الاحتلال حقبة الفساد والفقر والأفيون!

عرفان بلخي

 

احتلت امريكا بلادنا بحجج واهية من القضاء على الارهاب وارساء الديمقراطية واستتباب الأمن والاستقرار، لكن طوال مدة الاحتلال ما شممنا عبق الأمن الذي هو من ألزم ضروريات الحياة ومن أعظم نعم الله على البشر حتى أن القرآن الكريم جعله مع الغذاء رديفاً، فالطعام والغذاء حاجة الجسم، والأمن حاجة النفس، وقال تعالى ممتنا على قريش: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). فالقرآن الكريم جعل الخوف كالجوع من أشد العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالجماعات الآمنة المطمئنة رضية العيش عندما تشاقق ربها وتخالف أوامره، فالخوف عقوبة بليغة لا تكاد تعدلها عقوبة، والأمن نعمة عظيمة لا تكاد تعدلها نعمة، وكذلك الجوع من أشد العقوبات للإنسانية، وقد ذقنا هاتين النقمتين والعقوبتين في ظل الاحتلال الأمريكي للبلاد، وحصل الجوع نتيجة الفساد الذي أدرج البلد في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.

لقد مضت امريكا على شنشنتها العدوانية التي كانت واضحة مثل الشمس في رابعة النهار، وجعلت تدمر بلاد الاسلام وتريد أن تقتلع معاقلها عن بكرة أبيها. وعند تسطيرهذا المقال، كان الخبر الصادم بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، والذي هو بمثابة إعلان الحرب ضد الاسلام والمسلمين. ومن جملة معاقل الإسلام أفغانستان العصية على القوات الغازية على مر العصور وأحقاب الدهر، فالتاريخ يتحدث عن هزائم الطغاة والمعتدين الذين أتوا للسيطرة على هذه الأرض ابتداءا من المغول والتتار والانجليز وبالأمس القريب الاتحاد السوفياتي.

غزت امريكا بلادنا وحملت ديموقراطيتها الخانقة على ظهور الدبابات والطائرات وفرضتها على شعبنا بقوة الحديد والنار، أمريكا التي أضرمت نار القتل والقتال والفتنة والدمار فيما بين المسلمين في أقطار الأرض لتعبيد دروب وعرة لقدوم الدجال الأكبر ليقبض على العالم بسهولة، فهم يريدون تفشي الفقر في العالم خصوصا في بلاد المسلمين ليجهزوا الناس لاتباعهم، على غرار المثل القائل: (جوع كلبك يتبعك) لأنهم إما يتبعون فيجدون ما يأكلون فيعيشون! أو يموتون في جوع ومخمصة. وهاهي أمريكا تقوم بتجويع الشعوب بواسطة عملائها المتربعين على سدة الحكم ومنها أفغانستان الحبيبة التي تئن تحت وطأة الاحتلال الأمريكي.

وخير شاهد ما كتبه أحد الصحفيين: “بعد بزوغ الفجر، يتجمع مئات الرجال كل يوم عند التقاطعات الرئيسية في العاصمة كابول وغيرها من المدن الأفغانية؛ بعضهم على عكازه، وبعضهم الآخر يحمل أدوات بدائية للعمل كالرفش أو المعول.غالبيتهم في ثياب رثة، لكنهم جميعاً ينشدون عملاً ولو ليوم واحد لجمع بضع دولارات قد تفي لعدة أيام. ومن ثم يأتي أرباب العمل تجول أعينهم في المكان لانتقاء “الأفضل” وغالباً ما يكونون بحاجة إلى شخص أو شخصين للعمل في أشغال البناء وقبل أن يتوقفوا، يحتشد العشرات حول سياراتهم ويتنافسون للفوز “بالوظيفة”.

ومن ناحية أخرى تنتقل النساء المتسولات وأطفالهن من سيارة إلى أخرى في شوارع كابول والمدن الأخرى لاستجداء بعض المال على أمل التمكن من شراء القليل من الطعام والحصول على بعض الدفء في هذا الشتاء القارس، وعادة ما تبدأ رحلتهن هذه في الساعة السابعة صباحاً لتستمر حتى الساعة السادسة مساءً من كل يوم، وهن لا يستطعن الحصول خلالها سوى على 100 إلى 150 أفغاني (2-3 دولارات)، وفقاً لما قالته بعض المتسولات، وأشارت إلى أن ذلك يكاد لا يكفي حتى للخبز والشاي”.

نعم، رغم مئات مليارات الدولارات التي أغدقت منذ دخول قوات الاحتلال لبلادنا، لا تزال أفغانستان واحدة من أكثر الدول فقراً في العالم، ويشير تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى أن 12 مليون من مجمل السكان البالغ عددهم 30 مليون نسمة، أو 8 من أصل كل 10 أشخاص يبلغون السن القانونية للعمل، هم عمال غالبيتهم لا يملكون مهارة أو خبرة في أي مهنة أو حرفة أو صنعة محددة وحتى في المناطق الريفية، فإن العمل مؤقت أيضاً، وموسمي لكن مهما كان نوع العمل في أفغانستان، يبقى الأجر زهيداً، وزهيداً جداً. وكل العاملين، سواء أكانوا دائمين أو مؤقتين، يكسبون ما معدله 410 دولارات في السنة أو حوالي دولار واحد في اليوم، وفقاً لما أعلنه البنك الدولي مؤخراً.

