الافتتاحية: القدس أخت الكفاح

لمدينة القدس مكانة عظيمة في قلب كل مسلم؛ فهي الأرض المباركة، وهي مهبط الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإليها أُسرِي بالرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها عُرِج به إلى السماء، وهي قبلة المسلمين الأولى، وتحتضن في قلبها المسجد الأقصى المبارك الذي تعدل الصلاة فيه مئتين وخمسين صلاة، وتتزين بآثار الحضارة الإسلامية التي عمرتها أيام الفاتحين الأُوَل، وتضم في ثراها مقابر الشهداء وأبطال المسلمين على مرّ العصور، وهي التي نالت من الشرف والقدسية بورودها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة مالم ينله أي مكان آخر على وجه الأرض بعد المسجد الحرام.

 

وفي تجاهلٍ صريحٍ لما ترمز إليه هذه المدينة المقدّسة في ضمائر المسلمين، وفي خطوة عنصرية واستفزازية لمشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم؛ أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترمب) مساء السادس من شهر ديسمبر الحالي (2017) اعتراف إدارته بالقدس عاصمةً للكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، ونقل سفارة بلاده هناك من (تل أبيب) إلى (القدس).

والأمر الذي يؤمن به كل المسلمون هو أن “تل أبيب” والقدس وكامل فلسطين واقعة تحت احتلال صهيوني معتدٍ، لا حق له في شبر من أرضها ولا ذرة من ترابها، وستطلع شمس ذلك اليوم الذي يطردونه ويقتلعونه فيه من هذه الأرض الطيبة المباركة طال الزمان أم قصر.

واعتراف (ترمب) لم يثبت شيئاً بقدر ما أثبت الحقائق التي يطمرها غبار الأيام بين الحين والآخر، فلا تلبث العواصف والمحن أن تعصف بها، فتظهر بيضاء ناصعة من جديد.

أثبت اعتراف (ترمب) أن الشعوب الإسلامية لا تموت، وأن الخيرية في هذه الأمة إلى قيام الساعة. لقدر رأى العالم جموع الغاضبين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وهم يهتفون ضد أمريكا والكيان المسمى (إسرائيل) وينددون بالإعلان الأمريكي. ورأى روح الاتحاد والاجتماع تدبّ في جسد الشعوب الإسلامية من جديد انتصاراً لقضيتهم الأولى؛ القدس.

رآهم في فلسطين وتركيا والجزائر وباكستان وأندونيسيا والأردن ولبنان وتونس وموريتانيا ومصر والكويت والمغرب والسودان وماليزيا، بل رأى المكلومين في العراق واليمن وسوريا وليبيا يتحاملون على أوجاعهم ويهتفون للقدس الحبيبة.

ورآهم في أفغانستان ذات الستة عشر ألماً، يربطون جراحهم ويتناسون مصابهم ليقفوا مع أخت كفاحهم ونضالهم؛ القدس الشريف. ومن عجائب الأقدار أن الذي يحتل أفغانستان ويقتّل أطفالها هو الذي أعطى “القدس” عاصمةً لمن يحتل فلسطين ويقتّل أطفالها!

وفي الحقيقة نحن مستبشرون بهذه الخطوة الحمقاء التي أقدم عليها (ترمب) لأنها خطوة للأمام على طريق تحرير بيت المقدس بإذن الله تعالى. والأمر كما قال مصطفى السباعي رحمه الله: “إن لله سيوفا تقطع رقاب الظالمين منها: أخطاؤهم وحماقاتهم”.

وربما يسأل سائل: ما فائدة مثل هذه المظاهرات والاحتجاجات دون تسيير الجيوش؟ فنقول: نعم، لا شك بأن الحقوق المغتصبة لا تُسترد إلا بالسيف وبالجهاد، ولكن مثل هذا السؤال لا يوجّه للشعوب، بل إلى الحُكّام الذين يمتلكون السلطة والقوة.

والشعوب بحد ذاتها طاقة قوية جداً وفعّالة، لكن لابد لهذه الطاقة من صاعق يفجّرها فينقلها من حالة السكون والركون إلى حالة الحركة والإنطلاق، والقادر وحده على تفجير هذه الطاقة هو الله عز وجل تحت ظرف ما وفي لحظة ما. قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة:251]. وعن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ). [رواه مسلم].