أمريكا في طريقها إلى الانهيار كما يرى مفكريها

مسلم يار

 

يومياً نرى ونسمع حول انهيار أمريكا الوشيك، وهذا شيء يسرّ المسلمين ويثلج صدورهم، بل ويزدادون به فرحاً عندما يرون بأنّ هذه الاعترافات تصدر منهم أنفسهم، وعلى ألسنة ساستهم ومفكّريهم، الذين يسعون دائماً إلى تحذير من بأيديهم مقاليد الحكم من الانهيار القادم، إن لم يتداركوا الأمر.

فهل يعقل الساسة في أمريكا أم سيتمادون في غيّهم إلى أمدٍ بعيد؟

وفي ظلّ السياسات الحالية التي يتخّذها مجنون البيت الأبيض من المستبعد أن تنجو بلاده من خطر الانهيار المنتظر بفارغ الصبر والذي سوف يسحق الإمبراطورية الأمريكية، لا سيماّ في الظروف الحالية حيث تتقوى دولتا الشيوعية الصينية والروسية يوماً بعد يوم اقتصادياً وعسكرياً وفي جميع المجالات الأخرى. أمّا أمريكا فمنشغلة في إنفاق كبيرٌ وجهد مضني يمنعانها عن التقدّم في الحروب التي تستنزفها يومياً.

ومرّة أخرى نقتطف بعض من اعترافات مفكري أمريكا علّها تبلغ رشدها وتفقه ما يعظها به من يريدون صلاحها، وفي مقدّمة الاعترافات ننقل قول جون ايكنبري (John Ikenberry)” أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “برينستون” الأمريكية، الذي يؤكد في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية تحت عنوان: “مستقبل النظام العالمي الليبرالي” أن أمريكا في طريقها إلى الانهيار، وأن نظام القطب الواحد الذي يحكم العالم سوف يزول عما قريب، نتيجة ظهور قوى عالمية أخرى كالصين التي تملك أكبر اقتصاد في العالم.

ويضيف ايكنبري أن النظام الدولي المعاصر ليس في جوهره أمريكي أو غربي الصبغة، حتى وإن بدا كذلك لظروف تاريخية. فهو نظام تراتبي ارتكز على القوة الأمريكية، لكنه ذو صفات ليبرالية. وبينما تتجه الهيمنة الأمريكية إلى التراجع، فإن الأبعاد التراتبية لهذا النظام تتداعى، في حين تستمر أبعاده الليبرالية.

أمّا المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” (Noam Chomsky) الذي يكون لكتاباته دوي عجيب في الأوساط الأمريكية فهو يرى بأن إمبراطورية أمريكا في طريقها إلى الزوال، ويعتقد بأن هيمنتها الإمبريالية قد تغيرت بشكل ملحوظ ولم تعد تتمكن من فرض سيطرتها في هذا المجال على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وشدد “ميشيل كوكس” (Michael Cox) أستاذ العلاقات الدولية والمحلل السياسي في صحيفة “الغارديان” البريطانية على أن العالم ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين يشهد حقيقة جديدة أطلق عليها اسم “تغيير القوى” وهي تؤكد أن أمريكا والدول الغربية بشكل عام في حال إنهيار متواصل، وإن نظاماً عالمياً جديداً بدأ يتبلور وينهض في مقابل ذلك، ويتشكل هذا النظام من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا والذي بات يعرف إختصاراً باسم بريكس (BRICS).

“أمّا جدعون راشمان”(Gideon Rachman)  المحلل السياسي المشهور في العديد من المجلات الأمريكية يؤكد بأنّ أمريكا ينبغي أن تفكر بجدية في موضوع انهيارها، مشيراً إلى أن سلطة واشنطن على العالم لن تتكرر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

ويضيف جدعون أن أمريكا ومنذ عام 1991 وحتى عام 2008 كانت تعاني من أزمة اقتصادية حادة، وهذا الأمر شكل في الحقيقة بداية لانحسار هيمنتها على العالم بشكل واضح نتيجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة والكثيرة التي نجمت عن تلك الأزمة، ومن المرجح أنها لن تتمكن ثانية من استعادة هذه الهيمنة مهما حاولت.

