المُتَحالف مع الأمريكان نَصيبُه الخذلان

سيف الله الهروي

 

تُنسب إلى أحد الجنرالات العسكريين المتحالف مع الأمريكان هذه المقولة: (من تعامل مع الأمريكان كالذي يتعامل مع الفحم لا يناله إلا سواد).

ولو قلنا مَن تحالف مع الأمريكان سيكون نصيبُه الخذلان ولا شيء، لم نبالغ في الكلام أيضا.

فالعقود القليلة من تاريخ الولايات الملحدة تثبت لنا واقعية هذه المقولة وحقيقتها وصدقها، فحينما ننظر إلى واقع حلفاء الأمريكان في المنطقة نجد أن الأمريكان لم يعاملوا أبداً حلفائهم باحترام ولا بإنسانية، ولم يعدوهم أبداً بشراً في مستواهم لهم حقوق، بل كانت نظرتهم إلى حلفائهم من نافذة العلوّ والرفعة والكبرياء، ورؤية العبد المسيطر المتجبر إلى العبد الضعيف المسكين الذي إن لم يخدم مولاه أو لم يكن مناسبا لخدمته، أو عجز عن خدمة المولى فلا بد من استبداله بآخر يخدمه ويحقق مصالحه ويجلب له منافع.

لذلك لم ينهض الأمريكان لنصر حلفائهم أبدا حينما كانوا محتاجين إلى دعمهم في أصعب الظروف والأوضاع، بل کلما رأوا منافعهم المادية في التضحية بأصدق حلفائهم وأكثرهم وفاء ضحّوا بهم بين ليلة وضحاها، أو خذلوهم عندما كانوا بحاجة شديدة إلى دعم الولايات الملحدة.

نماذج خذلان الولايات المتحدة لحلفائها كثيرة جدا، نشير هنا إلى نموذجين من آخر نماذج خذلان الأمريكي لحلفائه وأبرزها، الأول: ما وقع في تركيا هذه الحليفة القديمة للولايات المتحدة في المنطقة، حيث خطط الأمريكيون لإثارة الفوضى الخلاقة في هذا البلد من خلال انقلاب دعموه سرا، ذلك الإنقلاب أحبطه الشعب التركي بوعيه وصيحات التكبير وخاب حلم الأمريكيين.

والنموذج الثاني الجديد من خذلان الأمريكان لحلفائهم ما شهدناه وشهده العالم هذه الأيام، وهي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حسم فيها موقفه من الصراع بين القوات الكردية المسلحة والحكومة المركزية في بغداد، حين قال إنه سيقف على الحياد من الصراع بين هذين الطرفين، والوقوف على الحياد هنا بوضوح هو مساعدة للحكومة المركزية في العراق مقابل البيشمركة، لذاك انهارت البيشمركة الكردية في كركوك وضواحيها أمام تقدم القوات العراقية والحشد الشعبي في ظل غياب الغطاء الجوي الأمريكي عن دعم ومساندة البيشمركة الكردية التي كانت تعدّ من أصدق حلفاء الأمريكان في الشرق الأوسط.

فقد تحالفت البيشمركة مع الولايات المتحدة لإسقاط حكومة صدام حسين في العراق، ثم بعد ذلك ساعدوا الحكومة العميلة في بغداد بكل قوة في محاربة المقاومة المسلحة في المناطق السنية.

ثم لما استولى مسلحوا تنظيم الدولة بمؤامرة مدبّرة من قبل الحكومة العراقية على كركوك وتكريت والموصل، تورّطت البيشمركة من جديد في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وضحّت بأكثر من عشرة آلاف من خيرة جنودها وضباطها في هذه المعارك المدمرة.

هذه التضحيات والتحالفات القديمة والجديدة قدمتها القوات المسلحة الكردية المشهورة بالبيشمركة، كلها كان لأجل أن يكتسبوا دعم ومساندة الأمريكان في تحقيق حلمهم القديم وهو الدولة الكردية المستقلة بالسيطرة على مدينة كركوك التي هي أهم مناطق النفط والغاز في العراق.

لكن خاب حلم البيشمركة في إقامة الدولة الكردية لما خذلهم الأمريكان، بل جاءت تصىريحات الرئيس العراقي المدعوم أمريكياً بإنهاء الإقليم وجعله محافظات كسائر المحافظات العراقية تابعة للحكومة الاتحادية.

هكذا خذل الأمريكيون حلفاء صادقين مخلصين لهم في حربهم على خصومهم، فلو اجتنبت القوات الكردية المسلحة التحالف مع الأمريكان واجتنبوا إعانتهم على إخوتهم المواطنين العرب لسلمت العراق، ولحققوا حلمهم بالحرية والاستقلال أيضا.

تعامل الأمريكان مع حلفائهم وخذلانهم لهم عندما يكونوا في موقع الحاجة، والتضحية بهم عند الحاجة والضرورة فيه درس كبير لتلك الشرائح التي تتحالف معهم في أفغانستان وفي سائر البلدان. يجب على هؤلاء أن يكونوا على علم ومعرفة بمصائر سائر حلفاء الأمريكان خلال العقود الماضية من تاريخ العالم، وليتذكروا مقولة ذلك الجنرال المسلم بأن من تعامل مع الأمريكان كالذي يتعامل مع الفحم لا يناله إلا سواد، وليجعلوا نصب أعينهم واقع سائر حلفاء الأمريكان في المنطقة الذين ضحوا بالرخيص والغالي ولم يكن نصيبهم من التحالف والتعامل مع الأمريكان إلا الخذلان ولا شيء آخر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*