والحكومة التي ينخر فيها الفساد، تعتمد بشكل رئيسي على المساعدات الدولية وتصب أكثرها في جيوب أمراء الحرب الفاسدين، أوتعتمد على أموال “السوق السوداء”، وهي تحديداً الأموال المتصلة بتجارة المخدرات المزدهرة التي يرعاها أمراء الحرب المخضرمين.

منذ ستة عشرة عام، لم ينعم البلد المحتل بأي ازدهار سوى المخدرات التي ليست للتصدير فحسب، بل للأسف هنا أشخاص مدمنون للمخدرات والافيون في البلد. وتشير الدراسات إلى أن نحو ثلاثة ملايين شخص يتعاطون المخدرات في أفغانستان، و من الصعب التوصل لأرقام دقيقة بخصوص أعداد متعاطي الهيروين والأفيون من الرجال والنساء والأطفال في البلاد.

وساعدت تجارة المخدرات وزراعتها وتعاطيها على تفشي الفساد والفقر، ويعترف المسئولون أن جماح الفساد في أفغانستان أقوى من استطاعة السيطرةعليه. وقد أكدت تقاريرلحقوق الانسان أن “حالة الفقر المدقع في البلاد ليست صدفة وإنما هي نتيجة مباشرة للحرب الجائرة ولسوء أوضاع حقوق الانسان وعدم الاستثمار الجيد فيه وتفشي حالات الفساد. فالحكومة لا تستطيع توفير الخدمات الأساسية مثل الأمن والغذاء والمسكن أو حتى حماية المجتمع من الفوضى. والاحتلال يتحمل المسؤولية لسوء مراقبة أوجه صرف برامج المساعدات التي تصل لمليارات من الدولارات.

لاشك أن المخدرات سبب الهلاك وموجب الدمار، ومشكلة المخدرات من أخطر المشاكل الصحية والاجتماعية والنفسية التي تواجه العالم بأجمعه، وطبقا لتقديرات المؤسسات الصحية العالمية يوجد حاليا أكثر من 801 مليون من البشر يتعاطون المخدرات أو يدمنونها.

وسجلت زراعة الخشخاش ازدهارا كبيرا في البلاد في حقبة الاحتلال، وأصبحت افغانستان أكبر مصدر عالمي لهذا المخدر، وحقق المزارعون هذه السنة محصولا استثنائيا من الأفيون في ارتفاع بنسبة 87% نتيجة اتساع المساحات المزروعة إلى مستويات قياسية، وفق ما أفاد تقرير نشر أخيرا من مكتب الأمم المتحدة.

وبلغت قيمة الأفيون الذي أنتجه المزارعون حوالى 1,4 مليار دولار، بزيادة 55%، وفق هذه الدراسة السنوية التي يصدرها مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، وعزا التقرير هذه الزيادة إلى تزايد انعدام الاستقرار وضعف سيطرة الدولة والفساد الاداري وقلة الإمكانات المتاحة. وحذرالتقرير بأن “مستويات زراعة الخشخاش العالية والاتجار غير المشروع بالمواد الأفيونية سيعززان على الأرجح انعدام الاستقرار… “. وتابع التقرير أن “المزيد من الهيرويين عالي النوعية والمتدني الكلفة سيصل إلى الأسواق العالمية، مما سيؤدي على الأرجح إلى تزايد الاستهلاك والأضرار المرتبطة بها”.

هذا وأنفقت الجهات المانحة الدولية المليارات من الدولارات على حملات مكافحة المخدرات في أفغانستان خلال السنوات الماضية، لكن لم تسفر عن أية نتائج تذكر. بل على العكس، ازدهرت زراعة الأفيون في بلادنا في ظل الاحتلال. وقد دعا المجتمع الدولي الحكومة العميلة مرارا إلى مكافحة الفساد والمخدرات، وشدد على ضرورة بذل جهد دولي لمصالح أفغانستان، ليتمكن هذا البلد المنكوب من تلبية حاجاته على صعيد التنمية والأمن والاستقرار، كما شدد على ضرورة المصالحة الوطنية. ولكن أين الآذان الصاغية والاستطاعة الكاملة والإرادة الصلبة والقلوب المفعمة بالخير والصلاح؟

نحن لا نلوم الحكومة العميلة، فهي كالعبد الكل على مولاه أينما يوجهه لايأتي بخير، ولكن نتساءل: ماذا فعلت أمريكا والغرب بخبرتهما الواسعة وتقنيتهما الفائقة؟ هل استطاعت القضاء على المخدرات في البلد المحتل؟ هل استطاعت أن توقف أخبث مرض أفرزته المخدرات مثل الايدز؟ هل استطاعت كبح جماح الفساد المستشري في البلاد؟ وهل استطاعت إطعام هذا الشعب الفقير حتى النخاع؟ وهل يرجى ويتوقع من المجرمين ذلك؟ وكل ماسبق يعد فشلاً ذريعا لأمريكا والدول المجرمة التي شاركت معها في غزو بلادنا الحبيبة.