ونوّه هذا المحلل السياسي الأمريكي إلى أن القدرة الاقتصادية والعسكرية التي تتمتع بها الصين باتت تشكل تحدياً حقيقياً لقدرة أمريكا وسعيها للهيمنة على مقدرات العالم على المدى البعيد، مشيراً إلى أن التنافس يدور اليوم بين أمريكا والعديد من الدول الناهضة وفي مقدمتها الصين والبرازيل وتركيا والهند وإيران في شتى المجالات، وهذه الدول الناهضة تنتهج سياسات متباينة من شأنها أن تغير من موازين القوى في العالم وتؤدي بالنتيجة إلى إضعاف أمريكا وتحد بالتالي من هيمنتها على النظام الدولي في الميادين المختلفة.

ويرى “ستيفن كوهين” المحلل السياسي الأمريكي المعروف في الشؤون الدولية بأن أمريكا ستفقد قدرتها ونفوذها في العالم، معرباً عن إعتقاده بأن هذا الأمر هو في طور التحقق دون رجعة، مضيفاً أن معايير ومستويات المعيشة الأمريكية قد انخفضت بالمقارنة مع الدول المتقدمة والنامية. مشيراً في الوقت ذاته إلى أن أمريكا كانت في السابق دولة غنية وذات سلطة ونفوذ، لكنها بدأت تتغير وتضمحل قوتها وقدرتها، ويبدو أن حلم الليبرالية الأمريكية قد انتهى.

ويعتقد الأستاذ والمؤرخ الأمريكي الفريد ماك كوي (Alfred McCoy) أن موت أمريكا كقوة عظمى يمكن أن يكون أسرع بكثير مما يحتمل تصوره، وهذا الأمر قد يحصل بشكل تام علي الأرجح في عام 2025 خصوصاً أن ميزان القوى الاقتصادية بدأ يميل لصالح الشرق، مشيراً إلى أنه في عام 2012 كان أكثر من 65 بالمئة من الأمريكيين يعتقدون بأن قوة بلادهم في طريقها إلى الاضمحلال. ويعتقد “ماك كوي” بأن السبب الذي سيقف وراء هذا الانهيار يعود بالدرجة الأولى إلى إعتماد النهج العسكري في إدارة شؤون العالم.

كما أنّ لبعض المراكز آراء في هذا المضمار منه معهد “بروكينغز “ الأمريكي الذي يرى بأنّ الكثير من المراقبين السياسيين والاقتصاديين يعتقدون بأن أمريكا سائرة نحو الانهيار منذ الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم في عام 2008. وقد طرحت هذه المسألة علي بساط البحث في الصين ودول أخري كثيرة، وأن الكثير من المواطنين الأمريكيين باتوا يعتقدون بأن سقوط هيمنة بلادهم أمر حتمي، وسيشهد المجتمع الدولي قريباً “عالم ما بعد أمريكا”.

ولسنا في غنىً هنا عن رأي جامعة “هارفارد” الأمريكية التي تؤكّد في تقارير لها بأن النظام السياسي الأمريكي قد ثبت فشله، كما أن الاقتصاد الأمريكي يعاني من الانهيار وانتهى عصر ازدهار الاقتصاد الأمريكي منذ نحو عشرين عاماً، وبات حلم الهيمنة الأمريكي في مهب الريح، وفقد الأمريكيون ثقتهم بزعمائهم السياسيين، وبدأت الأقطاب السياسية الحاكمة في البلد تهيمن على مقدرات المجتمع، ووصل الأمر إلى حد اليأس من إمكانية إصلاح هذا الوضع، وانعدمت الثقة بشكل كبير بقدرة الحزبين الجمهوري والديمقراطي على فعل شيء إزاء خيبة الأمل هذه.

هذا غيض من فيض اعترافات مفكّري أمريكا، ومن شاء الاستزادة فليبحث في هذا الموضوع، فسيجد كماً كبيراً من الاعترافات حيال انهيار أمريكا القريب، أمّا متى وكيف يكون، ففي علم الله، ولكن الشعوب المسلمة المضطهدة تدعو الله سبحانه وتعالى صباح مساء بأن يروا بأمّ أعينهم هذا اليوم الجليل، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، والله قدير غالب على كل شيء، وهو ولي المؤمنين وناصرهم.