وقال الشيخ مصطفى الرفاعي حفظه الله: “في هذا العصر اليهودي الأمريكي كما يزعمون ..أظلتنا أيام أصبح فيها المسلمون في أهل الأرض الكفار غرباء .. وأصبح المصلون في مئات ملايين المسلمين غرباء .. وأصبح الملتزمون بما أمر الله ونهى من دينهم في المصلين غرباء .. وأصبح الداعون للإيمان والاعتقاد الصحيح في الملتزمين غرباء .. وأصبح الداعون إلى الله الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر في هؤلاء المؤمنين غرباء .. وأصبح الداعون لجهاد أعداء الله ودفع صائل الكفار والمرتدين والمنافقين عنها أغرب الغرباء ..”.اهـ [دعوة المقاومة ص79].

وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي -وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني-: “إني أدركت من الأزمنة زماناً عاد فيه الإسلام غريباً كما بدأ، وعاد وصفُ الحق فيه غريباً كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتوناً بحب الدنيا، يُحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلاً في عبادته مخدوعاً صريعاً غدره إبليس، وقد صعد به إلى أعلى درجة من العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها؟! وسائر ذلك من الرعاع، همج عوج وذئاب مختلسة، وسباع ضارية وثعالب ضوار، هذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة!”.اهـ [خرجه أبو نعيم في “الحلية”].

قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: “فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله ؟!”.اهـ [كشف الكربة في وصف أهل الغربة ص8].

فلا توحش أخي المجاهد! واسلك دربك الميمون، وتوكّل على الله وإياك أن تحس الخور في همتك بعد أن منحك الله هذا الشرف العظيم، واذكر موقف الشاعر النّبيل لما توهم واهم فوصف عبد الوهاب عزام الشاعر الشهير بالغربة كان جوابه سريعاً حيث قال:

قال لي صاحبٌ: أراك غريباً *** بين هذا الأنام دون خليلِ

قلتُ: كلا بل الأنام غريبٌ *** أنا في عالمي وهذي سبيلي

يعني: لست أنا الغريب بل هم الغرباء حتى ولو كانوا كثرة؛ لأن الغربة الحقيقية هي الغربة عن الحق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*