كفالة اليتيم ونبذة عن حقوقه

خلیل وصیل

 

اليتيم فعيل من يَتُم، وجمعه أيتام ويتامى ويتمة. ويعرف اليتيم في معاجم اللغة العربية بأنه الشيء الذي لا مثيل له، فنقول: بيت يتيم أي فريد، والدرة اليتيمة أي الفريدة، ونقول في وصف طالب شديد التفوق على أقرانه: يتيم دهره أي فريد دهره، وأما اصطلاحاً فاليتيم هو مَن فقد أباه قبل أن يبلغ سن الرشد.

قَالَ عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: “حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ)” رواه أبو داوود.

 

كفالة اليتيم معناها وفضيلتها:

عقد المحدثون أبوابا بعناوين مختلفة وعبارات متنوعة في كتبهم مفادها الحث على كفالة اليتم. كما ورد فضل كفالة اليتيم في أحاديث كثيرة سنذكر طرفا منها.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا”. وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. متفق عليه واللفظ للبخاري. ومعنى قال بإصبعيه أشار بإصبعيه. كما جاء في روايات أخرى.

ولا شك أن المعنى الأساسي لكفالة اليتيم هو تحمل نفقاته وما يحتاج إليه من أجل حياة كريمة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، ومع ذلك فإن كفالة اليتيم لا تقتصر على النواحي المالية فقط، بل يتسع معناها ليشمل احتضانه وتعليمه والاهتمام بصحته وإعداده نفسياً وتربوياً لمواجهة المستقبل، والأخذ بيده نحو الفضيلة، وتقوية روحه وعقله، وزرع الأمل في نفسه، والحرص على مستقبله وسلوكه، كما يكون حرص الأب على مستقبل أبنائه وسلوكهم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم) أي: القيم بأمره ومصالحه.

وقال الإمام يحيى بن شرف الدين النووي رحمه الله في كتابه “المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج”: (كافل اليتيم): القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك، وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه، أو من مال اليتيم بولاية شرعية.

قال ابن بطال رحمه الله: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك.

وقال الحافظ رحمه الله في الفتح: ويكفي في إثبات قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة أصبع أخرى.

يضيف الحافظ رحمه الله قال شيخنا في (شرح الترمذي): لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي؛ لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلا لهم ومعلما ومرشدا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك. انتهى ملخصا.

 

نبذة عن حقوق اليتيم التي وردت في الشرع الحنيف:

– من حقوق اليتامى: إكرامهم والإحسان إليهم.

والآيات القرآنية في الإحسان إلى اليتامى والرحمة عليهم كثيرة، نذكر آيتين منها على سبيل المثال لا الحصر:

قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} الآية.

يقول أبو الليث السمرقندي رحمه الله: وقوله تعالى: وذي القربى يعني أحسنوا إلى ذي القربى (واليتامى) يعني أحسنوا إلى اليتامى والمساكين. والإحسان إلى اليتامى والمساكين أن يحسن إليهم بالصدقة وحسن القول.

وقال الطبري رحمه الله: وباليتامى أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة.

وقال ابن كثير رحمه الله: واليتامى وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم.

وكما حرص الإسلام على إكرامهم، وحثَّ عليه، عاتب من لا يكرمهم ولا يحسن إليهم؛ قال الله – تعالى-: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17].

قال أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير في تفسير هذه الآية المباركة: فِيهِ أَمْرٌ بِالْإِكْرَامِ لَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي هُريرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ”

– ومن حقوقهم: إطعامهم والإنفاق عليهم.

إننا نجد أن الله عز وجل قد جعل الإنفاق على اليتامى من أبواب الصدقات، وحينما سأل أحد الأغنياء: على من أنفق؟ من أولى الناس بالإنفاق عليه؟ نزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة 215]، وقال تعالى في وصف المؤمنين المتقين: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}[الإنسان 8]. بل وبين لنا ربنا تبارك وتعالى أن من أسباب اقتحام العقبة يوم القيامة، والنجاة في ذلك اليوم العظيم، إطعام اليتيم، قال تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد14 – 15]. فإطعام اليتيم خاصة عند الحاجة وفي أزمنة الأزمات من أعظم القربات عند الله.

روى البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى السُّوقِ فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا وَلَا لَهُمْ زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمْ الضَّبُعُ وَأَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الْغِفَارِيِّ وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ وَلَمْ يَمْضِ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ غِرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا ثُمَّ نَاوَلَهَا بِخِطَامِهِ ثُمَّ قَالَ اقْتَادِيهِ فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمْ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرْتَ لَهَا قَالَ عُمَرُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ.

ووصف النبي الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – المنفقين على الأرامل، وهن يُربِّين أيتامهن بأنَّ لهم أجورَ المجاهدين والقائمين والصَّائمين.

عقد الترمذي رحمه الله بابا بعنوان باب: ما جاء في السعي على الأرملة واليتيم، وذكر فيه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (السَّاعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار، ويقوم الليل).

 

– ومن حقوقهم: معاملتهم معاملة حسنة وملاطفتهم واحتضانهم والدعاء لهم.

ومما شرعه الإسلام في معاملة اليتيم: المسحُ على رأسه مؤانسةً وملاطفةً، حتى يشعر بقربه من الناس وحبهم له، لعل هذا يخفف من معاناته ويشحذ عزيمته.

أخرج الإمام أحمدعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ مَسَحَ على رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلاَّ لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ.

روى أحمد في مسنده والسيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة، أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له: “إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم ”

وفي رواية: «فَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْهُ».

قال عبد الرؤوف المناوي في كتابه “فيض القدير شرح الجامع الصغير” قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أردت أن يلين قلبك) أي لقبول امتثال أوامر الله وزاجره.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (وامسح رأس اليتيم) أي من خلف إلى قدام عكس غير اليتيم أي افعل به ذلك إيناسا وتلطفا به فإن ذلك يلين القلب ويرضي الرب.

وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح رأس اليتيم ثلاثاً ويدعو له.

وأخرج ابن اسحق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم باستشهاد جعفر ابن أبي طالب، طلب أن يؤتى بأبنائه إليه، فأُتِيَ بهم كأنهم أفراخ، فاحتضنهم وشمَّهم، وذرفت عيناه عليهم، ثم أمر بالحَلاَّق فجيئ به، فحلق لهم رؤوسهم.

 

ولقد جاء وعيد شديد لمن لا يوفي لليتامى حقهم، يؤذيهم ويدعهم، يظلمهم ويقهرهم والآيات والنصوص الشرعية في ذلك معلومة ومشهورة.

فالله الله في حقوق اليتامى، أكرموهم وأحسنوا إليهم، أطعموهم وأنفقوا عليهم.

أيها المسلمون إن الأيتام أمانة في أعناقكم فاتقوا الله فيهم، وتحملوا مسؤولياتكم تجاههم.

عقد الإمام الحَافظ أبي عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجة القزويني في كتابه بابا بعنوان “باب: حق اليتيم” وأورد فيه حديثا عن سيدنا أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة”.

قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: قوله صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج) بالحاء المهلة من التحريج أو الإحراج أي أضيق على الناس في تضييع حقهما وأشدد عليهم في ذلك والمقصود إشهاده تعالى في تبليغ ذلك الحكم إليهم وفي الزوائد المعنى أحرج عن هذا الإثم بمعنى أن يضيع حقها وأحذر من ذلك تحذيرا بليغا وأزجر عنه زجرا أكيدا.